RSS Amplifier

قراءات كانوية | مقالات فلسفة وعلم نفس وثقافة مترجمة · Jul 9, 2026

وفرة الوسائل وفقر المعنى

0
Sign in to vote or save

قراءات كانوية · قراءات كانوية | مقالات فلسفة وعلم نفس وثقافة مترجمة

لسماع المقال

0:00

-1:23:18

قرأتُ مؤخرًا رواية «آنا كارنينا».

ما أقدمت على قراءة هذا العمل طلبًا لتميّزٍ أو مباهاة، ولا في الأمر ما يستحق ذلك. نعم، هو كتاب يناهز ثمانمائة صفحة من الأدب الروسي، غير أن ليو تولستوي يمتلك من سعة الفن ما يجعل القارئ ينسى ضخامة الكتاب، حتى يبدو الطويل يسيرًا. وقد قرأه قبلي كثيرون، وليس فيما فعلت ما يجاوز المألوف.

أين كنت؟ نعم، أذكر.

لقد بدا لي، وأنا أقترب من خاتمة الرواية — ولست ممن يستعجلون الفراغ من الكتب — أن موضوعها الأعمق يدور حول لحظةٍ يبلغ فيها الإنسان ما سعى إليه، ثم يجد نفسه أمام سؤال لا يستطيع الإفلات منه: وماذا بعد؟

ولست أذكر ذلك على سبيل التفاخر — وقد قلت إن كثيرين قرأوا هذه الرواية — وإنما لأن هذا السؤال نفسه أخذ يتردد، من غير قصدٍ سابق، في معظم ما كتبته في مدونتي خلال الشهور الأخيرة.

فهو حاضر في حديثي عن «عودة السحر». فهذه العودة ليست ارتدادًا عن العقل، ولا إنكارًا للعلم؛ إذ بالعقل والعلم بلغ الإنسان ما بلغ، وبهما يواصل توسيع آفاقه. وإنما المقصود أن نسترد إلى جانب ذلك ما أهملناه من الدهشة والحدس، حتى نستعيد رؤية العالم بوصفه كلًّا حيًا مترابطًا، لا مجرد أجزاء متناثرة.

وهو حاضر كذلك في «أسئلة طويلة وأجوبة قصيرة». بل إنني أميل، كلما ازددت تأملًا، إلى الظن بأن قيمة بعض الأسئلة تكمن في أنها لا تُستنفد بجواب. فالسؤال الخصب ليس بابًا يُغلق بالحل، وإنما هو مبدأ ينظم التفكير، وبوصلة توجه العقل، ومنظار يعيد تشكيل الرؤية.

وهو حاضر أيضًا، بوضوح، في «الانتصار الأكثر إنسانية». ففي الجدل بين رون بارون وإيلون ماسك حول الذكاء الاصطناعي، يُفترض أن يبلغ هذا الذكاء قدرةً تتجاوز الإنسان، فيقضي على السرطان، ويزيد إنتاج الغذاء، ويختصر المسافات. ومع ذلك كله سنجد أنفسنا نعود إلى السؤال ذاته: وماذا بعد؟

ولعل «وماذا بعد؟» هو السؤال الذي يميز روح العصر.

ومع ذلك، فهو ليس سؤالًا جديدًا؛ فـ«آنا كارنينا» نفسها ليست ابنة هذا الزمن.

وقبل تولستوي بقرون، فرّق أرسطو بين الخيرات الآلية، كالمال والصحة والوسائل، والخيرات الجوهرية، كالفضيلة والصداقة والتأمل. ورأى أن حياة التأمل (bios theoretikos) هي أرقى صور النشاط الإنساني لأنها مطلوبة لذاتها، أما حياة العمل (bios praktikos) فهي ضرورة لا غنى عنها، لكنها وسيلة وليست غاية.

غير أن هذا التصور نشأ في مجتمعٍ تحكمه الندرة؛ فكان لا بد من قدر كافٍ من الخيرات الآلية —أى الوسائل— قبل التفرغ للتأمل. وهو ما يذكّرنا، في العصر الحديث، بهرم أبراهام ماسلو، الذي يفترض أن الإنسان لا ينصرف إلى تحقيق ذاته إلا بعد إشباع حاجاته الأساسية.

أما نحن فنعيش في عصرٍ تتدفق فيه الوسائل على نحو لم تعرفه العصور السابقة، ومع ذلك لم تزد هذه الوفرة نصيبنا من المعنى، ولم تجعل التأمل أيسر أو أعمق.

ولعل التجربة قد كشفت أن العلاقة ليست خطًا مستقيمًا كما تصور ماسلو، بل هي علاقة متبادلة بين الوسائل والغايات، وبين حياة العمل وحياة التأمل، أو — إن شئت — بين مطالب الجسد ومطالب الروح.

وقد قال يسوع: «مُرُورُ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ».

وكأن التجربة الإنسانية تشير، في جملتها، إلى أن وفرة الوسائل قد تجعل بلوغ المعنى أشق، وأن الإنسان كلما ازداد امتلاكًا ازداد حيرةً فيما ينبغي أن يطلبه بعد ذلك.

ولماذا يحدث هذا؟

لعل «آنا كارنينا» تومئ إلى جانب من الجواب. فالسعي نفسه يهب الحياة حرارةً ومعنى، والطريق إلى الغاية كثيرًا ما يكون أخصب من الغاية ذاتها. فإذا بلغ الإنسان ما أراد، خمدت تلك الحرارة، وشعر بفراغٍ لم يكن يتوقعه، كأن القوة التي كانت تدفعه إلى الأمام قد انطفأت فجأة.

وقد شهد بذلك كثير ممن بلغوا ذرى النجاح. فهذا مايكل فيلبس أصابه الاكتئاب بعد أولمبياد 2012، وهي من أعظم محطات مسيرته الرياضية. وهذه هاربر لي كادت تمتنع عن النشر بعد النجاح الهائل لروايتها «أن تقتل طائرًا بريئًا». وتصف ج. ك. رولينغ الفراغ الذي أعقب انتهاء سلسلة هاري بوتر بأنه شبيه بفقد عزيز. أما ريتشارد برانسون، فيعترف في كتابه «فقدان عذريتي» بأن نجاحاته التجارية تركت وراءها فراغًا لم يكن يتوقعه.

ومع ذلك، يبقى السؤال قائمًا: وماذا بعد؟

لقد أصبح الحصول على كثير مما نريد — أو نظن أننا نريده، أو نكتفي بصورةٍ مقلدةٍ منه — أيسر من أي وقت مضى. فإن أردت الإعجاب، جمعت آلاف الإعجابات في منشور عابر. وإن طلبت الثروة، سعيت إلى بناء شركة تبلغ إيراداتها المتكررة مئات الملايين. وإن أردت جوابًا، سألت الذكاء الاصطناعي. وإن أردت إنقاص وزنك، وجدت أوزيمبيك يعدك بذلك.

وقوة التكنولوجيا أنها تضاعف الوسائل وتخفض كلفة استخدامها؛ فهي تمكن الإنسان من إنجاز المزيد بجهد أقل. لكنها، على وفرة ما تمنح، لا تمنح المعنى. بل ربما جعلت الحاجة إليه أشد إلحاحًا، لأن الوسائل حين تتكاثر لا تجيب عن السؤال الذي يتجاوزها.

غير أن صعوبة الوصول إلى المعنى لا تعني استحالته. فالوسائل والمعنى ليسا بديلين، ولا يستطيع أحدهما أن يغني عن الآخر.

وهنا يصيب بعض فلاسفة عصرنا في تشخيص أزمة الحداثة، ثم يقفون عند حدود التشخيص و يتركون في موضع الدواء فجوةً واسعة يملؤها التشاؤم.

فقد وصف بيونغ-تشول هان عصرنا بأنه «مجتمع الإرهاق»، وكتب أن «الاقتصاد الرأسمالي يمنح البقاء مطلقًا»، فلا يعنيه من الحياة إلا استمرارها، ويوهم الإنسان بأن زيادة رأس المال تعني زيادة القدرة على العيش.

وهذا ليس باطلًا كله، وإنما هو نصف الحقيقة. فرأس المال قد يوسع إمكانات الحياة، لكنه لا يحدد الغاية التي تُستخدم فيها تلك الإمكانات، ولا يضمن حسن توجيهها.

أما أنا، فأميل إلى تصور أوسع، يرى — على نحو ما ذهبت إليه الفلسفات الخالدة — أن الإنسان مظهر من مظاهر وعي كوني واحد، وأن قيمة الوجود تكمن في تنوع التجارب واتساعها، حتى يتكشف هذا الوعي لنفسه من خلال خبرات البشر.

غير أن اتساع الإمكان لا يعني بلوغ الغاية؛ فأن تكون لنا قدرةٌ أوسع على العيش لا يقتضي أننا نحسن استعمالها. وهذه مسؤولية لا ينهض بها أحد غيرنا.

والواقع يدل على أننا لم نحسن الإفادة من هذا الاتساع؛ فقد تضاعفت الوسائل بين أيدينا، بينما ظل المعنى أكثر ندرة.

ولعل هذا هو التحدي الحقيقي لعصرنا، وربما للعصور القادمة أيضًا: أن نردم الفجوة بين وفرة الوسائل وفقر المعنى، في عالم لا تكف فيه الوسائل عن الازدياد.

ومن أجمل ما كُتب في هذا الباب مقالة إسحاق أسيموف «كل ما تتمناه»، التي يستهلها بقوله:

إن صعوبة التنبؤ بمهن المستقبل لا ترجع إلى جهلنا بالتقنية المقبلة، بل إلى أننا لا نعرف أي مستقبل سنختار. فإن تركنا الحضارة تتداعى، فلن يبق من المهن إلا ما يحفظ البقاء، ولن ينجو إلا القليل.

أما إذا استطعنا أن نصون هذه الحضارة ونواصل بناءها، فإن التقدم التقني سيستمر، على الأرجح، في مساره.

وعندئذٍ يرى إسحاق أسيموف، على خلاف ما يوحي به بيونغ-تشول هان، أن المجتمع المزدهر هو المجتمع الذي يواصل فيه التقدم التكنولوجي اتساعه.

وفي عالم كهذا، لن تبقى الأعمال المنطقية، كبرمجة الحاسوب، والتعدين على القمر، وهندسة الاندماج النووي، وبناء المنشآت الفضائية، والاتصال بالليزر، وعلوم الأعصاب، مما يباشره الإنسان بنفسه؛ إذ ستتولى الآلات أداءها. وعندئذٍ يبرز السؤال: ماذا يبقى للإنسان؟

ويذكرنا التاريخ بعصورٍ كان الأرستقراطيون يعيشون فيها على عمل العبيد والأقنان، فإذا اقترن ذلك بثقافةٍ رفيعة، انصرفوا إلى الأدب والفن والفلسفة. ولم تكن هذه المعارف تدرُّ مالًا، لكنها كانت تغذي العقل، وترتقي بالذوق، وتمنح الحياة ثراءً لا تقاس قيمته بالمنفعة المباشرة.

وتلك هي «الفنون الحرة» التي خُصَّ بها من تحرروا من أعباء العمل اليدوي، وقُدمت على «الفنون الميكانيكية» التي لم يكن مقصدها إلا المنفعة العملية.

ولعل المستقبل، على هذا القياس، يهيئ صورةً جديدة من الأرستقراطية، لا تقوم على استعباد الإنسان لأخيه، بل على قيام الآلات بالأعمال الشاقة نيابةً عنه، بحيث يغدو لكل إنسان نصيب من تعليمٍ حر لا تحده حدود، تختاره له نظم التعليم وتيسره.

