🔞 تنبيه: هذا المقال تحقيق استقصائي جاد عن ظاهرة خطيرة على الإنترنت. يحتوي على وصف لمحتوى إباحي وأعراض إدمان سلوكي. القصد تحليلي واجتماعي، وليس ترويجياً. إذا كنت تعاني من إدمان الإباحية، فالرجاء طلب المساعدة المتخصصة.
المقال مسموع
0:00
-52:44
في ينايرَ المنصرم، اجتمع نفرٌ من الشباب، لا يبلغون من الكثرة إلا عشراتٍ معدودة، وقد اكتسوا القلنسوات الفضفاضة والسراويل الواسعة، على باب مقهى في تمبي بولاية أريزونا، ينعون رجلاً في السابعة والعشرين من عمره يُدعى نوتيكا مالون. جاءوا مشاةً، وجاءوا ركّاباً إلى جوار السائقين في سيارات آبائهم؛ يحملون الزهور والشموع النذرية، ولافتاتٍ خطّوها بأيديهم، وقمصاناً طُبع عليها وجه مالون باسماً. وكان المقهى الذي احتشدوا أمامه—«بيكيني بينز»—واحداً من سلسلةٍ تُقدِّم فيها النادلات خدماتهنّ بلباس البحر. وقبل أيامٍ من ذلك، كان مالون قد وقف بسيارته عند نافذة الخدمة، عارياً من أسفل خصره، واضعاً يده على قضيبه؛ وكانت النادلة قد بادرت إلى التصوير منذ أن أطلّت السيارة على نافذتها. ويعسر القول: لِمَ ذاع هذا الفعل بعينه دون غيره من الجرائم؟ لعلّ في ملامح الرجل ما أغرى بالانتشار؛ إذ بدا واثقاً، بل كأنّه يتصنّع الإغواء، يرجو أن يستميل من تصوّره. أيّاً كان السبب، فما لبث المقطع أن غدا لازماً في الانترنت، لا يُفلت منه ناظر. ولم يزل عدد المشاهدات في تصاعد، حين ركب مالون سيارته، وطاف بها بلداتٍ متباعدة، ثم أطلق النار على رأسه في المقعد الأمامي من سيارته «دودج تشالنجر»، تاركاً رسالةً إلى زوجته وأطفاله الصغار يستغفرهم فيها ويستعطفهم.
استأثرت وفاة مالون بعناية الصحافة الشعبية، وتصدّرت حديث المنصّات، حيث وُسمت بلفظٍ مستحدث: «إماتة النشوة - Goonicide». وأمّا مراسم تأبينه فكانت مشهداً ساخرًا بُثّ على الهواء، عُرف باسم «جنازة قائد النشوة - Gooneral ». والعجب أن هذه الألفاظ—على غرابتها—كانت مفهومةً لدى مئات الآلاف ممّن تداولوها، كأنّهم يتكلمون لغةً نشأت بينهم ونضجت في الخفاء. والإشارة فيها بيّنة لا لبس فيها: أنّ الفعل الذي تُشتق منه—«to goon»—قد جاوز حدّه، وانفلت من عقاله. وربما يغدو تعريفه، عند قراءة هذه السطور، لغواً لا حاجة إليه؛ غير أنّي—رجاءً ألا يكون ذلك اليوم قد أتى ولن يأتي—أذكر له تعريفاً.
«الاستغراق في النشوة - Gooning » ضربٌ مستحدث من الاستمناء؛ بل هو أدقّ من ذلك: هيئةٌ مخصوصة داخل ثقافةٍ فرعيةٍ وُلدت على الشبكة، مغرمةٍ بالإباحية، يتصدّرها جيلٌ حديث جيل Z ، وهي في تماسكها وحرارتها لا تقلّ عن حركاتٍ عُرفت في أزمانٍ سابقة مثل الهيبيين. ويشبه هذا الفعل ما يُسمّى «الاقتراب من الحافة»، حيث يقرّب المرء نفسه مراراً من الذروة دون أن يبلغها. غير أنّ «الاستغراق في النشوة» أشدّ قصداً، وأقرب إلى الطابع الجماعي؛ فصاحبه إنما يبتغي بلوغ «حالة الغون»، وهي—في زعمهم—منطقةٌ يذوب فيها الشعور بالذات، أو نشوةٌ تُشبَّه أحياناً بمراقي التأمل العليا، يبلغها المرء بعد ساعاتٍ طوال، بل ربما أيام، من هذا الفعل المتكرر. ولم يكن الحاضرون في «الغونيرال» معنيّين بأن مالون—بحسب الشواهد—لم يكن من هؤلاء، بل كان منحرفاً منفرداً لا ينتمي إلى جماعتهم؛ إذ حسبوه، في أعينهم، قد «استُشهد» من أجل ضربٍ من التعبير عن الذات، فكان ذلك كافياً ليجعلوه رايةً لقضيةٍ أخذت تتبدّى كأنها حركةٌ قائمة، لها أنصارها، وربما—إن مضت في طريقها—نوّابها وإعلامها، بل ومتطرّفوها.
وقد ظهر «الغونرز» أول ما ظهروا في نطاقٍ محدود، من خلال ما سمّوه «كهوف الغون»: غرفٌ أُعيد ترتيبها لتكون محراباً لاستهلاك الإباحية. وكان الظنّ أن من يبني كهفاً كهذا سيسعى إلى إخفائه أشدّ الإخفاء؛ فيشتري الأقفال، ويُقيم الكاميرات، ويصوغ الأعذار لكل ساعةٍ يقضيها في خلوته، ثم لا يلبث أن يفزع من نومه مذعوراً خشية انكشاف أمره. ولكن الذي وقع هو النقيض؛ فقد تباهوا بها، ونشروا صورها على «ريدِت». وهذه الصور، التي انتشرت منذ عام 2021 على الأقل، كانت مما يثير الدهشة: شاشاتٌ متعددة—ثلاث، أربع، بل ربما عشرات—كلّها مشتعلة بصورٍ بالإباحية، لكن أحدهم لاحظ بشكل خاص القضيب المنتصب الخاص بالمجرمين، والذي يظهر في المقدمة في الإطار مثل حركات الإبهام الهشة، كأنه إعلانٌ صارخ لا حياء فيه. كانت تلك الأماكن أشبه بالأضرحة، ولكنها أضرحةٌ مكرّسةٌ لهذا اللون من الهوس. وإذا نظرنا إليها بعد حين، بدت كأنها دلائل مبكرة على أذى نفسي عميق خلّفته الإغلاقات على الناس؛ فهي، في معناها، تقابل صور الشوارع الخالية في زمن الوباء: هناك عرفت أين ذهب الناس، أو أين ذهب بعضهم على الأقل، أولئك الذين لم يكونوا—من قبل—أقوى الناس نفساً وأشدّهم تماسكاً. ومع ذلك، لا يُستبعد أن بعض هؤلاء لو عاشوا في زمنٍ آخر، لكانوا آباءً، وأصحاب أعمالٍ صغيرة، ورجالاً يُعتمد عليهم، يمضون إلى أعمالهم في هدوء، وتملأ أذهانهم حسابات الأسهم وأخبار الحدائق. ولكنّ نظمًا اجتماعيةً تهاوت، وخطوطاً تاريخيةً تلاقت، فخرج لنا هذا النمط الجديد من الناس.