ولعل إسحاق أسيموف يستعيد هنا، في صورةٍ حديثة، فكرةً ترجع إلى أرسطو؛ إذ يورد بيونغ-تشول هان في كتابه رائحة الزمن أن:

فقد ميز أرسطو بين ثلاثة أنماط من الحياة يختار بينها الإنسان الحر، وجعل أرفعها حياة التأمل (bios theoretikos). فالإنسان الحر، في تصوره، لا يستهلك حياته في مقاومة ضرورات الوجود؛ إذ يتولى العبد عبء العمل، فتقوم بينه وبين العالم علاقة أخرى، لا أساسها الاستعمال والسيطرة، بل النظر والتأمل.

وهذه العلاقة التأملية لا تستقيم إلا إذا تحرر الإنسان من سلطان العمل؛ لأن العمل يستهلك الزمن في الفعل المتواصل. ومن ثم كانت حياة التأمل، في نظر أرسطو، أقرب إلى الحياة الإلهية، لأنها متحررة من الإكراه، ومنزهة عن المنفعة العاجلة.

ولا ريب في أن العمل ضرورة لا يستغني عنها البشر؛ فوسائل البقاء لا تُنال بغيره. غير أن أرسطو وإسحاق أسيموف يلتقيان عند فكرةٍ واحدة، هي أن الإنسان إذا تحرر من عبء الضرورات، وانفتح له وقتٌ لا تستنفده مطالب العيش، أصبح أقدر على أن يحيا حياةً أرحب، قوامها التأمل ونمو العقل. وهذه هي الحياة التي يسميها بيونغ-تشول هان «حياة الفراغ»، ويصفها في كتابه الحياة المعاصرة (2023) بأنها:

النشاط الأسمى؛ لأن التأمل ليس عملًا بالمعنى المألوف، بل سكونٌ واعٍ، وطمأنينة تستغني عن كل غايةٍ خارجها، إذ تكون غايتها كامنةً فيها. وفي هذا السكون تستعيد الحياة ذاتها، فلا تتبدد في الخارج، بل تبلغ اكتمالها، وتقترب من السعادة.

وهذا هو الفراغ الذي قصده القديس أوغسطين؛ فلم يكن عنده مرادفًا للكسل، وإنما فسحةً لالتماس الحقيقة. وهو أيضًا الفراغ الذي طلبه الرياضي الهندي سرينيفاسا رامانوجان، لا هربًا من العمل، بل تفرغًا لعملٍ أسمى هو الرياضيات. فقد كان يريد من الحياة قدرًا يسيرًا يكفيه، ليعمل في هدوء، أو كما قال راماتشاندا راو: أن يُهيأ له قوتٌ بسيط، ويُترك له أن يحلم.

غير أن لفظ «الفراغ» تبدلت دلالته مع الزمن؛ فبعد أن كان يعني الحرية وإمكان التفرغ، أصبح يدل على التسلية والترفيه. وأصل الكلمة الإنجليزية leisure، كما يبين قاموس أكسفورد، لا يدل على الخلو من العمل، بل على فسحةٍ يُتاح فيها للإنسان أن ينصرف إلى غايةٍ يختارها. ولهذا كتب إي. تي. بيل عن عالم الرياضيات الفرنسي بيير دي فيرمات أنه وجد في خدمته للملك «فراغًا كثيرًا»، أي وقتًا ينصرف فيه إلى الرياضيات، لا عطلةً يقتل بها الزمن.

وهكذا كان شأن رامانوجان؛ فلم يكن طلبه للفراغ انطواءً على الذات، وإنما كان طلبًا للحرية التي تتيح للموهبة أن تؤتي ثمرتها. وقد لمح ثاكيراي إلى هذا المعنى حين تحدث عن «الفراغ والاستقلال والمثل العليا» التي رفعت بريطانيا وأوروبا إلى ذروة ازدهارهما الثقافي؛ إذ كان المتحرر من هموم الكسب يوجه طاقته إلى ما يجاوز ضرورات المادة. ولم يكن رامانوجان من أبناء الأرستقراطية بالميلاد، لكنه انتمى إلى أرستقراطية العقل؛ فلم يطلب من الفراغ إلا ما كان يُعد امتيازًا طبيعيًا لصفوة المجتمعات.

وهذا هو بعينه ما تخيله إسحاق أسيموف؛ أن تجعل التقنية كل إنسان مشروع «رامانوجان» محتمل، حتى وإن لم يبلغ عبقريته، بأن تتيح له التفرغ لما يسمو بإنسانيته.

ولكن، هل يفضي ذلك إلى أن يختار الناس ألا يفعلوا شيئًا؟ وأن يستسلموا لسباتٍ دائم؟

لو شاءوا ذلك لما حال بينهم وبينه حائل. غير أن الأرجح أنهم لن يفعلوا؛ لأن الفراغ الخالص، على خلاف الظن، عبءٌ ثقيل، لا يحتمله إلا من عجز عن أن يملأ حياته بما هو أعمق من مجرد الانشغال بنفسه.

ومن مفارقات الخيال العلمي أنه تنبأ بالسيارات الطائرة، والروبوتات، والاندماج النووي، والذكاء الاصطناعي، ولم يتنبه إلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ كأنه افترض أن الإنسان سيظل هو الإنسان، وأن أدواته وحدها هي التي ستتغير. وسائل أكثر، أما المعنى فباقٍ على حاله.

غير أن ديفيد فوستر والاس كان أبعد نظرًا؛ فقد شغلت علاقة الإنسان بالإعلام والتكنولوجيا، وما تتركه في قدرته على التركيز، جانبًا كبيرًا من أعماله. وفي روايته دعابة لا تنتهي يظهر «الترفيه» في صورة شريطٍ يجذب الناس حتى يظلوا يشاهدونه إلى أن يهلكوا. وكانت أزمة الانتباه محورًا أساسيًا في فكره.

وفي حديثٍ أجراه معه ديفيد ليبسكي من مجلة رولينغ ستون، في ختام الجولة التعريفية بالرواية، قال:

ديفيد فوستر والاس: مع انتشار الإنترنت، وازدياد وسائل الاتصال، كان يمكن لك ولي أن نكتفي بالمراسلة الإلكترونية دون أن نلتقي، وكان ذلك سيكون أيسر لي. لكن سيأتي وقت نحتاج فيه إلى أن ننشئ داخل أنفسنا وسائل مقاومة؛ لأن التكنولوجيا ستواصل تقدمها، وستصبح العزلة أمام الشاشات، بما تعرضه علينا شركات لا تحبنا وإنما تريد أموالنا، أسهل وأكثر إغراءً. ولا بأس بهذا إذا ظل في حدوده، أما إذا صار غذاء الإنسان الأساسي، فإنه يموت، موتًا له معنى.

ليبسكي: أوجدت لنفسك وسائل للدفاع؟

ديفيد فوستر والاس: لا، وهذه هي الحقيقة. فلكل جيل ما يفرض عليه النضج. ربما كانت الحرب العالمية الثانية هي ما أنضج أجدادنا. أما نحن، فسنُجبر، عاجلًا أو آجلًا، على أن نكبح نزعات الطفولة، وأن نضبط مقدار ما نستهلكه من الترفيه السلبي، وما نبذله في أعمال قد لا تمنحنا المتعة في كل لحظة، لكنها تبني في داخلنا شخصية الإنسان الناضج. فإن عجزنا عن ذلك، هلكنا أفرادًا، وعجزت الثقافة نفسها عن أداء رسالتها.

وهل تجاوزت هذا الاقتباس؟ لا تفعل. عد إليه، واقرأه على مهل، فقلما تجد نصًا لخص مأزق عصرنا بمثل هذه الدقة.

لقد بدا كلام ديفيد فوستر والاس، حين قاله سنة 1996، أقرب إلى حدسٍ بعيد. ثم بدا، عندما أعادت مجلة The New Inquiry نشره سنة 2010، أشبه بنبوءة. أما اليوم، فيغدو من العسير أن يُقرأ إلا بوصفه تشخيصًا نافذًا لما آل إليه حال الإنسان في عصر التقنية.

وفي ذلك العام نفسه، كان الاتصال بالشبكة يقتضي انتظارًا يمتد عشرات الثواني حتى يفرغ مودم 28.8k من عمله، ولم يكن مستخدمو الإنترنت يرون أمامهم سوى مواقع بدائية تكشف عن ميلاد التقنية أكثر مما تدل على اكتمالها.

وقد يدهش القارئ اليوم أن يكون موقع بيبسيكو آنذاك أكثر تطورًا من موقع آبل، غير أن هذا لم يكن أمرًا يدعو إلى العجب؛ فقد بلغت القيمة السوقية للأولى 45.6 مليار دولار، في حين لم تتجاوز قيمة الثانية 2.6 مليار، فجاءت صورة كل شركة على الإنترنت انعكاسًا طبيعيًا لمكانتها الاقتصادية.

أما اليوم، فقد ارتفعت قيمة بيبسيكو إلى 184.3 مليار دولار، وهو نمو كبير في حد ذاته، غير أن آبل تجاوزت ذلك بما يكاد يخرج عن المألوف؛ إذ زادت قيمتها نحو 1207 أضعاف حتى بلغت 3.14 تريليون دولار. ولم يكن ذلك إلا لأنها وضعت في جيب كل واحد منا حاسوبًا بالغ القدرة، متصلًا بالشبكة، سريع الأداء، حاضرًا في كل لحظة.

موقع أبل عام 1996

أو هذا…

موقع بيبسي عام 1996

ووفقًا لموقع Business of Apps، يمتلك نحو 155 مليون أمريكي جهاز iPhone، فضلًا عن مئات الملايين من مستخدمي آندرويد الذين يحملون، هم أيضًا، حواسيب جيبية متصلة بالإنترنت. وهكذا أصبح عدد من يحملون الشبكة في جيوبهم يزيد على خمسة أمثال عدد مستخدميها جميعًا في عام 1996، في حين ارتفعت سرعات الاتصال إلى ما بين 1070 ألف ضعف مما كانت عليه آنذاك.

غير أن هذه الحواسيب الجيبية لا تكتفي بأن تقدم لنا وسائل الترفيه، بل تحوّلنا نحن إلى مادةٍ لاستهلاكها؛ فنغدو موضوعًا لخوارزمياتها أكثر مما نكون مستخدمين لها.

ولكل إنسان عادته التي يألفها؛ فمنهم من يطيل المقام في إنستجرام، ومن الناشئة من يستهويهم تيكتوك، أما أنا فكان ملاذي الدائم تويتر.

وقد حذفت تويتر من هاتفي منذ أسبوعين. ولا داعي إلى الاحتفاء؛ فإني أكرر هذا الفعل بين الحين والآخر، ثم لا ألبث أن أعود إليه. غير أنني في هذه المرة شعرت بشيء من الرضا، كمن ذاق طعم التحرر، ولو إلى حين. فقد قضيت عطلة نهاية الأسبوع مع أسرتي، ثم حضرت نهائي كأس العالم للأندية، ولم أفتح حاسوبي، ولم أتصفح تويتر. فلما دخلت التطبيق صباح الاثنين، بعد انقطاع تجاوز أربعًا وعشرين ساعة، استقبلتني إشعارات «المنشورات الأخيرة» التي كانت، لو بقي التطبيق مثبتًا مع تفعيل الإشعارات، ستلاحقني منذ اللحظة الأولى، وتستدرجني إلى العودة قبل أن أفكر فيها.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، أعلن إيلون ماسك أن xAI/X أطلقت «وضع الرفيق» (Companion Mode) في SuperGrok.