ولم يكن في وسع أحد—إلا قليلين—أن يتنبأ بقيام طائفةٍ عالميةٍ تدور حول الإباحية. غير أنّ صعود هؤلاء، إذا نُظر إليه من بعد، لم يخلُ من مسحة الحتمية. فمن تابع تطوّر الإباحية على مدى عقدين، أحسّ—في وفرتها وتنوعها المذهل—بملامح إنسانٍ جديد، وعلاقةٍ مستحدثةٍ بالجسد والرغبة. وقد شهدتُ في حياتي هذا التحوّل: ففي صباي كانت المجلات تُخفى في الأعالي، فيقف الفتى على الكرسيّ، ينظر إليها نظر المذعور المأخوذ. ثم لمّا بلغت الجامعة، في أواخر العقد الأول من هذا القرن، كانت البيئة الجديدة قد استقرّت: إنترنتٌ سريع، ومنصّاتٌ تبثّ ما لا يُحصى من المقاطع بلا مقابل، ثم جاءت الهواتف الذكية، فجعلت كل زاويةٍ من الحياة مسرحاً محتملاً لهذا العرض بالمواد الإباحية.
وفي تلك المرحلة، كان من أراد هذا اللون من المشاهدة يحتاج أن يقصده قصداً. أمّا اليوم، فقد تغيّر الأمر؛ فما كاد هؤلاء يتجمعون قوةً اجتماعية، حتى غدا المرء لا يفتح تطبيقاً إلا ويُدفع إليه هذا المحتوى دفعاً. على «إنستغرام» صورٌ وحركاتٌ من النساء ذوات الصدور الكبيرة يقطعن الحبل، ويلعبن في قمم الدبابات، وينظفن أسنانهن بينما يسيل لعابهن بشكل مثير. وعلى «تيك توك» ما يقاربها، وأمّا «تويتر» هو الاستثناء: حيث واجهت ببساطة مواد إباحية غير مقطوعة ومتشددة. أعلم أننا نصنع خوارزمياتنا الخاصة، لكنني لا أعتقد أنني كنت منحرفًا بشكل فريد. كان الوضع هو نفسه بالنسبة لكل رجل مستقيم عرفته تقريبًا. ويُقال إننا نصنع خوارزمياتنا بأيدينا، غير أني لا أرى نفسي حالةً شاذة؛ فالأمر يكاد يعمّ من أعرف من الرجال. وكان هذا السيل موجّهاً إلى منصّاتٍ أخرى، تُغري بالاشتراك المدفوع، وتفتح أبواباً لمزيدٍ من الإنفاق على خدماتٍ إباحية خاصة مثل التقييمات الشخصية للقضيب أو مقاطع الفيديو العارية لتنظيف المطبخ. ومع هذا الضغط المتصل، بدا مرجحاً أن طائفةً من الناس، ممن لا يملكون مناعةً نفسية كافية، ستنهار دفاعاتهم، وتنقاد لمنطق هذه المنصّات، حتى يغدو هذا الفعل شغلهم الدائم الذي لا ينقطع.
كان في نفسي—وأقولها على حذر—جزءٌ لا يزال يوقن بأن هؤلاء الغونرز بشرٌ كسائر البشر. فلا ريب أنهم، في أطوارٍ من حياتهم، عانقوا أجداداً، وربّتوا على حيواناتٍ أليفة، وانحدروا ملفوفين في معاطف الشتاء على منحدرات الثلج، آمنين في ظلّ وليٍّ يحوطهم بالمحبّة والرعاية. ولم يخطر ببال واحدٍ منهم—وهو طفل—أن يقول: إذا كبرتُ جعلتُ حياتي استهلاكاً مفرطاً لهذا اللون من المحتوى، حتى يغدو منظري باعثاً على الخوف من اختلال العقل. ولم يرسم أحدهم—في رفق الطفولة—على ظهر أوراق الهندسة، صورة كهفٍ سيخلو إليه يوماً إن مضت به الحياة على هذا النحو. وقد خامرني شوقٌ إلى لقاء هؤلاء، والحديث إليهم؛ إذ بدا لي أنهم رسلُ مستقبلٍ لمحتُه من بعيد، ولعلّ عندهم ما يُعلِّم.
فأين يُلتمس هؤلاء؟ دلّتني لحظاتٌ من البحث على موطنهم الأظهر: «ديسكورد»، وهو منصّةٌ للتراسل الاجتماعي، تُشبه في ظاهرها «Slack»، غير أنّها تفتح عالماً متشعّباً من الخوادم وغرف الدردشة لا تُنال إلا بدعوة. فإذا كان «إنستغرام» ملتقى جيلٍ ينشر الرسوم البيانية عن قضايا المجتمع، فإن «ديسكورد» بدا موئل جيلٍ آخر يتداول فيه ما يخفى من شؤونٍ متباينة: من حديث الألعاب إلى أطرافٍ أشدّ اضطراباً كفيديوهات إطلاق النار فى المدارس. وكان هذا—في الظاهر—المسار الطبيعي: أن ينصرف الشباب عن منصّات آبائهم إلى فضاءاتٍ خاصة، يضعون لها قوانينهم، ويؤلّفون فيها جزرهم الصغيرة من التوافق. فانضممتُ إلى أوّل خادمٍ وجدته في هذا الباب: «GoonVerse»، وفيه عشرات الألوف من الأعضاء. قرأتُ قواعده، فإذا هي تجمع بين تقدّمٍ ظاهر—منع خطاب الكراهية ونحوه—وبين صرامةٍ لافتةٍ في مواضع أخرى توحي بمشكلاتٍ تتكرر بنشر المواد الإباحية عن الأطفال. وقبل الدخول، طُلب إليّ أن أختار «أدواري»: العمر، والمنطقة، والجنس، أمورٌ مفهومة، ثم تتشعّب الأسئلة بعد ذلك. أأرغب في تنبيهاتٍ مخصوصة «للبطولات»؟ هل كنت «مقاتل استمناء عالي»، أم مجرد «مقاتل استمناء عادي»؟؟ أأنا من فئةٍ بعينها أم من أخرى؟ فأجبتُ على عجل، ثم دخلتُ «غرفة البث».
وتخيّل—إن شئت—أنك في مصنع استمناء، في عالمٍ سفليّ، وقد جلستَ إلى مكالمةٍ زوم تُعقد على موعد العمل؛ فماذا ترى؟ ترى ما رأيت في GoonVerse. كان المشهد—على اتساعه—مغموراً بمادةٍ واحدةٍ الإباحية نفسها تحتل معظم الشاشة، مونتاج فائق الحركة لقضبان هائلة تندفع داخل وخارج بطلات كرتون يابانيات، ونساء خيول CGI مصممة بشكل خشن، ونجمات إباحية حقيقيات. ثم، بالطبع، كان هناك الغونرز، مصطفين جنباً إلى جنب في مربعات في أسفل الشاشة، رؤوسهم محجوبة — مقطوعة بكاميراتهم عند الرقبة — وأيديهم في حركة هستيرية. وانبعثت في النفس—على غير نظام—مخاوفُ بدائيةٌ من طفولةٍ بعيدة: صورٌ عالقة، وألوانٌ هائجة كانت تملأ شاشة الحاسوب إذا اضطرب، توحي بأن في الآلة روحاً عاتيةً تريد الأذى. كان أحد الرجال في غرفة البث يستمني على المرحاض. بدا أحدهم وكأنه يستمني في السجن.
قلتُ في نفسي: هذا أمرٌ جديرٌ بالنظر، وهو فوق ما يُحتمل في النظرة الأولى، فلأعد إليه بعد حين. ثم يمّمتُ وجهي إلى «إكس»، فوجدت طائفةً من الحسابات من يصفون أنفسهم بـ«مضخي الأيدي» و«عاهرات المضخ» يمدحون «لحم السلوليت السمين العصير المتمايل»، ويمارسون «حرفة الغون»، ويشتاقون إلى «وقود الغون». ولم تكد عيناي تألفان هذا السيل، حتى وقعتُ على حسابٍ يُدعى «غونكالتيست». وكان صاحبه من أولئك الذين غلبت عليهم ملازمة المنصّات، ويعملون في التقنية، ومع ذلك بدا ذا إلمامٍ غريبٍ بتياراتٍ فلسفيةٍ معاصرة، حتى ليصدر كلامه عنها بيسرٍ لا يخلو من تعقيد. وكان العثور عليه—في هذا الخليط المجنون—راحةً ظاهرة؛ إذ أحسستُ أنّه يعترف بغرابة ما يجري، وأن الناظر إليه من خارجٍ قد يستقبحه. فقلتُ: لا بدّ لي من دليلٍ يدخلني هذا العالم، يثبّت خطواتي فيه؛ فبعثتُ إليه رسالة.