وهذا «الوضع» ليس إلا شخصيات اصطناعية، تتراوح بين waifus وchads، تظهر في هيئة صور رمزية متحركة، ولا تُتاح إلا لمستخدمي iOS المشتركين في SuperGrok Heavy لقاء ثلاثمائة دولار شهريًا. ومن يدفع هذا المبلغ، الذي يزيد على ربع متوسط الدخل السنوي للفرد في بوروندي، يستطيع أن يتحاور مع تلك الشخصيات، فيسمع أصواتها، ويرى تعبيراتها، فتتضافر الحركة والصوت لتولد إحساسًا قويًا بحضورٍ إنساني. وقد تناول مايك سولانا هذه الظاهرة في مقاله الذي أطلق عليه اسم Goonpocalypse.

لم يعد الإنترنت وسيلة نلجأ إليها حين نرغب في التسلية، بل غدا منظومةً تسعى هي نفسها إلى اجتذابنا، وكأن لها إرادة لا تهدأ، وليس أعز عليها من انتزاع انتباهنا.

لقد أصاب ديفيد فوستر والاس؛ فالتكنولوجيا ما برحت تتحسن، وتزداد سهولة وإغراء، حتى أصبح الانفراد بالشاشة، وما تعرضه من صور، أيسر علينا وأحب إلينا، مع أن من يصنع تلك الصور لا يعنيه أمرنا بقدر ما يعنيه أن يظفر بوقتنا وأموالنا.

ولعل إسحاق أسيموف كان محقًا أيضًا حين ظن أن الناس لن يختاروا حياة السكون المطلق، وأنهم سيظلون يبحثون عن فعلٍ يشغلهم. لكنه كان يتحدث عن اختيارٍ يمارسه الإنسان بحرية، ولم يكن في وسعه أن يتصور وسائل التواصل الحديثة، ولا ما بلغته تقنيات مثل «وضع الرفيق».

وكذلك لم يعرف جان بودريار هذه التطبيقات، لكنه بدا، على نحو لافت، وكأنه استشرف منطقها.

وجدت في هذا المقال ما يستحق التفكير؟ شاركه مع شخص واحد تعتقد أنه سيُقدّره. هذا أكبر دعم يمكنك تقديمه للمحتوى.

Share

ففي عام 1981 نشر الفيلسوف الفرنسي كتاب المحاكاة و المحكايات، وذهب فيه إلى أننا نعيش بين محاكيات تجاوز حضورها حضور الواقع نفسه، حتى غدت، في وعينا، أصدق منه، ثم انتهى بها الأمر إلى أن تحل محله.

ولتقريب هذه الفكرة، يكفي أن نذكر أن الكتاب كان أحد مصادر الإلهام لفيلم The Matrix. ومع ذلك، لم يكن بودريار راضيًا عن الفيلم؛ لأنه افترض إمكان العودة إلى واقعٍ أصيل، بينما كان هو يرى أن هذا الواقع قد انقضى، ولم يعد من الممكن استرداده.

فعند بودريار تجاوزنا الأصل ذاته، حتى أصبح الحديث عن «واقع حقيقي» حديثًا فقد معناه؛ إذ إننا نحيا في عالم «ما بعد الواقع»، حيث تصنع ديزني لاند، وشاشات التلفاز، والعلامات التجارية، والصور الإعلامية، الواقع الذي نؤمن به ونتعامل معه.

فنحن نلتقط صور الطعام لنصنع منها قصة نعرضها على الآخرين، بدل أن نعيش لحظة الطعام نفسها. وهكذا يغيب حضورنا عن المائدة، بينما يحضر وعينا في الشبكة، حتى تصبح صورة إنستجرام أثبت في الذاكرة من التجربة التي التقطت من أجلها.

وحين انتشر المقطع الذي ظهر فيه الرئيس التنفيذي لشركة Astronomer في حفل لفرقة Coldplay وهو يتودد إلى رئيسة الموارد البشرية، لم يبق الحدث في صورته الأصلية، بل تحول سريعًا إلى مادة لا تنتهي من الميمات، ثم طغت عليه نكتة «شكرًا لاهتمامكم بشركة أسترونومر» المرتبطة باسم غوينيث بالترو، حتى غدت القصة كلها تداولًا لصورٍ وتعليقات، أكثر منها حديثًا عن الواقعة نفسها.

وفي كل هذه الأمثلة، لا تكتفي المحاكاة بتمثيل الواقع، بل تحل محله؛ وذلك هو جوهر فكرة «ما بعد الواقع» عند بودريار.

ولم يكن اعتراض بودريار على التقنية في ذاتها، وإنما على ما تفعله بالمعنى، وعلى الكيفية التي تنقل بها الإنسان من معايشة الواقع إلى الاكتفاء بصوره.

وقد كان منشأ هذا السخط فيما شهده بودريار من انتفاضة الطلاب والعمال في فرنسا خلال أحداث مايو 1968، تلك التي كادت تُسقط حكم شارل ديغول. فقد بدا له الأمر، في أول عهده، ثورةً جذرية تنذر بتحول عميق، ثم لم يلبث أن رأى كيف احتواها نظام الإعلام والاستهلاك، فأفرغها من مضمونها. فقد جرى تسويق رموزها، وتحويل طاقتها إلى مادة للاستهلاك الأنيق، وانقلبت مطالبها السياسية إلى سلع ثقافية؛ حتى غدت صورة تشي جيفارا تُطبع على القمصان والملصقات، ويرتديها من لم يعرف الثورة ولن يعرفها. ولم يحتج النظام إلى قمع الثورة، بل اكتفى بمحاكاتها حتى التبس الأصل بالصورة، ولم يعد من اليسير التمييز بين الواقع وتمثيله.

وليس بعيدًا، في ضوء هذا التصور، أن يتخيل بودريار أناسًا يصرخون في وجوه البوتات ويكيلون لها السباب؛ فقد مهّد لهذا كله بنظريته في «مراتب المحاكيات» (simulacra)، وهي:

  • محاكيات طبيعية، تقوم على الصورة والتقليد والتزييف، وتتجه إلى الانسجام والتفاؤل، وتسعى إلى إعادة بناء طبيعة مثالية على مثال إلهي.

  • محاكيات إنتاجية، قوامها الطاقة والقوة، وتجسدها الآلة ونظام الإنتاج الشامل، وغايتها التوسع البروميثي المتصل، وإطلاق الطاقة بلا حدود، ومنها تنبع يوتوبيات الرغبة.

  • محاكيات المحاكاة، وقوامها المعلومات والنموذج واللعب السيبراني، وهي التعبير الكامل عن عالم «ما بعد الواقع»، وغايتها السيطرة الشاملة.

وليست القضية، في نظره، أننا نفرط في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، أو نستغرق في اللهو مع «رفيقات الذكاء الاصطناعي» بدلًا من الحياة الواقعية؛ وإنما القضية أن هذه الوسائل نفسها أصبحت هي العالم الذي نعيش فيه، أو بالأحرى «ما بعد العالم» الذي يعيد تشكيل واقعنا ويمنحه معناه.

وهذه المحاكيات من المرتبة الثالثة تستولي على الإنسان استيلاءً يخلو من المعنى؛ حتى إننا، ونحن نصنع أدوات المرتبة الثانية طلبًا لفسحة من الحرية والمعنى، ننقاد، من حيث لا نشعر، إلى عالم المحاكاة انقيادًا يزداد عمقًا.

وعلى هذا الطريق، سيقضي كثير من الناس أوقاتهم في أعمال تمنحها لهم الرأسمالية الحديثة، أو في وظائف يغلب عليها الطابع الشكلي، ثم يمضون في حياتهم وقد استلبت الشاشات أبصارهم، واستغرقت وعيهم.

فما المخرج إذن؟

هنا تقف النظريات النقدية المعاصرة عند حد لا تتجاوزه؛ فهي بارعة في تشخيص الداء، ولكنها أقل براعة في اقتراح العلاج.

وبيونغ-تشول هان مثال واضح على ذلك؛ فهو نافذ البصيرة في تحليل المرض، ولكنه محدود الحيلة في وصف الدواء. إذ يدعو إلى استعادة حياة التأمل: تفكيرًا لذاته، وتأملًا في الجمال، وما إلى ذلك. وهي دعوة تبدو، في كثير من الأحيان، وكأنها انسحاب من المجتمع والاقتصاد — ولا سيما الاقتصاد — إلى عزلة روحية متأملة. ومن ثم يقع في مفارقة واضحة؛ إذ يكشف، من حيث لا يريد، عن عقم الحياة التأملية إذا انفصلت عن الحياة الفاعلة.

وهذا العقم نفسه يلمحه هان، ويقر به إقرارًا عابرًا، كأنه يستجيب مقدمًا لما قد يوجه إليه من اعتراض، قبل أن يعود فينصرف إلى تمجيد التأمل الخالص. ولذلك يستشهد بمايستر إكهارت، وينقل عن غريغوريوس الكبير قوله:

كن على وعيٍ بأن التدبير القويم للحياة يقتضي انتقال الإنسان من العمل إلى التأمل، غير أن الروح قد تُحسن صنيعًا إذا عادت من التأمل إلى العمل، ليجري وهجُ ما اشتعل في القلب إلى الفعل كاملًا؛ فالحياة العملية تهدي إلى التأمل، والتأمل يردّنا إلى العمل بما استقر في الباطن.

ويخلص هان إلى هذا المعنى بقوله: إن الحياة التأملية بغير عمل عمياء، كما أن الحياة العملية بغير تأمل جوفاء.

وهذا التوتر نفسه هو المحور الذي تدور حوله رواية لعبة الكريات الزجاجية، التي شرع هرمان هيسه في كتابتها في ألمانيا أثناء صعود النازية، وأتمها في خضم الحرب العالمية الثانية. فهي تتبع سيرة جوزيف كنيخت، ذلك الفتى اللامع الذي يُستدعى إلى كاستاليا، المقاطعة الفكرية المنعزلة المكرسة للمعرفة الخالصة ولعبة الخرز، ثم يرتقي حتى يصبح «ماجيستر لودي»، سيد اللعبة ومرجعها.

وتجعل كاستاليا، في عالم هيسه، من الانصراف إلى أصفى صور «اللاجدوى» فضيلة عليا؛ أي إلى المعرفة التي تُطلب لذاتها، اتقاء لما يعلق بها من شوائب الواقع. وعلى هذا النحو يدعو هان إلى تأمل يتحرر من سلطان الرأسمالية، لأن التأمل إذا أصبح وسيلة إلى زيادة الإنتاجية انقلب إلى صورة أخرى من صور الاستغلال الذاتي.

غير أن كنيخت يدرك — وهو ما لا يلتفت إليه هان — أن التأمل الخالص، إذا انفصل عن حياة الناس ومسؤولياتهم، فقد مبرره. ولذلك يقول لصاحبه الكاستالي تيغولاريوس:

إن ولعك بالثقافة ومنتجات العقل لمشرِّف، ولكن الإبداع الثقافي أمرٌ لا نستطيع أن نُشارك فيه على الوجه الذي يظنه بعض الناس.

فحوارٌ لأفلاطون، أو قطعةٌ كورالية لهاينريش إسحاق — بل كل ما نسميه أثرًا عقليًا أو عملًا فنيًا — إنما هو ثمرة كفاح للتطهير والتحرر، وهروب — على حد تعبيرك — من الزمان إلى ما وراء الزمان، وأجود هذه الأعمال ما محا عن نفسه آثار الألم والجهد الذي سبقه.

وهذه الآثار نعمة عظيمة، ونحن — أهل كاستاليا — نكاد نحيا بها وحدها، وليس لنا من الإبداع إلا حفظها وصونها. فنحن نقيم دائمًا في ذلك الأفق الذي يتجاوز الزمن والصراع، ونمضي أبعد إلى عوالم العقل الخالص، بل إلى التجريد المحض؛ ففي لعبة الخرز نحلل أعمال الحكماء والفنانين إلى عناصرها، ونستخرج منها قوانين الصورة وأنماطها، ثم نتعامل مع هذه المجردات كما تُتعامل لبنات البناء.

وكل ذلك حسن في ذاته، ولكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش على التجريد وحده؛ فالتاريخ يتعامل مع الواقع لا مع الظلال. والمجردات نافعة، ولكن الإنسان يحتاج أيضًا إلى هواء يتنفسه وخبز يأكله.

ولهذا يختار كنيخت، في نهاية المطاف، أن يغادر كاستاليا، وأن يعود إلى العالم الحي، وأدع للقارئ متابعة ما ينتهي إليه مصيره.

ولو نظر جان بودريار إلى هذا الحل، لابتسم ابتسامة ساخرة؛ إذ لا فرق، في نظره، بين داخل كاستاليا وخارجها، فكلاهما عالم من المحاكاة. بل إن بيونغ-تشول هان يبدو، إذا قورن به، أقرب إلى التفاؤل.

ولهذا يختتم بودريار كتاب المحاكيات والمحاكاة بتقرير أن العدمية الكلاسيكية، على تشاؤمها، لم تبلغ قط المدى الذي بلغته رؤيته للعالم.

فالعدمية، في معناها الأصلي، تفترض وجود حقيقة أو معنى أو واقع يمكن إنكاره؛ أما بودريار فيذهب إلى أن الحقيقة والمعنى والواقع قد تلاشت جميعًا، وحلت المحاكيات محلها.

ويختتم كتابه بهذه العبارة الحاسمة:

لا رجاء في المعنى؛ ولعل في ذلك فضلًا، فالمعنى فانٍ، أما المظاهر — التي أُريد لها أن تُمحى ليقوم سلطان التنوير — فهي باقية، لا تقهرها عدمية المعنى ولا نقيضها.

ومن هنا يبدأ الإغواء.

فاستمتع بالمحاكاة؛ إذ لم يعد لدينا سواها.

ويختم الكتاب بهذه الرسالة الموحية:

غير أن لفظ «المعنى» هنا يحمل دلالة فلسفية محددة؛ فهو يشير إلى المشروع العقلاني الذي قامت عليه فلسفة التنوير، حيث تُرد الظواهر إلى حقائق أعمق، وتُفهم في إطار أنساق من الدلالة، ويُعامل العالم كما لو كان نصًا ينتظر القراءة. وهو، بلغة إيان ماكغيلكريست، نمط التفكير الذي يغلب عليه النصف الأيسر من الدماغ.

وأحسب أن هذه الخاتمة، عن قصد أو عن غير قصد، تومئ إلى منفذ للخروج.

ذلك أن «المعنى» في الاستعمال المألوف، بل في المعنى الذي أعنيه هنا، يكاد يكون نقيض المعنى الذي يقصده بودريار؛ فهو أقرب إلى ما ينسبه ماكغيلكريست إلى النصف الأيمن من الدماغ. إنه ليس تحليلًا للعالم، بل انخراطًا حيًا فيه؛ وليس إدراكًا لموقعنا داخل نسق كلي، بل خبرة مباشرة بحضورنا في هذا العالم. ومن هنا تنبع جدوى الحياة، بل ذلك السحر الخفي الذي يكسوها.

ويقدم فيلسوف التكنولوجيا ألبرت بورغمان تشخيصًا يقترب من تشخيص بيونغ-تشول هان وجان بودريار؛ فهو يرى، في نظريته عن «نموذج الجهاز»، أن التكنولوجيا الحديثة تحول الأشياء إلى أنظمة محكمة الأداء، تقدم الخبرة في صورة خدمة جاهزة، وتحجب الواقع الأصيل الكامن وراءها. لكنه، بخلافهما، لا يقف عند التشخيص، بل يفتح بابًا إلى العلاج.

ويقول في كتابه التكنولوجيا وطابع الحياة المعاصرة — والتوكيد منه — ما مؤداه:

ما دمنا نغضّ الطرف عن الصيغة المحكمة التي تنتظم بها التكنولوجيا، ونحسب أننا نعيش في عالمٍ من الفرص المفتوحة الثرية إلى غير حد، وما دمنا نغفل عن الكيفيات المحددة التي حققنا بها — عبر سلوكنا التقني — وعد التكنولوجيا، ونبقى مفتونين بهذا الوعد افتتانًا غامضًا، فإن الأشياء البسيطة والممارسات ستبدو لنا مرهقةً مُقيِّدةً باهتة. فإذا تنبّهنا إلى الفراغ الكامن في صميم التكنولوجيا المتقدمة، انقلب هذا الفراغ منفذًا إلى الأشياء الجوهرية؛ وهو يعمل في الاتجاهين معًا: فإذا رأينا اهتمامًا مركزيًا لنا مهدَّدًا بالتكنولوجيا، حدَّ ذلك أبصارنا لنُبصر عيوبها إبصارًا أدق.

وأقرأ هذا الكلام على أنه يعني شيئًا واضحًا: فإذا خلطنا بين الوسائل والمعنى، وتوهمنا أن كل تقدم تقني جديد يحمل في ذاته خلاص الإنسان، فقدنا القدرة على رؤية ما يمنح الحياة معناها الحقيقي، وعددناه قديمًا لا قيمة له. أما إذا أدركنا أن التكنولوجيا لا تنتج المعنى، وإنما توسع نطاق الوسائل، أمكننا أن نتجه إلى ما يخلقه حقًا.

فإذا بلغنا — كما قد يقول بودريار — نهاية لعبة المحاكاة، سواء أكان ذلك مع الذكاء الاصطناعي العام أم مع «الرفيق» الاصطناعي، ولم يولد من ذلك معنى جديد، جاز لنا عندئذ أن نعيد التكنولوجيا إلى موضعها الطبيعي: وسيلة لا غاية، ثم ننصرف إلى المهمة الأصعب، وهي أن نصنع لأنفسنا معنًى.

وهنا يفرض السؤال الوجودي نفسه من جديد:

وماذا بعد؟

حقًّا؛ ماذا بعد؟

ومن أبرز ما يؤخذ على مفكرين مثل بيونغ-تشول هان وبودريار أنهم يبلغون الغاية في تحليل البنى الفكرية والاجتماعية، حتى ليكاد التحليل يجردها من الروح. فإذا أردنا أن نلمس هذه الروح، احتجنا إلى الأدب أكثر مما نحتاج إلى الفلسفة؛ إلى من يصور صراع الأفراد الذين تقوم عليهم هذه البنى، لا إلى من يختزلهم في مفاهيم مجردة.

ولهؤلاء جميعًا جواب واحد يكاد يتكرر، هو: الانتباه.

أما قصة «شيءٌ له علاقةٌ بالانتباه»، وهي إحدى الحكايات المطمورة في رواية الملك الشاحب غير المكتملة لديفيد فوستر والاس — وكان قد فكر في نشرها مستقلة — فهي، في تقديري، من أنفس ما كتب. قطعة بالغة الرهافة والصفاء. وهي قصيرة، تستحق أن تُقرأ، ولا أريد أن أفسد أثرها على القارئ، وإن كنت أشك في أن ذلك ممكن؛ فأسلوب والاس عصي على المحاكاة، وأخشى أن يظلمه أي تلخيص. ثم إن القصة نفسها عن الانتباه، وهي في الوقت ذاته ممارسة له؛ حتى إن فهمها لا يتم إلا بقدر كبير من التركيز.

وتدور حول رجل يصف نفسه بأنه «wastoid»، ونعرف من سياق الملك الشاحب أنه كريس فوغل، أو «كريس غير المهم»، وتحكي رحلته من الضياع إلى أن يصبح محاسبًا في مصلحة الضرائب.

يمضي كريس القسم الأكبر من حياته مشتتًا، حتى ليقول:

«كنت كثيرًا ما أفيق لأدرك أنني لم أكن واعيًا حقًا بما يجري، في أغلب الوقت؛ كأنك تركب القطار بدل أن تقوده، فلا تدري أين أنت ولا إلى أين تمضي.»

ثم تأتيه، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، محاضرة عابرة يلقيها محاسب يسوعي، فتوافق لحظة كانت حياته كلها مهيأة لاستقبالها: وفاة أبيه — وكان محاسبًا — في حادث مترو، ثم العبارة التي سمعها: «أنت تشاهد بينما العالم يتحول.» عندها أدرك أنه، مهما يكن المقصود بـ«الروح الضائعة»، فهو واحد منها، لا على سبيل المجاز، بل على سبيل الحقيقة المؤلمة.

ومنذ تلك اللحظة جمع شتات انتباهه، وصرفه إلى غاية واحدة: أن يعمل في مصلحة الضرائب.

واجتمعت الملابسات العامة والخاصة، ومعها شخصية الأستاذ اليسوعي وخطابه:

«يا سادة، استعدوا لارتداء القبعة. لعلّكم تساءلتم: لماذا يرتدي المحاسبون الحقيقيون القبعات؟ إنهم رعاة البقر في عصرنا، وستكونون أنتم كذلك؛ تمتطون مدى أمريكا، وترعون قطيعًا لا ينفد من البيانات المالية: دوامات، وشلالات، وتنويعات مرتبة، وتفاصيل متقلبة. تنظمون البيانات، وتقودونها، وتوجهون مسارها، حتى تستقر في الصورة المرمزة الملائمة لها. أنتم تتعاملون مع الحقائق، يا سادة، والحقائق سلعة لم يكسد سوقها منذ خرج الإنسان من الطين. أنتم — قولوا لهم ذلك — الذين يركبون، ويحرسون الجدران، ويقسمون القسمة، ويؤدون الخدمة. يا سادة، إنكم مدعوون إلى الحساب.»

فكان هذا الخطاب هو ما أيقظ كريس غير المهم؛ حتى إن جورج سوندرز وصف والاس بأنه «فنان الإيقاظ».

غير أن هذا الإيقاظ لم يجلب له الطمأنينة، بل الفزع؛ إذ خشي أن يكون قد أدرك غايته بعد فوات الأوان، وأنه لن يستطيع مواصلة دراسته بعد وفاة أبيه، وهو الذي وجد، لأول مرة، شيئًا يريد أن يكرس حياته له. فقد اكتشف مهنة لا ينجذب إليها إلا عدد ضئيل جدًا من الناس:

«تكاد تكون نمطًا نفسيًا خاصًا — لعلها واحد من كل عشرة آلاف — ولكن من يختار هذا الطريق يختاره حقًا، ويتمسك به تمسكًا يعسر زعزعته، إذا انصب انتباهه على مهنته، وأخذ يشعر بانجذاب حقيقي إليها.»

وما إن ركز انتباهه على هذه الغاية حتى أخذ يرى من الحلول ما لم يكن يراه من قبل، واستطاع أن يتجاوز أزمته المالية المتعلقة برسوم الجامعة.

ولعله سمع بحملة التوظيف التي كانت مصلحة الضرائب تعلن عنها عبر إذاعة WBBM-AM، لكنه يذكر أيضًا — أو يكاد يذكر — أنه رأى إعلان البرنامج مصادفة، على نحو يبدو، إذا استعيد بعد ذلك، أقرب إلى الرؤيا منه إلى الذكرى.

ويقول:

«وعلى كل حال، بحسب هذه الذكرى» — وهذه العبارة نفسها جديرة بالتأمل، كأنها توحي بأن الكلمات ليست ملكًا كاملًا لقائلها، وإن كان ينقلها بأمانة — «كنت جالسًا إلى إحدى الطاولات البلاستيكية المنقوشة في قاعة الطعام بمركز غالاكسي مول، أحدق شاردًا في ثقوب على هيئة نجوم وأهلة في سطح الطاولة، فرأيت، من خلال أحدها، جزءًا من صحيفة Chicago Sun-Times ملقى تحت الطاولة، مفتوحة على صفحة الإعلانات. وفي تلك الذكرى بدا كأن شعاعًا من ضوء السقف نفذ من الثقب النجمي، فأضاء — كما لو كان ومضة رمزية — إعلانًا بعينه بين سائر الإعلانات؛ وكان إعلانًا عن برنامج الحوافز للتوظيف في مصلحة الضرائب في عدد من مناطق البلاد، وكانت منطقة شيكاغو واحدة منها.»