ولمّا تكلّمنا بعد أيام، عرض «غونكالتيست» تاريخاً متشعّباً لما يسمّى «الغونينغ». وزعم أن بعض جذوره ترجع إلى جماعاتٍ كانت تنشط في مواقعٍ قديمة في 4chan، تمارس لعبةً تقوم على الصور والنصوص تُدعى فاب رووليت على الموقع، لها قواعدُ مطوّلة، وصيغٌ شاذةٌ في التطبيق ((تخيل واحدة من تلك الألعاب اللوحية المتخصصة ذات الدُفعات الصغيرة التي تحتوي على نرد متعدد وكتب قواعد بطول خمسين صفحة. الآن تخيل أن القواعد ملصقة بشكل سيء بالفوتوشوب على صورة امرأة كرتونية ذات تناسبات سخيفة. الآن تخيل أنك تأكل سائلك المنوي الخاص من الأرض لأن المرأة الكرتونية أمرتك بذلك. هذا، من حيث أستطيع استنتاجه من بقاياه الباقية، فاب رووليت.). وأمّا البثّ المباشر، فربطه بمنصّاتٍ أُنشئت لأغراضٍ بريئة—كمشاهدة الأعمال معاً من نتفليكس مثلاً—ثم استُعملت في غير ما أُنشئت له. غير أنّه أكّد أن كل محاولةٍ لوضع تاريخٍ خطّي جامعٍ لهذه الظاهرة محكومٌ عليها بالإخفاق؛ فهي—في حقيقتها—مظلّةٌ واسعة، تلتقي تحتها نزعاتٌ غربية شتّى لا يجمعها خيطٌ واحد.
ولمّا سألته عن «الغونر» في صورته العامة للشخص العادي، أنكر أن يكون لهذا الوصف وجودٌ إلا في الخيال الإحصائي؛ إذ المجتمع—في رأيه—متشعّبٌ إلى مجالاتٍ متداخلةٍ كثيرة. وكان هو نفسه—إذا قيس بغيره—أهدأ حالاً، على ما له من ميولٍ خاصةٍ لا حاجة إلى تفصيلها، غير أنّه يبدو مستغرقاً فيما يقدّمه هذا الفضاء. وقد أخذتُ، مع الزمن، أتبين معسكراتٍ شتّى داخل هذا العالم؛ أسماءٌ لم تكن تعني لي شيئاً، ثم أخذت دلالتها تتضح شيئاً فشيئاً: الغونرز المهينون، المتعصبون للفتيات الإلكترونيات، الغريبون BNWO؛ أنواع السموم ومحبي PMV؛ المقاتلون والمغذون والمصرفون. كان هناك أيضاً المتحرشون بالأطفال المفتوحون إلى حد ما أو أقل، المجتمعون تحت راية «No Limits»، مطاردين من ديسكورد إلى ديسكورد ومحظورين صراحة في معظم ما صادفته. ولكن أيُّ إحصاءٍ يمكن أن يُحاط به هذا كله؟ لقد قضيتُ ساعاتٍ في التصفّح المتواصل، فما وقعتُ على دراسةٍ رصينةٍ تُحيط بهذه الظاهرة؛ كأنّ الباحثين—على كثرة ما قاسوا ودوّنوا في الخيال الإيروتيكي عبر الإنترنت—قد أعرضوا عنها إعراضاً يكاد يكون تامّاً.
لولا عُسْرُ الإحاطة بالصورة الكلية، لما عجزتُ عن تحديد روح «الغونر» تحديداً دقيقاً؛ غير أنّ هذا العجز هو الذي دعا إلى ابتكار أداةٍ أقرب إلى الاستقصاء، فكان «استبيان الغونينغ»: ثلاثاً وثلاثين مسألةً تدور على موضوعاتٍ من قبيل مدة الجلسة، وأنماط التفضيل في المواد الإباحية، والتاريخ الجنسي السابق على هذه الممارسة، إلى غير ذلك من الشؤون المتصلة بها. وقد دفعتُ بهذا الاستبيان إلى أكبر عددٍ استطعتُ الوصول إليه من هؤلاء.
وكنتُ أظنّ أن القوم سيحتاجون إلى قدرٍ من الاستمالة، وربما إلى طمأنةٍ بأنني لا أنصب لهم شركاً للسخرية، فإذا بي أجدهم كأنهم كانوا ينتظرون من يخاطبهم؛ أقبلوا على الاستبيان أفواجاً، حتى اضطررتُ إلى قصره على نحو مائة مجيب. وفي أيامٍ معدودات، اجتمع لديّ من المادة الخام ما يفوق ما طمعتُ في تحليله يوماً. ومن هذا الركام المضطرب من الإجابات—نحو ثمانين ألف كلمة، كثيرٌ منها متأثرٌ لا يستقيم فيه الإعراب، ومن أناسٍ يقيمون في الغالب في الولايات المتحدة وأوروبا، وفيهم نفرٌ من أمريكا الجنوبية، ورجلان من أفريقيا—يمكن استخلاص بعض الملامح العامة.
أول هذه الملامح—وهو حاسم—أن أكثر هؤلاء لا يداومون على جلساتٍ متصلةٍ تمتد ثماني ساعاتٍ أو اثنتي عشرة ساعة، كما خُيّل إليّ في بادئ الأمر؛ بل يقعون في ذلك على فتراتٍ متباعدةٍ في الشهر، ويقضون سائر الوقت في جلساتٍ أقصر، يبلغ متوسطها—على ما حاولتُ حسابه—ساعتين أو ثلاثاً في اليوم. وبعبارةٍ أخرى، فإن «حالة الغون»—وهي لبّ هذه الثقافة وعنوانها—لا تُنال إلا نادراً؛ إذ أقرّ عددٌ غير قليلٍ من المجيبين أنهم لم يبلغوها قط، مع أنهم لم يُنكروا وجودها. وهي، كالنشوة التي تعتري العدّاء، أو الإشراق الذي يلمّ بالمصلّي، ليست غاية الممارسة، بل ثمرةٌ عارضةٌ لا تُستدعى بالأمر. أمّا ما تشير إليه هذه الحالة—وكيف تُحَسّ—فإن نماذج من الإجابات تكشف عنها: شعورٌ بالانفصال عن الذات، وبهجةٌ مفرطة، وإحساسٌ كأن المرء منجذبٌ إلى حالةٍ غير مألوفة، أو مغمورٌ في وسيطٍ سائل، مع اضطرابٍ في الإدراك الجسدي وفتورٍ في الخوف من بلوغ الذروة، إذ يغدو المطلوب هو الحال نفسها لا نهايتها.
وما يجمع هؤلاء—على تباينهم—إنما هو الطقوس الجماعية التي تُحيط بهذه الحالة؛ فقد زعم نحو سبعين في المائة من المجيبين أنهم يشاركون في واحدٍ منها أو أكثر. وأكثر هذه الطقوس شيوعاً ما يسمّى «التغذية»، وهو ضربٌ من التفاعل الجنسي عبر الشبكة، يتوسّط فيه هذا المحتوى، فيمدّ أحدهم جلسة الآخر بإرسال مواد منتقاة من مجموعته الخاصة، وهو ما يُشار إليه اصطلاحاً بـ«وقود الغون». وقد تكون المرسلات مقاطع قصيرة، أو صوراً متحركة، غير أن الغالب ما يُعرف بـ«غونكابس»، وهي في جوهرها موادّ مركّبة ذات طابعٍ ساخر أو تفاعلي، تقوم على توظيف الصور في سياقٍ واحد. وقد نشأ حول إنتاجها اقتصادٌ صغير؛ إذ أخبرني فتىً من بلغاريا—حرص على أن يميّز نفسه من «الغونرز»—أنه وأصدقاءه يجنون رزقاً محدوداً من إعداد موادّ مخصوصة بحسب الطلب، وأن دافعه إلى الحديث كان—على حدّ قوله—«إلقاء الضوء على مواضع إخفاق المنظومات الأخلاقية في حماية بعض الشباب».