بالنسبة إليّ، يبدو هذا من قبيل «التزامن»؛ أي تلك المصادفة الدالّة التي صاغها كارل يونغ بوصفها اقترانًا ذا مغزى يكشف عن نسقٍ خفي يتجاوز علاقات السببية المألوفة. غير أن كريس غير المهم يرفض هذا التأويل، ويختار له اسمًا آخر؛ فهو يراه «دليلًا إضافيًا» — على حد تعبيره — على أنه كان، منذ البداية، مهيأً نفسيًا للعمل في تلك المهنة.

وسواء أكان ذلك تزامنًا أم تهيؤًا، فإنه من الظواهر التي لا تنكشف إلا لمن درّب انتباهه، وأحسن توجيه تركيزه. وهنا، في تقديري، يكمن المحور الحقيقي لهذه الرواية القصيرة، والخيط الذي تنتظم حوله سائر عناصرها.

ولا أستطيع أن أجزم بأن ديفيد فوستر والاس قصد هذا المعنى عمدًا، وإن كنت أميل إلى الاعتقاد بأنه فعل؛ فهذه الانكشافات تنتهي بالقارئ إلى إدراكٍ محرج، هو أنه لم يكن يقرأ بالتركيز الذي ظنه لنفسه. فالفتى الذي سمّى نفسه «wastoid»، والذي بدا في ظاهره أقرب إلى أمه التي كانت تحوطه بالرعاية من أبيه المحاسب المنشغل بأدق التفاصيل، لم يكن في حقيقته إلا صورةً أخرى من أبيه. فقد كان ذلك الميل مغروسًا في أعماق تكوينه، وإن لم يعترف به أحدهما صراحة. ومن ثم لم يكن اتجاهه إلى المحاسبة تحولًا مفاجئًا، بل استعدادًا كامنًا لم يكن ينقصه إلا أن يتركز الانتباه حتى يتكشف ويستقيم.

ثم نصل، في الصفحة الحادية عشرة، إلى واقعةٍ تبدو لأول وهلة مثالًا جديدًا على ضياعه، وعلى دفاع أمه المستمر عنه، فإذا بها المفتاح الذي يفسر شخصيته. يروي كريس أنه، في سنواته الأولى بمدرسة ماتشيسني في روكفورد، حين كان أبوه يعمل لدى بلدية المدينة في منتصف الستينيات، مرّ بمرحلةٍ غريبة لم يعجز فيها عن معرفة الحروف؛ فقد كانت أمه تعلم يقينًا أنه أتقنها منذ طفولته، حين كانا يقرآن كتب الأطفال معًا. وإنما كان العجز في أمرٍ آخر؛ إذ حوّل القراءة، قرابة عامين، إلى عملية عدٍّ مجردة، فأخذ يحصي الكلمات بدل أن يقرأها. ولم تعد القراءة عندئذ إدراكًا للمعنى، بل غدت لونًا من الإحصاء؛ حتى إن جملةً مثل: «ها قد جاء أولد ييلر لينقذني من الخنازير» لم تعد تستدعي صورةً أو تثير انفعالًا، وإنما أصبحت ثماني كلمات تُعد من واحد إلى ثمانية.

ويظل هذا النزوع المحاسبي ملازمًا له طوال الرواية. فهو يتعلم القراءة من جديد، لكنه لا يكف عن عدّ الكلمات في الوقت نفسه. يقول، مثلًا، في الصفحة التالية: «لقد قلت 2,752 كلمة الآن منذ أن بدأت»، ثم يضيف، بدقةٍ محاسبية: «أي 2,752 كلمة قبل أن أقول: "لقد قلت"، و2,754 إذا حسبت عبارة "لقد قلت" نفسها — وهو ما أفعله، حتى الآن». ثم يعترف، أثناء خطاب الأستاذ اليسوعي المحاسب:

«فجأة خطرت لي فكرة أنني لم أعد أعرف كم كلمة قالها منذ الكلمة رقم 8,206 في ختام المراجعة». ولم يستحوذ الخطاب على انتباهه الكامل إلا لأنه كان يتناول المحاسبة؛ المجال الوحيد الذي استطاع أن يجمع شتات تركيزه، بعدما ظل موزعًا بين متابعة المعنى وعدّ الكلمات. ثم يعود، في مكتب التوظيف بمصلحة الضرائب، إلى عادته القديمة، فيقول: «بشكل عام، على الرغم من أنه لم يتجاوز 5,750 كلمة إجمالية، استمر العرض التوظيفي الأولي لمدة ثلاث ساعات تقريبًا...»

. وكأن الرواية توحي بأن التركيز ليس حالةً تستقر مرة واحدة، بل هو جهدٌ يحتاج إلى تجديدٍ دائم.

وثمة ملاحظة كنت قد كتبت عندها في الهامش: «رائع جدًا». يقول كريس إنه، وهو يستمع إلى خطاب الأستاذ، كان مأخوذًا به، لكنه ظل واعيًا، في الوقت نفسه، بأن استعارات المتحدث قد تداخلت، وأن صور رعاة البقر والفطائر قد لا تكون مفهومة لغير الأمريكيين، لأنها وثيقة الصلة بثقافتهم. وهذه اللفتة الصغيرة تكشف عن يقظةٍ عقلية لا تذوب في الانفعال، وعن وعيٍ يراقب نفسه وهو يتأثر، فلا يفقد قدرته على الملاحظة. ولعلها سمةٌ من سمات المحاسب، الذي لا يسمح للعاطفة أن تصرفه عن الحساب.

أما الأثر الذي تركه الخطاب في نفسه، إذ خُيل إليه أنه موجَّه إليه شخصيًا، كما لو كان إعلانًا مصنفًا كُتب لقارئٍ بعينه، فقد جاء تتويجًا فنيًا لذلك الاستطراد الطويل الذي سبق أن أفرده ديفيد فوستر والاس لقصة صديقة كريس، تلك المسيحية «المولودة من جديد». فقد تناول روايتها بتحليلٍ نافذ، وكشف ما تنطوي عليه من مواطن ضعف. فهي، شأن كثير من المتحمسين، أعادت رسم ماضيها في صورة ضياعٍ مطلق سبق «الخلاص»، ثم جعلت من هذه الصورة معيارًا للحكم على الآخرين، فصار كل من بقي خارج دائرتها إنسانًا ضائعًا يائسًا، متشبثًا بخيطٍ واهٍ من المعنى، في انتظار أن «يُنقذ».

ويمضي في رواية قصتها، فيذكر أنها كانت تقود سيارة والديها من طراز AMC Pacer، حتى اعترتها، لسببٍ لم تستطع تفسيره، رغبةٌ مفاجئة جعلتها تنعطف إلى موقف سياراتٍ تبين أنه تابع لكنيسة إنجيلية كانت تقيم شعائرها في تلك اللحظة. وهنا يفرض سؤال نفسه: أفي هذا التفصيل نقضٌ ضمني لما سبق أن قيل عن أن القيادة والانعطاف يفترضان وعيًا لا يشبه الانسياق الآلي؟ أم أن الأمر مفارقةٌ مقصودة؟

ثم تتابع روايتها، فتقول إنها دخلت الكنيسة بلا قصدٍ معين، وجلست في آخر القاعة على مقاعد وثيرة أقرب إلى مقاعد المسارح منها إلى مقاعد العبادة التقليدية، وما إن استقرت حتى قال الواعظ — أو القس، أو أيًّا كان اللقب الذي يطلقونه عليه — عبارةً عامة: «إن بيننا اليوم شخصًا يشعر بالضياع واليأس، وقد بلغ نهاية حبله، وهو محتاجٌ إلى أن يعلم أن يسوع يحبه حبًّا عظيمًا».

ثم تروي كيف تحدثت بعد ذلك في القاعة الاجتماعية، وكيف أعلنت أنها ذُهلت من وقع تلك الكلمات، وشعرت بانقلابٍ روحي عميق غمرها بالطمأنينة، وبإحساسٍ بالمعرفة والمحبة غير المشروطة، حتى بدا لها أن حياتها اكتسبت، في تلك اللحظة، معنىً واتجاهًا بعد خواءٍ طويل، وأن هذا الشعور لم يفارقها منذ أن «اختار» الواعظ — في تصورها — أن يتجاوز جميع الحاضرين، ويوجه حديثه إليها وحدها في ساعة حاجتها الروحية القصوى.

وهنا يبدأ اعتراض كريس غير المهم. فقد سألها، بعد أن استمع إلى قصتها، ما الذي حملها على الاعتقاد بأن الواعظ كان يعنيها هي دون سائر الحاضرين؟ أليس من الجائز أن يكون كل واحدٍ منهم قد رأى نفسه في هذا الوصف؟ بل أليس الأمريكي، في أعقاب حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت، قد عرف من الإحباط وفقدان الاتجاه ما يجعله يجد نفسه في مثل هذا الكلام العام؟ ثم أليست عبارة الواعظ: «شخصٌ ضائعٌ يائس» شبيهةً بما تنشره صحيفة Chicago Sun-Times من تنبؤاتٍ فلكية، تُصاغ بقدرٍ من العمومية يجعلها صالحةً لأن تنطبق على الجميع، ومع ذلك يتوهم كل قارئ أنها تخاطبه هو وحده؟

ثم يفسّر ذلك بنزعةٍ نفسيةٍ معروفة؛ فمعظم الناس يميلون إلى تضخيم خصوصية مشكلاتهم، حتى يخيَّل إلى كل واحدٍ منهم أنه وحده الذي يعاني ما يعانيه. ومن ثمّ، لم يكن سؤاله مجرد استفسار، بل كان في حقيقته درسًا صغيرًا يُلقيه على صديقته عن أوهام البشر، وكأنه بمنأى عنها. وكان موقفه يُشبه تلك الصورة التي رسمها تشارلز ديكنز، أو شخصية «Ragged Dick»، التي تجلس بعد شبعٍ كامل، وأصابعها معقودة فوق بطنها، فلا تكاد تتصور أن هناك من لا يزال يعرف الجوع.

لكن المفارقة أن كريس غير المهم مرّ بالتجربة نفسها، وبالتفاصيل نفسها تقريبًا، مع الأستاذ اليسوعي المحاسب. وكأن القصة عادت إليه في صورة أخرى، فأصبح هو ذلك «الشخص بعينه» الذي ظن أن الخطاب موجّه إليه وحده.

ثم أدرك أن القضية ليست شعورًا بالفرادة كما تصور، وإنما هي، قبل كل شيء، مسألة وعي. فهناك ظروف معينة تجعل رسالةً عامة تبدو لكل من يتلقاها وكأنها خُصّت به وحده. ولهذا يقول إن استعادته لتلك المحادثة إنما ترجع إلى أنه اكتشف في قصة «الخلاص» حقيقةً لم يكن يفهمها آنذاك، ولم تكن صاحبته نفسها قد أحاطت بها. صحيح أن القصة، في ظاهرها، تبدو ساذجة ومصطنعة، لكن ذلك لا ينفي أن التجربة التي عاشتها كانت حقيقية، وأن أثرها النفسي كان صادقًا.