ويخوض آخرون ما يُعرف بـ«معارك الاستمناء»، وهي صورةٌ تنافسيةٌ من «التغذية»، يُقيّم فيها المشاركون اختيارات بعضهم لبعض من المواد الإباحية على مقياس من عشر نقاط. وقد تعرّفتُ إلى تفاصيلها من شابٍ مصري في الثالثة والعشرين، سمّى نفسه «فوجي»، التقيتُه في سياق متابعةٍ على أحد خوادم هذه المعارك في «ديسكورد». وكان في خبره ما يلفت النظر؛ فقد أمضى أشهراً في تدريب عضلاتٍ مخصوصةٍ لبلوغ الذروة دون قذف، ابتغاء إطالة زمن الممارسة، وكان مع ذلك أشدّ ما يهمّني في أمره علاقاته بزملائه، إذ بدت فيها مسحةٌ من رقّةٍ وتواطؤٍ لا تُنكر، كما تشهد بها محاوراتٌ اطّلعتُ عليها بينه وبين غيره.
وقد استوقفني في هذه الظواهر ما تنطوي عليه من دلالةٍ معقّدةٍ في سياق ثقافةٍ يغلب عليها الطابع المغاير؛ إذ يبدو أن هذه الممارسات قد تفتح لدى بعضهم—وإن ظلّوا يعرّفون أنفسهم تعريفاً تقليدياً—أبواباً من الفضول المزدوج في حيّزٍ افتراضي، يتجلّى أحياناً في رغبةٍ بالهيمنة الرمزية داخل ألعابٍ تفاعلية. ولا ينفي هذا وجود فئاتٍ أخرى صريحة التعدد في الميول، ولا من يعرّفون أنفسهم بهوياتٍ جنسيةٍ مختلفة، ولا نساءً متحوّلات، إلى غير ذلك من أطياف هذا المجتمع. فإذا أغمضتَ عينيك عن فجاجة الصورة، كدتَ ترى في هذا العالم تحقيقاً لخيالٍ قديمٍ عن فضاءٍ شبكيٍّ منزوع الأحكام، سائل الهوية، غير أنّ الأرجح—في ظني—أن كثيراً منهم يبتغي قبل كل شيءٍ «إحساس الانتماء»، كما عبّر أحد المجيبين، وهو إحساسٌ أخذ العالم الحديث يضيق به شيئاً فشيئاً.
وليس المرء بحاجةٍ إلى كبير عناءٍ—ولو كان من هواة الأنثروبولوجيا—ليدرك، وهو ما تؤكده الإجابات بإلحاح، أن هذه الظاهرة يمكن ردّها، في جانبٍ منها على الأقل، إلى واقعٍ حادثٍ في مطلع هذا القرن؛ إذ أُتيح لجلّ أطفال العالم المتقدم—في غضون سنواتٍ معدودات—وصولٌ فوريٌّ غير مقيّد إلى المواد الإباحية الفاضحة شديدة الصراحة، بل إلى أقصى صورها تطرفاً مما عُرف في تاريخ الإنسان. وقد أفاد كثيرٌ من المجيبين أنهم بدؤوا التعرض المنتظم لهذه المواد في سنٍّ مبكرةٍ جداً، منذ المرحلة الابتدائية، قبل أن يبلغوا الثانية عشرة؛ وأن ما كانوا يشاهدونه لم يكن هيّناً، بل أموراً كان الوصول إليها—في عصورٍ سابقة—يتطلّب وسائط وجهداً، ولا يتيسّر إلا لمن يلتمسها التماساً.
على مدى العقد الأخير، دأب كتّاب الرأي—يوماً بعد يوم—على إبداء القلق من هذه الحال، ولا سيما من أثر سيل المواد الإباحية—وفي كثيرٍ منها عنفٌ بيّن وعداءٌ صريح للنساء—في سلوك الشباب الجنسي في واقعهم المعاش. غير أنهم قلّما التفتوا إلى احتمالٍ آخر: أن تكون هذه المواد بذاتها كافية، وأنها—إذا اقترنت بسرعةٍ كافية وكثرةٍ طاغية—قد تغدو بديلاً عملياً عن الحياة نفسها. وقد كان هذا صادقاً عند بعضهم قبل الجائحة، غير أنّ الإغلاقات عجّلت—على ما يبدو—بهذا المآل تعجيلاً كارثياً لدى الأصغر سناً من جيل «زد». وقد دهشتُ أول الأمر حين وجدتُ أن من بين 107 مجيبين، زعم 47 أنهم نشطون جنسياً على وجهٍ ما—وهو عددٌ يزيد كثيراً عمّا توقعت. غير أنّ حساباً يسيراً ردّ الأمور إلى نصابها: متوسط عمر «الغونر» النشيط جنسياً سبعٌ وعشرون سنة، ومتوسط عمر غير النشيط ثلاثٌ وعشرون—أي في سنّ المدرسة الثانوية أو الجامعة حين بدأت الإغلاقات. وكانت هذه الفئة الأخيرة—في الاستبيان—أكثر ميلاً إلى تعريف نفسها لا بوصفها «غونر» فحسب، بل بوصفها أيضاً «بورنو-سكشوال» (من يجعل إشباعه الجنسي معقوداً على المواد الإباحية وحدها).
ويمكن أن تُفهم «البورنو-سكشوالية» على أنها ضربٌ من العزوبة المختارة، أو ما يُسمّى «فولسيل» (العازب طوعاً). فهي—مثلها—تقوم على ترك العلاقة الجنسية، غير أن صاحبها يتركها لا لعجزٍ أو امتناعٍ اجتماعي، بل لأن حاجته تُشبَع—في زعمه—إشباعاً تاماً عبر المواد الإباحية، التي يتخيلها بعضهم كياناً قائماً بذاته، أو «معبوداً» يستوجب ولاءً يومياً لا ينقطع.
ومن هؤلاء رجلٌ في الثامنة والعشرين يقيم في لوس أنجلوس، يتخذ اسم «سبيشاك»، وليس من الغارقين إلى الحد الأقصى. عثرتُ عليه في «ريديت»، حيث لفت نظري «كهف الغون» الخاص به: فقد أحصيتُ في الصورة التي نشرها سبعةً وعشرين مقطعاً إباحياً تعمل في آنٍ واحد، مصحوبةً بوصفٍ تقنيٍّ مفصل—ثمانية أجهزة لوحية وثلاث شاشاتٍ كبيرة—كأنها دليلٌ لهواة هذا الصنف من «التصنيع المنزلي». غير أنّه—للأسف—مضطرٌ إلى نصب هذا الترتيب كلما همّ بالمشاهدة، ثم تفكيكه عقب الفراغ، ما دام مقيماً في بيت والديه.
وقبل أن ينخرط «سبيشاك» في مجتمع «الغونينغ» ويتبنى هذا التعريف، لم يكن إلا عازباً، ولم يكن في ذلك—باعترافه—ما يثيره جنسياً على نحوٍ خاص، على خلاف بعض المجيبين الآخرين. وهو يقرّ بأنه لم يكن «بارعاً في الحديث مع النساء»، وأنه يعجز عن قراءة الإشارات الدقيقة في التفاعل البشري. فلما بلغ عامه الجامعي الثالث، لم تعد حوله—أصلاً—بيئةٌ تسمح بالتعارف؛ إذ كانت الجائحة في أوجها. وهناك، في غرفة طفولته، بين دروسٍ تُلقى عبر الشاشة، احتاج إلى منفذٍ يفرّج به عن نفسه.
وقد ساق «سبيشاك» أسباباً يعلنها لهذا المسلك: منها الخوف من الأمراض المنقولة جنسياً، ومنها قلق الأداء وما يتصل به من رهبة التقييم. وكلاهما مفهومٌ إلى حدٍّ ما: فالمواد الرقمية لا تنقل عدوى، و«الملف المضغوط» لا يطعن في رجولة صاحبه. غير أن ما لا يفعله «الملف» كذلك أنه لا يخادعك؛ وهذا الجانب من فلسفته هو—في نظري—أشدّ إثارةً للدلالة، وأقرب إلى تمثيل عقلية «غونر» من جيل «زد». فالأشد إقلاقاً عنده من الفعل الجنسي ذاته هو استحالةُ التيقّن مما يدور في ذهن الشريك: ماذا لو كانت مَلولةً مما يفعل، لكنها تجامل؟ بل ماذا لو كانت غير مرتاحةٍ من أصل الوضع؟ وكيف يُعلم ذلك؟ «إنه مُرهِق»، يقول، «للطرفين».
وفي أفضل الفروض، قد يجد «البورنو-سكشوال» صديقةً، ويمضي بقية عمره يصارع آثار «كهف الغون» في عيادات الأطباء ومناسبات الأسرة، وربما غيّر اسمه ليدفن الماضي. وحتى يحين ذلك، يبقى احتضانُ هذه المواد بلا قيد. غير أنّ الاستبيان كشف أن ما يستهلكه كثيرٌ منهم لا يشبه الصورة التقليدية للمادة الإباحية؛ إذ نشأوا على منصّات «الأنابيب» التي تسمح بالتنقل السريع بين المقاطع—عشرةً وأكثر في جلسةٍ واحدة—فألفوا مستوىً من التحفيز لا تكاد تلبيه الصيغ المعتادة. ومن هنا اتجهوا إلى نمطٍ جديد يُؤلِّه هذا الإيقاع المتسارع في الاستهلاك، ويجعله مبدأً بنائياً: «الفيديو الموسيقي الإباحي» (PMV).
والـPMV هو إباحية نقية —في حقيقته—مادةٌ مصفّاة، جُرِّدت من كل ما يبطئ نفاذها إلى الدماغ؛ فسيفساء كثيفةٌ مدهشة، تُركّب من مئات اللقطات المقتطعة من موادّ مختلفة، وتُلصق في مقاطع قصيرة، تُصاحبها موسيقى صاخبة متكررة الإيقاع. وفي بعضها تحذيراتٌ من نوباتٍ عصبية، وإشاراتٌ إلى موادّ تُستنشق لزيادة الإحساس، مع تحديد مددها. وكثيرٌ منها يبدو كأنه صادرٌ من «جمهورية غونر» متخيّلة: عالمٌ مُحاطٌ بالشاشات، تذوب فيه اللغة، وتتحول فيه المعاملات—من طلب الطعام إلى عرض الزواج—إلى تداولٍ معقّد لصورٍ متحركة ذات طابعٍ جنسي. وليس خافياً أن هذا اللون يستهويهم استهواءً شديداً. أمّا سرّ الجاذبية، فتبيّنه إجابات الاستبيان: أنه فرطُ التحفيز في أقصى صوره، وأنه يختصر عناء التنقل بين المقاطع، وأنه—في تمثيلٍ شائع—يشبه امتزاج «تيك توك» بالإباحية في سيلٍ لا ينقطع من التنويع والإثارة، حتى يبلغ حدّ «إرهاق الدماغ»، وأن الومضات السريعة وحركات الأجساد تُسرّع الاندفاع إلى الحالة المطلوبة.
ومن يطالع عشراتٍ من هذه المقاطع—ولو بحجةٍ مهنية—يلحظ أن حركاتٍ بعينها تتزامن في الغالب مع الإيقاع الموسيقي؛ وهذا ابتكارٌ يُنسب إلى «نودلديود»، وهو مصمّم ويب هولندي في الثامنة والعشرين، تصدر أعماله مراتٍ معدودةً في العام، فتُستقبل بحماسةٍ تُشبه حماسة المعجبين بنجوم الغناء لدى نخبةٍ من المولعين بهذا المجال. وقد بدأ بمحاولاتٍ أولى، ثم ذاع صيته بأعمالٍ جعلت أسلوبه معياراً يُحتذى، حتى قلّ أن تجد اليوم مقطعاً في مواقع هذا المسار لا يستلهم أثره.
وأما «الفتيات الإلكترونيات»، فلهنّ شأنٌ عظيم في هذا السياق؛ إذ أفاد كثيرٌ من المجيبين أنهم لا يكادون يعرفون أسماء ممثلاتٍ حقيقيات، بقدر ما ينصرف اهتمامهم إلى هذه الفئة الغامضة: نساءٌ يتقمّصن هيئة «لاعباتٍ» بملامح اصطناعية—شعرٌ بألوانٍ فاقعة، وزيناتٌ مميزة، وأزياءٌ ضيقة—وغالباً ما يبعن محتوى للبالغين عبر منصّاتٍ مخصصة لذلك. وقد أفرزت ثورة هذه المنصّات كمّاً هائلاً من المواد الإباحية ؛ فإذا قورِن عددُ الأفلام التي أنتجتها الصناعة التقليدية في عامٍ واحد بما يقدّمه ملايين «المنشئين» اليوم، تبيّن حجمُ الفائض الذي يواجهه المستهلك الدؤوب: وفرةٌ تكاد تعجز عنها الطاقة. ومن ثمّ تبدو الـPMV—بما تجمعه من أفضل هذه المواد في لفائف قصيرةٍ مشحونةٍ بالإيقاع—استجابةً منطقيةً لهذه الكثرة الطاغية.
وجدت في هذا المقال ما يستحق التفكير؟ شاركه مع شخص واحد تعتقد أنه سيُقدّره. هذا أكبر دعم يمكنك تقديمه للمحتوى.
كان «نودلديود»—وهو يحدّثني من منزله في أمستردام—زاهداً في ادّعاء الفضل، قليل الاعتداد بما صنع. وقد اتفق رأيه ورأي من لقيتُ من صنّاع «الفيديو الموسيقي الإباحي» على أنّ صناعتهم لا تباين—في أصلها—صناعة روّاد موسيقى الهيب هوب الأوائل؛ إذ كانوا يأخذون المادة القائمة فيلوونها إلى صيغٍ جديدة. وهو—مع ذلك—واعٍ بأنه وزملاءه ينتفعون من أعمال غيرهم، ومتهيّبٌ من رسائل الغضب ووعيد الدعاوى؛ فشرع أخيراً يذكر أسماء كل امرأةٍ تظهر في مقاطعه، وسخّر ما له من نفوذٍ في مجلس ألعاب «PMV» العالمي ليفرض هذا المسلك على المشاركين. بل كوّن فريقاً من المتطوعين المتحمسين، يمشّطون المقاطع قبل اعتمادها، ليتحققوا من أن النساء الظاهرات فيها بالغاتٌ راشدات؛ إذ تسلّل في الماضي من لا يجوز ظهورهن من الأطفال، وهو—في عبارته—«وضعٌ غير حسنٍ البتّة».
ولم تمضِ مدةٌ على لقائنا الأول حتى قُدّر لي أن أشهد أثراً من آثاره في ميدانٍ حيّ. كان ذلك في ظهيرةٍ من يناير تُلقي على النفس عبثاً ثقيلاً، وأنا في الطابق السابع من فندقٍ في «جيرسي سيتي»، أرقب رجلاً في الخمسين يُعرف بـ«رجل السوار» وهو يهيّئ—بجدٍّ ظاهر—أساسَ لقاءٍ جماعيٍّ لمشاهدة المواد الإباحية، هو الخامس والثلاثون من سلسلة «Real Porn Meets». كان منحنياً على واحدٍ من حواسيبه الثلاثة، غارقاً في مادة البث، يصارع شبكة الفندق، إذ لمع على الشاشة مقطعٌ لـ«نودلديود».