ويمضي في توضيح فكرته، فيقول إنه كان مصيبًا ومخطئًا في الوقت نفسه. فالتجارب المفاجئة التي تغيّر مجرى الحياة لا يستطيع أن يفسرها تفسيرًا كاملًا إلا من عاشها؛ لأنها تظل تجربة شخصية لا تتكرر. غير أن خصوصيتها لا ترجع إلى الحدث وحده، بل إلى تلاقي الحدث مع الظروف التي وقع فيها، ومع مجمل الخبرات التي سبقته، حتى أصبح الشخص مهيأً لاستقباله على النحو الذي استقبله به. ومن هذا اللقاء بين الحدث والسيرة الشخصية تستمد التجربة قوتها.

ثم يعترف بأن هذا المعنى عسير التعبير، لكنه يلفت إلى أن صديقته أغفلت العنصر الحاسم في قصتها: ذلك الشعور العميق باليأس والضياع الذي كانت تعيشه آنذاك، وهو الذي جعلها مستعدة لأن تتلقى عبارة عامة غامضة وكأنها رسالة شخصية وُجّهت إليها وحدها.

وقد يبدو هذا كله، عند القراءة الأولى، متفرقًا لا يجمعه خيط واضح، لكنه يكتسب معناه حين يدخل كريس، دون انتباه، الغرفة الخطأ في المبنى رقم 311، فيتساءل: أكان ذلك مجرد مثال آخر على شروده الدائم؟

ثم يعود فيقرر أن مثل هذه التجارب لا يصح تحليلها بهذه البساطة، ولا سيما إذا نظرنا إليها بعد وقوعها بسنوات؛ فالنظر بأثرٍ رجعي يفرض على الأحداث معنى لم يكن ظاهرًا ساعة وقوعها، وهو ما لم يكن يدركه حين ناقش تلك الفتاة.

وفي النهاية، ليست الألفاظ نفسها ولا الوقائع نفسها هي التي تصنع الفارق؛ فالناس جميعًا قد يسمعون الكلمات ذاتها، أو يمرون بالحدث نفسه، لكن كل واحد يعيشها على نحو يختلف عن الآخر. والمهم هو كيف يستقبل الإنسان ما يسمعه، وكيف يعيشه في تلك اللحظة الخاصة من حياته، بكل ما سبقها من تجارب ومعانٍ. وهنا يتحدد دور التركيز والانتباه.

وخلاصة ما أستفيده من «شيءٌ له علاقةٌ بالانتباه» أن الموقف الواحد قد يمنح معاني مختلفة باختلاف من يتلقونه: هل يقبلون عليه بوعيٍ حاضر أم بذهنٍ شارد؟ وكيف ينظرون إليه؟ فالوقائع لا تتغير، وإنما الذي يتغير هو طريقة نظرنا إليها، ومن هنا تتعدد دلالاتها.

وهنا نقترب مما يسميه بعض فلاسفة التنوير، وبصورة مختلفة عند جان بودريار، «موت المعنى»؛ إذ لا توجد تجربة علمية فاصلة تستطيع أن تحدد: لماذا يستجيب شخص ولا يستجيب آخر؟ وكيف تختلف استجابة كل منهما؟ فالمعنى، في هذا المستوى، لا يخضع لقانون عام ولا يقاس بقياس تجريبي.

لكن هذا «الموت» نفسه هو، في الوقت ذاته، «ميلاد المعنى» الذي نقصده؛ لأن المعنى لا ينشأ من حقيقة واحدة تُفرض على الجميع، بل يولد من اختلاف الانتباه، ومن خصوصية التجربة كما يعيشها كل إنسان.

ولنأخذ الجري مثالًا. ففي كتاب «المحاكاة والمحاكيات» يرى جان بودريار أن الجري صورة من المحاكاة الخالية من المضمون، حتى إنه يسخر قائلًا إن الناس «لم يعودوا يمشون، بل يهرولون»، وكأنهم استبدلوا الأصل بصورة منه. أما ألبرت بورغمان فيرى فيه مثالًا لما يسميه «الممارسة المركزية»؛ أي النشاط الذي يشرك الإنسان كله، وينمي قدراته، ويحفظ اهتماماته الأساسية من خلال ممارسة واعية ومتكررة.

ويصف ذلك بقوله:

«الجري العظيم، حيث يبتهج المرء بقوة بدنه، وبسلاسة الخطوة وطولها، وحيث تتكلم الطبيعة في التلال والريح والحرّ بلسانٍ بيّن، وحيث يبلغ التحمل حدّ الانهيار، ثم يُغمر العداء أخيرًا بحسن ظنّ المتفرجين وزملائه».

إن النشاط واحد، لكن طريقة الانتباه إليه هي التي تصنع الفارق بين المعنيين. فإذا رأيت الجري مجرد تقليد أجوف للمشي، بدا لك أمرًا سخيفًا، واستغربت من يمارسه. أما إذا رأيته صورةً من صور الجهد الإنساني الذي يوحّد بين العقل والجسد في سبيل غاية صعبة، فسوف ترى فيه ما يدعو إلى الإعجاب كلما رأيت عدّاءً. وتغدو التجربة أعمق إذا كنت أنت من يجري.

وقد يبدو هذا أمرًا يسيرًا، لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن المعنى لا يتكون إلا من طريقة انتباهنا إلى ملايين التفاصيل الصغيرة؛ فهي اللبنات التي تُبنى منها الحياة، وإن كنا لا نلتفت إليها في العادة.

ولعل أحد أسباب تراجع الإحساس بالمعنى في عصر كثرت فيه الوسائل، أن هذه الوسائل نفسها تدفعنا إلى تقليل الانتباه؛ فهي تُغري بالسهولة، وتعودنا استقبال كل شيء دون جهد، حتى يضعف ذلك الحضور الذهني الذي يتولد منه المعنى.

وفي كتاب «العالم خارج رأسك» يعقد ماثيو كراوفورد مقارنة لافتة بين رسوم ميكي ماوس القديمة وبرامج نادي ميكي ماوس الحديثة، فيقول:

«إن مصدر الضحك الأبرز في الرسوم الأولى — في العقود الوسطى من القرن العشرين — لم يكن إلا مقاومة المادة للإنسان، أو قل: ذلك العنف الشيطاني الكامن في الأشياء. فالأسِرّة القابلة للطي، وألواح الكي، وأمواج البحر، والمقطورات — ولا سيما إذا كان غوفي وراء المقود على طريقٍ جبليٍّ ملتف — وكل ما هو كهربائي، وكل ما هو مرن، وكل ما يمكن أن ينقلب مقذوفًا، كانت أشياء تُولد منها المفاجأة والاضطراب. وكل شيءٍ كان عُرضةً لفسادٍ خفيٍّ كفساد النمل الأبيض، لا ينكشف إلا في اللحظة الحاسمة. وكانت النوابض مصدر خطرٍ دائم، وكذلك الستائر القابلة للسحب. وكرات الثلج يُعوَّل عليها أن تتضخم درجاتٍ وهي تهوي نحو رأسك. ولم يكن من المستبعد — في أي لحظة — أن تقبض ساعةٌ جداريةٌ مشدودةٌ على ياقة ثوبك. وكانت الثلّاجات مما يُحذر الاقتراب منه، والدراجات تنقلب — على غير توقع — إلى دراجاتٍ أحادية، والغراء المطاطي يختلط بسهولةٍ بمسحوق الخَبز. حتى ليخطر السؤال ساخرًا: لِمَ تتشابه أسماؤها هذا التشابه؟»

«تلك الرسوم المتحركة المبكرة» — كما يكتب ماثيو كراوفورد — «تُقدِّم صورةً ثريةً لما يعنيه أن يكون الإنسان كائنًا يتحرك داخل عالمٍ تحكمه الآلات وقوانين الطبيعة التي لا تعرف الرحمة.» ثم يقارن ذلك بما آل إليه «نادي ميكي ماوس» في صورته الحديثة، فيقول:

«إن في كل حلقة أربع مشكلات، ولكل مشكلة حلٌّ جاهز تقدمه واحدة من الأدوات الأربع التي يأتي بها ذلك الجهاز العجيب حين يُنادى: “أوه توتلز!”. وهذا الضمان جزءٌ من بناء الحلقة نفسها؛ فلا مجال لعجزٍ حقيقي، ولا لمشكلة يستعصي حلها، ولا لصدامٍ بين إرادة الإنسان والعالم. ولعل هذا بعض ما يجعل هذه الحلقات ليست غير مضحكة فحسب، بل تكاد تكون نقيض الفكاهة...

...فأن تكون فأرًا “يؤدي العمل” معناه أن تنفصل عن الواقع المادي كما صوّرته رسوم ديزني الأولى، حيث كانت تُظهر لنا الوجه الآخر للإمكانات. ويمكن أن نسمي المقذوفات الطائشة، والنوابض المتمردة، وسائر تلك الأخطار “إمكانات سلبية”. غير أن الإمكانات الإيجابية لا تقوم إلا بوجودها؛ فكلاهما وجهان لواقعٍ واحد. فالعالم الذي نكتسب فيه مهاراتنا بوصفنا كائناتٍ فاعلة هو نفسه العالم الذي يفرض علينا مقاومة الأشياء واستقلالها عنا. ومن يهرب من هذه المقاومة إلى عالمٍ مجرد، إنما يتخلى عن المهارة نفسها، ويستبدل بالفعل الحقيقي تقنيةً تبدو كأنها ضربٌ من السحر.»

وهذا الكلام، وإن ورد في سياق برنامجٍ للأطفال، فإن مقصود كراوفورد يتجاوز ذلك بكثير. فهو يشير أولًا إلى النموذج الذي نُنشِّئ عليه أبناءنا، ثم يلفت النظر إلى أن التكنولوجيا الحديثة تعدنا بالوعد نفسه. فهي — كما تقول شعارات IBM — «تبني كوكبًا أذكى»؛ عالمًا يقل فيه الاحتكاك بالواقع حتى يكاد يصبح التفكير وحده كافيًا لإدارته. بل إن الطموح يتجاوز ذلك أحيانًا؛ إذ يُفترض أن تبلغ التقنية من الذكاء مبلغًا تستبق معه رغباتنا، وتتنبأ بما سنختاره، اعتمادًا على خوارزميات تستخلص من سلوكنا السابق صورةً لما نحن عليه.

وقد صدر هذا الكتاب سنة 2016، فكأن كراوفورد استبق ما نراه اليوم من وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يعدون بأن يتولوا عنا معظم ما نقوم به، حتى يغدو السؤال الطبيعي: ماذا يبقى للإنسان بعد ذلك؟

ولا شك أن في هذا وجوهًا كثيرة من النفع، ولكن كراوفورد يرى أن الاعتماد المتزايد على التقنية في أداء ما كنا ننجزه بأنفسنا يضعف قدرتنا على الانتباه. ويستشهد لذلك بأنظمة مساعدة السائق في سيارات مرسيدس-بنز، ثم بالمفارقة التي لاحظها بعض خبراء المرور، وهي أن الطرق المصممة لتكون أشد أمانًا قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية. وتنقل إميلي أنثيس عن بعض مهندسي المرور قولهم:

«في العقد الأخير، اتجه بعض المهندسين إلى جعل الطرق أكثر خطورة عمدًا: فضيّقوا المسارات، وقللوا مدى الرؤية، وأزالوا الأرصفة والخطوط الوسطى والحواجز، بل وحتى إشارات المرور. وقد أظهرت الدراسات أن هذه الطرق تشهد حوادث ووفيات أقل بكثير.»

وقد تبدو المقارنة بين «ميكي ماوس» وتصميم الطرق بعيدة، لأن نتائج الطرق قابلة للقياس والإحصاء، لكن أثر الاعتماد على التقنية في تقليل مقدار الانتباه الذي نبذله لا يقل أهمية، وإن كان أعسر رصدًا؛ لأنه يتعلق بإحساس الإنسان بمعنى حياته.

فإذا كان هاتفك يضع بين يديك عالمًا كاملًا من الترفيه، فما الذي يدفعك إلى خوض حديثٍ حقيقي؟ وإذا كان ChatGPT يمدك بالأجوبة في ثوانٍ، فما الذي يحفزك إلى التفكير بنفسك؟ ولماذا تبذل جهدًا في عملٍ رتيب إذا كانت الآلة تستطيع أن تؤديه نيابةً عنك؟

وهكذا، كلما ازداد ميلنا إلى السهولة، وكلما ازداد اعتمادنا على تلك «المحاكيات» التي تحدث عنها جان بودريار، تنازلنا — من حيث لا نشعر — عن شيءٍ من انتباهنا، وعن شيءٍ من قدرتنا على الفعل.

ومع ذلك، فليست هذه دائمًا صفقةً خاسرة. فحتى بيونغ-تشول هان وجان بودريار لا ينكران أن في حياتنا أعمالًا لا تستحق أن نهدر فيها الوقت أو الجهد. ولهذا أجد أن ألبرت بورغمان وماثيو كراوفورد يلتقيان عند فكرةٍ مهمة، هي أن التكنولوجيا، إذا بقيت أداةً لا غاية، أمكنها أن تُعفينا من الأعمال الهامشية، لتفسح لنا المجال لما يستحق اهتمامنا حقًا. فالإنسان مثقلٌ بأعبائه، ولا يستطيع أن يخرج من النظام الحديث خروجًا كاملًا، ولا ينبغي له ذلك.

ويبقى، بعد كل شيء، السؤال الحقيقي: إلى أي شيء تختار أن توجّه انتباهك؟

«لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ لا تكتفي فيه السيارة بأن تساعدنا على القيادة، بل تتولى القيادة بدلًا منا.» هكذا يصف كراوفورد المشهد. ويروي أنه جرّب في سان فرانسيسكو عددًا من رحلات Waymo، فوجدها مريحةً ومثيرةً للإعجاب، ولا سيما أن الإحصاءات تشير إلى أن السيارات ذاتية القيادة أكثر أمانًا في المجمل. غير أن السؤال لا يتغير: إذا لم تعد تقود السيارة، فبماذا ستشغل وقتك؟ أتتنقل بين Twitter وTikTok؟ أم تستثمر تلك الدقائق في التفكير، أو في الاتصال بوالديك، أو حتى في تأمل المدينة التي تمر بها؟

وغالبًا ما تكون الغلبة لـTwitter وTikTok. بل إن Twitter — كما يعترف الكاتب — يغلبه هو نفسه أحيانًا، حتى ليكاد يرى أن التخلص منه لا يكون إلا بحذفه.

وتكتب نادية أسباروهوفا، في كتاب «مضادات الميمات»، كلامًا أراه موجهًا إليّ بوجه خاص، فتقول:

«ترى جيني أوديل، مؤلفة كتاب “كيف تفعل لا شيء”، أن الابتعاد المؤقت عن الواقع يشبه إعادة ضبط الذهن، ويذكّرنا بما تستحقه حياتنا من اهتمام. لكن هذا الرأي يذكّرني بمدمني وسائل التواصل الذين يظلون يحذفون التطبيقات ثم يعيدون تثبيتها، بدلًا من أن يتعلموا كيف يكتسبون إحساسًا حقيقيًا بالسيطرة على العالم الذي يعيشون فيه.»

ثم تمضي أسباروهوفا فتوضح أنها لا تقتنع بالدعوة إلى «الانسحاب من هذا النظام» بوصفها الطريق إلى استعادة الانتباه؛ لأنها ترى أن هذه الدعوة تغفل مسؤوليتنا تجاه العالم الذي نعيش فيه، والعلاقات التي تربطنا به.

ومن هنا يمكن النظر إلى كلامها بوصفه ردًا غير مباشر على بيونغ-تشول هان؛ فالحل، في رأيها، ليس في الانسحاب إلى عزلةٍ تأملية، وإنما في المشاركة في العالم، والعمل على إصلاحه، حتى يصبح عالمًا يستحق أن نحيا فيه.

وفي كتاب «مضادات الميمات»، وكذلك في حوارها مع جاكسون دال في «ديالكتيك»، تعرض نادية أسباروهوفا تصورًا للانتباه أراه من أمتن ما كُتب في هذا الباب، وهو تصور يلتقي في جوانب منه مع ما لمح إليه ديفيد فوستر والاس. فهي لا تنظر إلى الانتباه بوصفه موردًا نادرًا ينبغي الدفاع عنه في مواجهة قوى خارجية، بل تراه قدرةً إنسانية نستطيع أن نحسن توجيهها، وأن نبني بها خبرتنا بالعالم.

وتكتب، تأكيدًا لهذا المعنى:

«إن الانتباه ليس شيئًا نملكه فحسب، بل هو عين ما نكونه. وليس تعلّم توظيفه رجوعًا ساذجًا إلى “اللحظة الحاضرة”، بل هو خلقٌ لواقعٍ لا نهائي من الدهشة؛ لأن ما نختار أن نراه في هذه اللحظة فريدٌ لكل واحدٍ منا.

وأودّ أن أتحدث عنّا كأننا سحرةُ انتباه، نلوّح بعصًا فنحوّل عوالمنا تحويلًا مدهشًا. وهذا — في نظري — أمتع من الجلوس إلى آلات الحظ في الكازينو.

فالعالم، في نهاية المطاف، ليس مجرد ما نرثه، بل ما نختار أن نلاحظه، ونرعاه، ونبنيه. وكل ما يحيط بنا — في سوءه كما في حسنه — يتحدد بما نوجّه إليه انتباهنا. فإذا أحسنّا توجيهه، استطعنا أن نختار المستقبل الذي نريد أن نراه.»

يدور كثير من الخطاب المعاصر عن التكنولوجيا بين موقفين متقابلين.

يرى أولهما أن الإنسان أصبح أسير نظامٍ لا يملك قلبًا؛ سواء سُمِّي رأسمالية، أو ليبرالية جديدة، أو تكنولوجيا، أو غير ذلك من أسماء العصر. ووفق هذا التصور، لا يملك الإنسان إلا الانسحاب أو تقليل خسائره. وهو موقف بارع في تشخيص الأزمة، لكنه قليل العون حين يتعلق الأمر بتجاوزها.

أما الموقف الآخر، فيذهب إلى أن التكنولوجيا كفيلة بحل معظم مشكلاتنا. وهذا أيضًا لا يخلو من مبالغة. فأنا، مع ميلي إلى الرأسمالية وثقتي بما تتيحه التكنولوجيا، لا أرى أنها تمنحنا أكثر من الوسائل. فهي تطيل العمر، وتحسن الصحة، وتوسع آفاق المعرفة، وتخفف عنا الأعمال الرتيبة، لكنها لا تستطيع أن تحدد لنا الغايات التي تستحق أن نعيش من أجلها.

ولهذا أخالف بيونغ-تشول هان وجان بودريار في نقطةٍ أساسية؛ فأنا أرى أن كثرة الوسائل، وإن جعلت البحث عن المعنى أكثر تعقيدًا، تظل خيرًا في ذاتها.

ولنتأمل حياة سرينيفاسا رامانوجان. فقد أنهى مرض السل حياته بعد سنوات قضاها في مصحات إنجليزية قاسية، بعيدًا عن شمس بلاده وغذائها، وربما أسهم نقص فيتامين د في تدهور صحته. وكانت رسائل زوجته تصل إليه متقطعة، والاتصال بوطنه بالغ البطء. وحين عاد إلى الهند، عاد منهكًا، ولم يعش بعد ذلك إلا قليلًا، فرحل في الثانية والثلاثين. ومن يدري ماذا كان يمكن أن يضيف إلى الرياضيات لو امتد به العمر بضعة عقود أخرى؟

يقول بيونغ-تشول هان إن «الاعتقاد بأن زيادة رأس المال تُنتج زيادةً في الحياة — أي قدرةً أكبر على العيش — وهمٌ.» أما أنا فأفضل عالمًا يمنح البشر حياةً أطول، لأن هذه الحياة الإضافية قد تتيح ظهور مزيدٍ من أمثال رامانوجان. صحيح أن طول العمر لا يضمن حياةً أعمق، لكنه يتيح إمكانها، بينما الموت يغلق هذا الباب نهائيًا. أما حديث بودريار عن أننا قد فقدنا الحياة بالفعل، فهو بناءٌ فكري جذاب، لكنه لا يصمد أمام التجربة المباشرة.

ولم يكن ديفيد فوستر والاس أقل تشاؤمًا حين حذر من أن الاستسلام الكامل للترفيه السلبي سيؤدي إلى موت الفرد، ثم إلى اضمحلال الثقافة نفسها. لكنه لم يعرض ذلك بوصفه قدرًا لا مهرب منه، بل احتمالًا مشروطًا؛ ولذلك بقي الباب مفتوحًا أمام اختيارٍ آخر.

ولئن أصابت توقعاته كثيرًا مما نراه اليوم في عالم التقنية، فإن النتيجة التي انتهى إليها لم تتحقق بعد. فما دمنا نكتب ونقرأ ونفكر، فلا يزال في الأمر متسع للحياة.

وهنا، في تقديري، يقع بودريار في المفارقة التي كان يعيبها على المجتمع نفسه؛ إذ يجعل البناء النظري مقدمًا على الخبرة الحية، فتغدو الفكرة حاكمةً على الواقع، بدل أن تكون وسيلة لفهمه.

وأرى أن تحليلاته، وكذلك تحليلات بيونغ-تشول هان، لا تعلن نهاية العالم، بقدر ما تمثل المرحلة الأخيرة من تصورٍ مادي يجعل الوعي تابعًا للعالم المادي.

أما أنا فأبدأ من الفرض المقابل: الوعي ليس تابعًا، بل هو أصل التجربة الإنسانية، والانتباه ليس صفةً عارضة، بل أحد مقومات وجودنا.

ومن ثم، فالمعنى لا يكمن في الأشياء نفسها، ولا كان كذلك يومًا، وإنما ينشأ من الطريقة التي نلتفت بها إليها.

فالصحيفة الملقاة تحت طاولة في مركز تجاري قد لا تكون، عند أكثر الناس، إلا ورقةً مهملة، لكنها قد تصبح، بالنسبة إلى شخصٍ بعينه، بداية مسارٍ يغيّر حياته.

وموعظة الواعظ قد تمر على أكثر السامعين مرورًا عابرًا، بينما تتحول، عند آخر، إلى نقطة انعطاف حاسمة.

وقد أُتيح لكريس، كما أُتيح لتلك الفتاة، قدرٌ من الفراغ مكّنهما من أن يصادفا ما منح حياتهما معنًى. ولم يكن همهما كله منصرفًا إلى مجرد البقاء؛ بل وُجد في حياتهما متسعٌ يسمح للمعنى أن يظهر.

ومن هنا يبرز السؤال الأكبر في عصرنا، وربما في العصور المقبلة أيضًا: كيف نردم الفجوة بين اتساع الوسائل وضآلة المعنى؟

قد يعيش أناس على المريخ وهم يعانون الاكتئاب، وقد يعبر آخرون العالم في ساعات ليلتقطوا صورةً ينشرونها على Instagram، وقد يُشفى مريض من السرطان ليعيش سنواتٍ أطول لا يشعر فيها برضا أكبر. وإذا منحت الآلات الإنسان حريةً كاملة في اختيار ما يفعل، فقد يختار بعض الناس ألا يفعلوا شيئًا.

ولهذا سيظل السؤال يتكرر: وماذا بعد؟

والأقرب إلى الحكمة، في رأيي، ألا نحدّ من الوسائل لأنها اتسعت، بل أن ننمّي قدرتنا على صناعة المعنى بما يواكب هذا الاتساع. وهنا أرى أن بيونغ-تشول هان وبودريار يبالغان في تمجيد ماضٍ كان أشد قسوةً وضيقًا، لأنهما ينظران إلى البنية الاجتماعية أكثر مما ينظران إلى ما تمنحه الحياة الجديدة للأفراد من إمكانات.