قلتُ—وقد فاجأتني نبرة الحماسة في صوتي—: «نودلديود! أعرف هذا الرجل!» فاقشعرّ جلدي من غرابة ما سمعت من نفسي. رفع «رجل السوار» رأسه، واستدار نحوي، وقال في وقارٍ: «إنه فنّان».
وليس في هيئة «رجل السوار» ما يشي بانفلاتٍ أو صخب؛ بل هو هادئ، يعمل في تقنية المعلومات، ويتخذ من مشروعه موقفاً ساخراً من ذاته: «إذا سُئلتَ: ما هوايتك؟ قلتُ: أجمع—كل بضعة أشهر—عشرين رجلاً في غرفة فندق لمشاهدة هذه المواد الإباحية». وكان—في تلك اللحظة—يبث قائمةً منتقاة إلى خادم «Porn Streaming Hub» على «ديسكورد» (نحو خمسةٍ وثلاثين ألف عضو)، على سبيل الترويج غير المباشر لسلسلته التي أنشأها عام 2019، مستلهماً ثقافة غرف البثّ الناشئة آنذاك؛ إذ خطر له: «هذا حسن، ولكن لِمَ لا يكون في غرفةٍ حقيقية بدلاً من الشبكة؟». وقد أعلن مائةٌ وعشرون حضورهم لليلة، غير أن خبرته تُنبئ بأن نحو خمسة عشر فقط سيحضرون بالفعل.
وكان أول من دلّني على لقاء «جيرسي سيتي» رجلٌ يعرّف نفسه بـ«بورنو-سكشوال» يُكنّى «وايتبوي جاكر». وكان ذا حالٍ مضطربة، من أرواح هذا العالم التائهة؛ إذ أمضى شطراً من حديثنا يشرح—في لهجةٍ مقلقة—جاذبية إيذاء العضو الذكري إيذاءً يمنع الانتصاب الدائم، دون أن يمنع المداومة على الاستمناء ساعاتٍ طوالاً. ولا أدري أَحَضرَ في النهاية أم لا؛ فقد منعني «رجل السوار» من البقاء لذروة الحدث، ولم أجد في نفسي ميلاً إلى الاعتراض. غير أن الحديث معه عكّر مزاجي أياماً، وكانت المقاطع التي كنت أتابعها—بغرض الرصد—تزيد الأمر قتامةً، حتى كدتُ أيأس من أن ألمح في هذا العالم قبساً من تعويضٍ أو توازن.
وأما «رجل السوار» فكان—على انشغاله—مضيفاً ودوداً؛ رتّب «محطة التزييت» بإحكام، ووضع جهازاً مخصصاً لمحاكاة الإحساس الجنسي مقلوباً على منضدة المطبخ («لا يُستعمل كثيراً، لكنه موجود للمشاركة»)، وعلّق على الجدران مطبوعاتٍ ملوّنة من «الغونكابس». فقلتُ له: إن هذه الصور تبدو ألين روحاً من نظائرها على الشبكة، التي تميل إلى العدمية («استمرّ حتى يتهدّم ذهنك» وأشباهها). فأخبرني أن ما عنده أقرب إلى الدعابة، يمجّد لذّة الاستمناء في صحبةٍ مأمونة.
ثم بان لي أن هذه «الغونكابس» ركنٌ من «أجندته الخفية» في هذه اللقاءات؛ إذ هو—بحكم خبرته في ثقافة الميول الخاصة—يُعلي شأن الراحة والعناية بالنفس والرضا الصريح. وتشهد على ذلك الأساور التي يوزّعها: فليس كل من يحضر يقصد الفعل ذاته أو درجته؛ فجُعلت الألوان لبيان الحدود—أخضر لـ«كل شيء»، وأصفر لـ«فضول»، وأحمر لـ«عدم الرغبة». غير أن الأمر يتجاوز التنظيم إلى موقفٍ أخلاقي؛ فهو لا يتسامح مع تفاخر بعض الشبان—خاصة من جيل «زد»—بإيذاء أنفسهم: من يدّعي مواصلة الفعل أياماً بلا انقطاع، أو إهمال الطعام والعمل. وكان يقول: «إذا قال أحدهم: قضيتُ ست ساعاتٍ متصلة، وهنّأه الآخرون، قلتُ له: هل تشرب ما يكفي من الماء؟ هل تأخذ فتراتٍ للطعام؟ لعلّك تحتاج إلى نوم». وغايته—كما صرّح—تهيئة شروط «حياة غون طويلة وصحيّة».
وقد أثنيتُ على حرصه، مع ظنّي أنه جهدٌ يدفع سيلًا عرِماً ببابٍ موصد؛ فإن «الغونينغ الصحي»—كما قد يقرّ به الممارسون—تناقضٌ في ذاته؛ إذ الغاية، في هذا العالم، تميل إلى التدهور لا إلى السلامة.
وإذا التُمس خيطٌ جامعٌ لطرائق هذا الفن الشعبي المتشعّب، وجدته في دعوةٍ واحدة: إفناء الذات—لا جسداً، بل روحاً. فحيث كانت المادة التقليدية تدعو المشاهد إلى أن يتخيّل نفسه فاعلاً في المشهد، فإن مادة «الغون» تذكّره—على الدوام—بوحدته، وبأنه يلجأ إلى هذه الوسائط لأن الصلة الإنسانية متعذّرة. «حطّم ذهنك»، «امضِ أعمق»، «استسلم للحياة»—هذه شعاراتها. وحتى «نودلديود»—وهو من أهدأ أهل هذا الميدان—قد جرى مع هذا التيار؛ ففي مطلع أحد أعماله تهمس امرأة—بصوتٍ ملتبسٍ بين الإغواء والإنذار—أن «مئات الملايين مدمنون على وسائل التواصل، وأنت منهم؛ استمرّ في التمرير… أعمق… إلى الأبد… استسلم للإباحية… لا سبيل إلى الرجوع».
لستُ أتعمد إفساد لذّةٍ على أحد، وأنا أعلم أن نزوع النفس إلى ما يُسمّى بالإذلال الإيروتيكي نزوعٌ قديمٌ في بعض الطباع، ضاربٌ في أغوار التاريخ. غير أنّ الذي يقلقني حقاً هو أن أجد هذه الشهيّة—لهذا اللون بعينه من التدهور الافتراضي—قد استحكمت في نفوسٍ كثيرة هذا الاستحكام. وليس أدلّ على ذلك من أن شخصيةً بارزة كـ«أنجيلا وايت»—وهي من أشهر نجمات الإباحية في جيلها، حتى لُقّبت في الصحافة الشعبية بـ«ميريل ستريب الإباحية»—قد أخذت تتوجّه إلى هذا المجتمع توجهاً صريحاً، فتصنع لهم مواداً مخصوصة، وتُحيّي «غونرزي» في ظهوراتها الإعلامية. وقد صرّحت في أحد البرامج الأسترالية عام 2022 بأن هؤلاء «قد يظلون في حالة الإدجينغ أياماً وأسابيع بل أشهراً دون بلوغ النهاية، وأنهم ينشغلون بها انشغالاً تاماً، وهي تجد في إعداد محتوى لهم متعةً لأنها ترى مقدار حماستهم». وليس هذا—في نظري—من قبيل اللعب المتوازن في علاقات الهيمنة حين تكون وجهاً لوجه، حيث يُشترط قدرٌ من الحساسية أو—على الأقل—حدٌّ أدنى من الذكاء الاجتماعي الذي يدعو المرء إلى الخروج من عزلته والنظر في عيني غيره؛ بل هو، في حقيقته، جماعةٌ من الرجال، كلٌّ منهم في غرفته، يتعرّض لإذلالٍ قاسٍ عبر شاشته، ويغوص أكثر فأكثر في اليأس الذي دفعه ابتداءً إلى التماس هذا اللون من الإيذاء. حتى صُنّاع هذا المحتوى أخذوا—هم أيضاً—يشعرون بشيءٍ من الغرابة إزاء هذا الترتيب.
وكان حديثي مع أحد منتجي المواد الإباحية—وهو القائم على استوديو «HumiliationPOV»، صاحب عناوين حديثة من قبيل: «صغار الأعضاء يستحقون الوحدة والعزلة والغونينغ الذي لا ينتهي»—كاشفاً في هذا الباب؛ حتى إني آثرتُ أن أنقل خلاصة قوله في صورة مناجاةٍ موجزةٍ بعد تهذيبها:
إن الناس يغوصون حقاً في عتمة هذا الفتيش. فليس الأمر مجرد إدمان؛ بل إن بعض الرجال يجدون لذّةً في إذلال أنفسهم بسبب هذا الإدمان، وهم منغمسون فيه. وهو يمسّ مواضع عميقة جداً في نفس الرجل. حين بدأتُ منذ ستة عشر عاماً، لم يكن المشهد على هذه الحال. وأستطيع—بحكم عملي—أن أقول إن الأعداد قد نمت نمواً أسّياً.
إن «الغونينغ» نشأ—كأنه—من تلقاء نفسه؛ لا أدري من أين جاء، لكن الجميع يتقبّله. ونحن نستخدم هذا اللفظ حيثما استطعنا، ونتحدث عنه بقدر الإمكان. هناك عددٌ كبير من الرجال يعودون من أعمالهم كل مساء، فيشغّلون هذه المقاطع ويستمنون ساعاتٍ طويلة، حتى غدت هذه هي حياتهم الجنسية. ونحن—في مقاطعي—نُمعن في إذلالهم لأن هذا اللون من المشاهدة صار بديلاً عن حياتهم الحقيقية. بل نشجّعهم على ترك العلاقات، وعلى أن يقضوا أعمارهم في إنفاق المال على هذه المواد.
ولأعترف: إن في الأمر شيئاً من الالتباس؛ فهو أشبه بعقارٍ مُخدِّر، ونحن—على نحوٍ ما—نروّج هذا العقار لمدمنيه. وأتساءل أحياناً عن أخلاقيته. [يضحك.] نحن ندفع الناس إلى هجر علاقاتهم لأنهم غارقون في هذا الإدمان، ثم يزيدهم تشجيعنا غرقاً. فهل تراودني تساؤلات أخلاقية؟ نعم. وهل أوقفتني؟ [يضحك.] لا. إنني أستمتع بعملي وأحب ما أصنع.
وظلت كلمات هذا المنتج ترنّ في سمعي أسابيع، حتى لقيتُ شاباً في التاسعة عشرة يُدعى «JustDamage». وكنتُ—آنذاك—قد سئمت هذا العالم، بل سئمت السؤال نفسه: ماذا عسى أن يزيدني هذا الفتى علماً؟ وأيّ استقصاءٍ جديدٍ أجراه؟ وقد مضى بي في مسارٍ مألوف: يسمع المصطلح، يتعثّر بخادمٍ على «ديسكورد»، يعيد ترتيب حياته حول استمناءٍ طويلٍ يكاد يتخذ طابعاً شبه صوفي، ثم يبدأ عملاً جانبياً في إعداد «غونكابس» و«PMV» بحسب الطلب. وقد يجهل زبائنه صغر سنّه، وربما سرّهم ذلك لو علموه. فلما أرسل إليه أحدهم مواداً تتصل بالأطفال ليضمّنها في عملٍ من هذا النوع، آثر الانسحاب. وهو اليوم—كما يقول—«لا يزال يمارس الغونينغ بنشاط»، وغالباً عبر موادّ مصحوبةٍ بأصواتٍ تُؤكّد له—على نحوٍ ساخر—أنه لا ينبغي أن يشاهد ما يشاهده. قلتُ في نفسي: ما الجديد؟ فتىً لطيف. تجنيدٌ واسع. لعلّنا نحتاج إلى «مراكز إصلاح» نجعلها—ساخرين—ممتعةً لهم! وكنتُ أهمّ بإنهاء الحديث، إذ بدأ يقصّ عليّ حكاية.
قال إن له—فيما مضى—صديقاً، أو لعلّ «الصداقة» ليست اللفظ الأدق؛ إنما هو فتىً آخر على «ديسكورد» كان يتبادل معه أحياناً صوراً ومقاطع. ولشطرٍ غير يسير من هذا الجيل، قد يكون هذا هو معنى الصداقة. وكان ذلك الفتى في التاسعة عشرة أيضاً، حديث العهد بالمجتمع، لكنه اندفع فيه اندفاعاً أقلق «JustDamage» على سلامته. كانت غرفته—على حدّ الوصف—مغمورةً بالقمامة: السرير مكدّس، والأرض كذلك، وقد تلوّثت الأرض ببقايا البول، وتلطّخت الجدران بالمني. طلى نوافذه ليحجب الضوء، فلا يعرف تعاقب الليل والنهار. وكان لديه—فيما يُظن—عشرات الأدوات الجنسية من سدّاداتٍ شرجية وأجهزةٍ للمحاكاة وغيرها، لا يُنظّفها. وفي نهاية المطاف، اضطر «JustDamage» إلى قطع الصلة به، ولم يعد يدري أهو باقٍ في ذلك المجتمع أم انقطع عنه.
وهنا—على خلاف ما اعتدتُ من جمودٍ—أصابتني القصة في موضعٍ حيّ من نفسي؛ إذ بدت أشدّ هولاً مما سمعت من قبل. رغبتُ في العثور عليه، في معرفة ما آل إليه أمره. فأخذتُ أصفه لمن عرفتُ من «الغونرز»: فتى في التاسعة عشرة، نوافذ مطموسة، قمامة وبول… إلى آخره. فاستعادوا الذاكرة، وقال بعضهم: نعم، رأينا من يتبول على الأرض؛ أما النوافذ المظلمة، فلا نذكرها. وبحثتُ عن كل احتمالٍ لاسمٍ قريبٍ مما قيل—«PornosexualGooner101»—فكان كمن يطوف الأبواب في مدينةٍ كبيرة يبحث عن رجلٍ باسمٍ شائع.
ولأسبق خاتمة الحكاية: لم أعثر عليه قط. غير أني، كلما تخيّلته—ذلك الشاب الذي عاش هذا كله على الحقيقة، والذي إمّا أنه لم يفهم المزحة أو أدرك أنه لا مزحة هناك—رأيته في صورةٍ أخرى: عينان صافيتان، رأسٌ حليق، في ثوبٍ بسيط، يتعاطى علاجاً ويجلس إلى التأمل، يتقبّل—في دهشةٍ هادئة—حقبةً مظلمة من عمره. يفتح قلبه في جلسات المشورة، ويقيم أمسياتٍ للآخرين، ويرى—على أطراف وعيه—دعوةً جديدةً من «مغذٍّ» أو «رفيق استمناء»، فيأبى، ويقاوم.
ذلك يعني أنّني—في طبقةٍ خفيّةٍ من شعوري—كنتُ أتصوّر دائماً أني إن ظفرتُ به وجدته أهون ممّا يُقال، لا—كما هو الأرجح—أشدّ قسوةً وأفدح أثراً بما لا يُقاس.