ولو شئنا تبسيط الفكرة، لأمكن التعبير عنها بمعادلةٍ يسيرة:

المعنى الكلي = عدد ساعات البشر × نسبة الساعات التي تُعاش بمعنى.

فالتكنولوجيا قادرة، على الأرجح، على زيادة متوسط أعمار البشر — ما لم تتحقق المخاوف المتعلقة بتراجع السكان — وبذلك تمنح عددًا أكبر من الناس فرصةً لحياةٍ أطول. لكن السؤال الحاسم يظل هو نفسه: كيف سنقضي هذه الساعات؟ هل نقضيها مستنزفين كما يصورنا بيونغ-تشول هان وبودريار، أم نقضيها بوعيٍ وانتباه؟

ولعل الانتباه أصلح نقطةٍ للبداية؛ فالمعنى مفهوم واسع وذاتي، أما الانتباه فهو أقرب إلى الممارسة والتدريب. وأحسب أن حسن توجيه الانتباه هو الطريق الأقرب إلى حياةٍ أكثر امتلاءً بالمعنى.

فالأمر، في نهاية المطاف، مردّه إلينا، بل إليك أنت على وجه الخصوص؛ أن تُنشئ في نفسك آليةً خفية تعينك على توجيه انتباهك. والأمر مردود إليك قبل كل شيء: أن تكون صاحب سلطانٍ على انتباهك.

وكيف يكون ذلك؟

أحسب أن البداية تكون بما تقترحه نادية أسباروهوفا. فهي تقول لجاكسون دال في «ديالكتيك»:

«حين نتحدث عن بيع الانتباه وشرائه عبر الشبكة، يُصوَّر الأمر كأن هذا يملك انتباهي أو ذاك يستولي عليه. غير أنك تملك انتباهك أنت، ولك أن تصنع به أمورًا عجيبة، وأن تُنشئ به تجارب مدهشة».

ثم تروي ما انتهت إليه من ممارستها «الجهانات»؛ وهي حالات من التأمل العميق. فقد أدركت أن الإنسان إذا لم يُرِد أن يستسلم لشعورٍ بعينه، استطاع — إلى حدٍّ بعيد — أن يغيّر طريقته في الاستجابة له، لأن في وسعه أن يوجّه انتباهه توجيهًا مختلفًا. فالانتباه — كما تقول — قوة عجيبة. فإذا علقت في زحام، أو انتظرت في مكتبٍ للخدمات، سألت نفسها: «كيف أجعل هذه اللحظة أكثر بهجة؟». وبهذا يتحول الوقت الضائع إلى وقتٍ ذي قيمة، فيرتفع نصيب الإنسان من الساعات التي يعيشها بمعنى.

أما أنا، فقد حاولت أن أطبّق شيئًا من ذلك، وإن كنت لا أزعم أنني بلغت فيه الغاية.

فلم أكتف بحذف Twitter، بل حاولت أن أستبدل عادة التمرير المتواصل بعادة القراءة. ولولا ذلك لما قرأت، في الأسابيع الأخيرة، بيونغ-تشول هان، وجان بودريار، وماثيو كراوفورد، وألبرت بورغمان، وديفيد فوستر والاس. وكان الانشغال العميق بهذه الفكرة، التي أخذت تستقر في ذهني، مصدرًا من مصادر المعنى. وبدلًا من أن أطلب من Claude جوابًا جاهزًا، صرت أسأله عن كتابٍ يقودني إلى الجواب.

وفي صباحات العطل، أخرج مع أطفالي لشراء الكرواسون، ثم نمضي إلى الملعب. وأذكر أنني، في أحد الصباحات المشرقة، وقفت أتأمل ضوء الشمس وهو يتخلل أوراق الشجر، فوجدت في ذلك متعة لم أكن ألتفت إليها من قبل.

وأحرص كذلك على التأمل عشرين دقيقة كل يوم، لا طلبًا لشيءٍ غامض، وإنما تدريبًا للنفس على صفاء الانتباه.

ولما أثقلتني العزلة التي صاحبت جائحة كوفيد-19، استأجرت مكتبًا صغيرًا في المدينة، وصرت أتعمد لقاء الناس وجهًا لوجه كلما استطعت، وأُفضّل اللقاء الذي يصاحبه مشي طويل، لا تقطعه المواعيد ولا يعجّله الوقت.

وأحاول، في كل ما أعمل، أن أقلّل الكثرة وأزيد الجودة؛ فلا يكون همي كثرة ما أُنجز، بل قيمة ما أُنجز. وهذا المقال هو أول ما أكتبه منذ ثلاثة أسابيع، لا لأنني عجزت عن الكتابة، ولكن لأنني أردته أمتن فكرة، وأبقى أثرًا.

وكان من عادتي أن أملأ كل انتقالٍ من مكان إلى آخر بصوتٍ أو حديث. أما الآن فأجرب أن أمشي أحيانًا بلا سماعات، وأن أترك حواسي مفتوحة لما حولي. فألتفت إلى وجوه الناس، أو إلى انعكاس الضوء على واجهات المباني، أو إلى تفاصيل لم أكن أراها من قبل. وكم في هذه الأشياء الصغيرة من بهجة لا تُدرك إلا إذا هدأ الضجيج.

وأصبحت كذلك ألحظ مصادفات صغيرة، لا تغيّر مجرى الحياة كما وقع لذلك «كريس» أو لصديقته، لكنها تضفي على العالم شيئًا من الدهشة، وتجعل الواقع أقل جمودًا مما نظن.

ولا يعني هذا أن حياتي أصبحت سلسلةً من الصفاء والرضا. فأنا، وأنا أكتب هذه السطور، أشعر بشيءٍ من الإرهاق، والحر في الخارج شديد، وقد أزعجني العرق وأنا أسير إلى هنا. وأغلب على ظني أنني، ما إن أفرغ من إرسال هذا المقال، سأعود إلى عادتي القديمة، فأتفقد أرقام المشاهدات وإعجابات Twitter بقدرٍ من القلق لا يخلو من المبالغة.

ومع ذلك، فإنني أشعر اليوم بسعادةٍ أكثر مما كنت أشعر به من قبل، على الرغم من أن ظروفي لم تتغير تغيرًا كبيرًا. فأنا أحب أسرتي، وأحرص على أن أقضي معهم وقتًا كل يوم. وأجد في الاستثمار في الأعمال الطموحة، والكتابة عنها، إسهامًا — ولو صغيرًا — في صنع الوسائل التي قد تجعل حياة الناس أفضل. وأستطيع، في مدونة يُفترض أنها معنية بالتقنية، أن أكتب مقالًا فلسفيًا طويلًا كهذا، ولا يزال بعضكم يتابعه حتى هذه اللحظة.

ولم يكن شيء من ذلك يقتضي مني أن أرفض الرأسمالية أو أن أنصرف عن التكنولوجيا؛ بل إن كثيرًا مما أفعله إنما أتاحته لي هذه الوسائل. ولعلني، منذ بدأت أتعلم كيف أوجّه انتباهي، أصبحت أكثر طموحًا وأكثر رغبة في الإنجاز. فإذا كان هذا هو مكاني في العالم، فأنا أريد أن أؤديه على خير وجه.

وكل نقدٍ للمجتمع الحديث يكتفي بإلقاء التبعة على نظامٍ غامض، ثم يقف عند هذا الحد، يظل نقدًا ناقصًا؛ لأنه يصف المشكلة، لكنه لا يفتح طريقًا إلى حلها.

ومن مزايا النظام الذي ينتقده بيونغ-تشول هان وجان بودريار أنه يتيح، في كثير من الأحيان، نشوء حلول للمشكلات نفسها. فإذا كانت وسائل العصر تحاصر انتباه الإنسان بإغراءات لا تنقطع، فليس بعيدًا أن تُنتج هذه الحضارة نفسها أدواتٍ تعينه على استعادة ذلك الانتباه. وأقرب مثال إلى ذلك تغير المناخ؛ فإطفاء جهاز التكييف في بيتك لا يحل المشكلة، وإنما تحلها الابتكارات الكبرى، كالطاقة الشمسية والنووية والبطاريات المتقدمة.

وأحسب أن الأمر قد يكون كذلك في شأن الانتباه أيضًا، وإن لم يكن الحل في صورة التكنولوجيا التي نعرفها اليوم. ولست أستغرب، مثلًا، أن يعود الاهتمام بالدين وبالروحانيات إلى الظهور من جديد. كما أود أن أرى مزيدًا من الجهد العلمي يُوجَّه إلى دراسة الوعي والظواهر غير المادية. وقد قال نيكولا تسلا: «إن اليوم الذي تبدأ فيه العلوم دراسة الظواهر غير الفيزيائية، ستحرز من التقدم في عقدٍ واحد ما لم تُحرزه في قرونٍ مضت». وإن فهم ما في الإنسان من قدرات كامنة، والعمل على تنميتها، يبدو لي أحق بالاهتمام من الاقتصار على صناعة محاكاةٍ للعقل البشري.

وما أرجوه، في النهاية، هو أن تنمو الوسائل وينمو معها المعنى، لا أن يتقدم أحدهما ويتخلف الآخر. فقد بدأت نشرةً تُعنى بأعمال التكنولوجيا، غير أن السؤال الذي ينهض وراءها هو سؤال آخر: كيف نجعل حياتنا، بوصفنا بشرًا، أغنى وأجدر بأن تُعاش؟

فالتكنولوجيا جزء من الجواب، لكنها ليست الجواب كله. ولعل هذا هو السبب الذي جعل كتابتي، في العام الأخير، تميل شيئًا فشيئًا إلى الفلسفة، بل إلى شيء من التأمل الروحي.

ويزداد هذا السؤال إلحاحًا اليوم مع الذكاء الاصطناعي؛ فهو أوسع هذه التقنيات أثرًا، وأقربها إلى ما حذّر منه جان بودريار، وإسحاق أسيموف، وماثيو كراوفورد، وديفيد فوستر والاس. فنحن نستطيع أن نجعله وسيلةً تتيح لنا مزيدًا من الوقت لنحيا حياةً أكثر إنسانية، كما نستطيع أن نسلّم له إرادتنا وانتباهنا، فنكتفي بمحاكاةٍ للحياة بدل أن نعيشها.

فالذكاء الاصطناعي، شأنه شأن التكنولوجيا كلها، لن يكون خلاصًا في ذاته، ولن يكون هلاكًا في ذاته. وإنما يتوقف الأمر على ما نصنعه نحن به.

فلتأتِ السيارات الطائرة، ولتأتِ السيارات ذاتية القيادة، ولتأتِ الطاقة النووية، انشطارًا واندماجًا، ولتأتِ الطائرات المسيّرة، والطائرات التي تفوق سرعة الصوت، والمصانع التي تبني البيوت، وتقنيات استمطار السحب، والروبوتات التي تتولى عنا ما نكره من الأعمال، لننصرف نحن إلى ما نريد أن نحسن أداءه.

فلتتسع الوسائل ما شاء لها أن تتسع؛ أما المعنى، فلن يخلقه سوانا.

وهذا، في تقديري، هو التحدي الأكبر الذي يواجه عصرنا، وهو كذلك أعظم فرصة يتيحها لنا.

نُقل من مدونة not boring

أخذت شيئاً من هنا؟

فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.

أريد الدعم INSTAPAY

أريد الدعم PAYPAL

تواصل معي

Read the original on ahmedkanoreadings.substack.com

Comments

Nothing yet. Say the first thing.

    Sign in to join the conversation.