وفي أول حديثٍ لي مع «غونكالتيست» وصف حال «الغون» بعباراتٍ تكاد تكون دينية النسق؛ إذ قال: «إنها من تلك الأمور التي لا تعمل إلا إذا آمنتَ بإمكانها»، ثم أردف: «وهذا ما يجعل التفكير فيها مُرهقاً حقاً». أفكنتُ أؤمن بحال «الغون»؟ بعد أشهرٍ قضيتها في ذلك العالم، غدا هذا السؤال مُلحّاً، لا يُجاب عنه بأدوات الصحافة المألوفة. فإن كانت «حالة الغون» وهماً جماعياً—وكان القوم يموّهون بها على أنفسهم أو على غيرهم—فلا بدّ أن ذلك يبدّل حكمي عليهم. وكيف أُقدم على إصدار حكمٍ لم أذق موضوعه بنفسي؟ ثم إني—في نهاية الأمر—إنسانٌ محدود الطاقة، لا يطيق امتصاص ضربات الأيام بلا توقٍ إلى زرّ يوقفها حيناً. ولم تكن فكرة إذابة الذات في سيلٍ لاذعٍ من الصور الإيروتيكية منفّرةً إلى الحد الذي يُغلق بابها إغلاقاً تاماً.
ومن باب التمهيد، آثرتُ أن أجرّب شيئاً من «مبارزات الاستمناء». فكان «FeedBitch» ألينَ خصماً وألطفَ عريكة، إذ ردّ هجمتي الأولى—وهي صورةٌ لنجمةٍ إباحية—بعبارةٍ مقتضبة: «ليس من ذوقي»، في نبرةٍ تحمل لطفاً مشوباً بشيءٍ من التعالي. وأما «كمدمبستر» فكان على الضدّ: فظّاً، عجولاً، شحيحاً في التقدير، كأنما أُقمتُ بين يديه لأنتقي له ما يوافق هواه من المواد. غير أنّ هذا كله لم يكن إلا إرجاءً لمهمتي الحقيقية، التي كانت تنتظرني في غرفة البثّ على «GoonVerse».
وإذا نظرتُ الآن إلى تلك التجربة، رأيتُ أني لو شئتُ لهيّأتُ لها أسباباً أوفى للنجاح: كان في وسعي أن أقتني واحدةً من تلك الأدوات المعقّدة التي يُشير بها القوم، أو أن أقضي سنواتٍ من نموّي العقلي في التقلّب في بيئةٍ ملوّثة، أرتشف ما فيها من أوحالٍ وأعبث بدوائرها. لكني—على ما أنا عليه—لا أستطيع إلا أن أقول: إنها لم تكن لي. فإن كانت ثَمّ «حالة غون»، فقد عجزتُ عن بلوغ عتبتها، ووقفتُ دونها في حالاتٍ أعرفها: اليأس، والذعر، والرهبة الجامدة من مستقبلٍ يلوح قريباً. جلستُ وحدي في غرفةٍ ومعي حاسوب، أراقب نفسي وأنا أراقب رجالاً آخرين يشاهدون هذه المواد الإباحية، وأتساءل: كيف سيكون العالم حين أشيخ؟
وحتى في هذه المرحلة المتأخرة، ظللتُ أعجز عن فهم كيف يجد امرؤٌ في هذا لذّة، فضلاً عن أن يستغرق فيه إدماناً. غير أنّ اعترافات القوم أنفسهم—على رغم ما يبدونه من إنكارٍ في محافلهم—تُفيد بأن أكثرهم ليس مدمناً إدماناً سريرياً. بل إن البحث ذاته لم يستقر بعد على ثبوت «إدمان الإباحية» بهذا المعنى. نعم، هم يُفرطون في حبّها، ويستهوِيهم تصوّر الخضوع لسلطانها المدمّر، وكثيرٌ منهم يتخذها مهرباً من أزماتٍ حقيقية. غير أنّ فعل «الغونر» في الجملة أقرب إلى لعب أدوارٍ مُلتبسٍ مشوبٍ بالكآبة؛ كأولئك المهووسين الذين يلوكون التهديدات في فضاءاتٍ عامة، لا ليُنفّذوا، بل ليحافظوا على مكانتهم في جماعتهم. وقد وجدتُ أن أكثر من حدّثتُهم لا يرغبون في تسليم حياتهم كلها لهذه المواد، بل ينظر كثيرٌ منهم إلى «المتطرفين»—أولئك «البورنو-سكشوال» الذين يُمعنون في تدمير عقولهم—بعين الارتياب، ويعدّونهم شذوذاً يُسيء إلى سمعتهم.
غير أني لا أطمئنّ كل الاطمئنان إلى نظرية «التفاحات الفاسدة القليلة»، ولا أستطيع أن أعزل هؤلاء القوم عن سائر الناس عزلاً محكماً. فلو تأملتَ فعلهم، وجدته غير بعيدٍ عمّا نألف: يقضون ساعاتٍ طوالاً في استهلاك مقاطع قصيرة، يلاحقون الإثارة عبر المنصّات، ينشغلون بنجومٍ صغارٍ يبتغون أموالهم، يذيعون تعلّقهم بهم في فضاءاتٍ عامة، ويخوضون تجارب ذاتية غريبة استجابةً لأوامرٍ عابرة. وهم—في الجملة—يؤثرون راحة التحديق في الشاشات على متع التواصل الحيّ. أفلا يبدو هذا مألوفاً؟ ألسنا نعرف من يفعل بعض ذلك؟ نعم، إنهم يقترنون بهذا كلّه بفعل الاستمناء؛ ولعلّ هذا—في وجهٍ من الوجوه—يجعلهم أصدق تعبيراً لا أكثر.
ولا ريب أن مقاطع «يوم في حياتي» أو «فتح الصناديق الغامضة» لا تُفسد الروح إلى الدرجة نفسها التي تُفسدها تلك المواد. ولكن يصعب مع ذلك ألا نرى «الغونرية» صورةً مُكثّفة—بل هزليةً كاشفة—لاتجاهاتٍ أوسع في الثقافة. وليس «البورنو-سكشوال» وحدهم من ينكفئون عن الحياة. ولعلّ من المفيد أن نعدّ شركةً مثل «آيلو»—المالكة لكبرى مواقع «الإباحية» والاستوديوهات—واحدةً من عمالقة الترفيه التقني، إلى جانب «ميتا» و«نتفليكس» و«فانديول». ومن منظور هذه الشركات، يكون المستهلك الأمثل هو من لا يفعل شيئاً سوى الغرق في هذا الاستهلاك: مشاهدةً، ومقامرةً، وربما متابعةً لغيره وهو يلعب. قد تُقاوم، فتقرأ كتاباً، أو تُلاعب كلباً، أو تشتري صندوقاً يحبس هاتفك؛ وقد تسخر من حاجتك إليه. ولكن—في حساب هذه الشركات—هم الغالبون. وإذا جرت الأمور على سُنّتهم—وهو الغالب—فربما صرنا جميعاً، على نحوٍ ما، من هذا الطراز و هالكين جميعاً.
وهذا لا ينفي أننا شركاء—بحماسةٍ أحياناً—في هذا التآكل البطيء لعقولنا، ولا يعني أننا، لو خلت الساحة من منصّاتٍ تُحطّم الانتباه، سنقصر استخدام الشبكة على ما ينفع من صلةٍ وهواية. لقد أقنعني النظر في أظلم زوايا هذا العالم أن العلّة قد تكون كامنةً في بنية الاتصال الشبكي نفسه. أفيوجد سياقٌ زمني أو تنظيمي لا تنقلب فيه الشبكة إلى مصنعٍ عالي الكفاءة لطوائف منغلقةٍ على ذاتها؟ أعسر عليّ أن أتصوّر ذلك. ومع هذا، يبقى الرجاء—وفي لحظات التفاؤل أراه ممكناً—أن يفضي الإفراط في التعرض إلى إبطال أثر الوسيط نفسه؛ وأن يفتح «الغونر» عينيه يوماً، فيجد نفسه في غرفةٍ عامرةٍ بالمزلّقات، خاليةٍ من الحب، فيقضي بأن ملل البقاء فيها أشدّ من الخوف ممّا وراء بابها.
مترجم من harpers بقلم Daniel Kolitz
أخذت شيئاً من هنا؟
فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.