RSS Amplifier

قراءات كانوية | مقالات فلسفة وعلم نفس وثقافة مترجمة · Jul 6, 2026

نهاية الإمبراطوريات: لماذا تسقط القوى العظمى بعد حروبها المحدودة؟

0
Sign in to vote or save

قراءات كانوية · قراءات كانوية | مقالات فلسفة وعلم نفس وثقافة مترجمة

لسماع المقال

0:00

-29:04

بدأت حياتي في زمن الحرب العالمية الثانية، ويبدو أنها قد تنتهي ـ إذا صح تقدير دونالد ترامب ـ في زمن حربٍ أخرى. والمفارقة أن الرئيس الذي اشتهر خلال ولايته الأولى بأنه لم يزج بالولايات المتحدة في حرب جديدة، كان يكرر آنذاك أن بلاده ينبغي أن تتوقف عن خوض «الحروب التي لا نهاية لها» و«الحروب الأبدية». وحتى خلال حملته الانتخابية للعودة إلى البيت الأبيض عام 2024، تعهد بأن تكون مهمته إبعاد «دعاة الحرب وأنصار العولمة المتخاذلين تجاه أمريكا» عن مواقع النفوذ، وأن يضع نهاية لتلك «الأيام الحمقاء الغبية من الحروب التي لا تنتهي أبداً. إنها لم تنتهِ أبداً».

وقد أظهرت نتائج انتخابات عام 2024 أن قطاعًا واسعًا من أنصاره كان يشاركه هذا التطلع. واللافت أن نائب الرئيس جيه دي فانس نفسه كتب في مقال نشرته النيويورك تايمز في أبريل 2016، ورغم تأكيده أن «السيد ترامب غير مؤهل لأعلى منصب في أمتنا»، فإنه استثنى هذه المسألة بالذات؛ إذ كان يعتقد أن ترامب، إذا أصبح رئيسًا، لن يقود الولايات المتحدة إلى حرب جديدة. وعبّر عن ذلك بقوله: «إن الغضب من الحروب ليس السبب الوحيد وراء دعم الناخبين للسيد ترامب، ولكن استعداده لقول ما لا يقوله مرشحو الحزب الجمهوري الآخرون يعكس أكثر ما يعجب الناس فيه: قطيعته التامة مع نخبة الحزب».

أما اليوم، يا جيه دي، فلعل مراجعة هذا التقدير أصبحت ضرورة. فأهلًا بك في عالم دونالد ترامب الجديد. فالرجل الذي كان يفاخر بمعارضة «الحروب الأبدية» يبدو اليوم منخرطًا في واحدة منها. وربما كان السبب أن ترامب الذي عرفه الناس من قبل ـ على ما فيه من مثالب ـ لم يكن قد بلغ بعد حدَّ تضخم الذات الذي يدفع صاحبه إلى تصور نفسه فوق القيود، أو إلى تخيل نفسه، حقًا، نظيرًا حديثًا للمسيح، قادرًا على أن يفعل ما يشاء دون حساب.

وكما اتضح فيما بعد، فإن الطريق إلى الحرب في مضيق هرمز بدأ من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف تصوره لإسقاط النظام الإيراني بأنه «هزلي». وقد حذر عدد من أعضاء إدارة ترامب، ومعهم نائب الرئيس فانس، كما ذكرت النيويورك تايمز، من أن الحرب مع إيران قد تقود إلى فوضى إقليمية واسعة وخسائر لا يمكن التنبؤ بحدودها. كما قد تؤدي إلى تفكيك التحالف السياسي الذي أوصل ترامب إلى السلطة، وتُعد، في نظر كثير من أنصاره، خيانةً للوعد الذي قطع على نفسه بألا يدخل البلاد في حرب جديدة.

وهي خيانة بالفعل. ومع ذلك فقد بدأت موجة الغضب تتصاعد، ولم يكن أحد قادرًا، كالعادة في مثل هذه الأزمات، على أن يرى إلى أين تنتهي. وإذا وضعنا ذلك كله في إطاره الصحيح، أمكننا أن ننتقل إلى رؤية ألفرد مكوي، صاحب كتاب الحرب الباردة في خمس قارات، الذي رأى منذ وقت مبكر أن الحرب في مضيق هرمز ستكون خطوة أخرى على طريق انحدار الإمبراطورية الأمريكية. وهو يحاول أن يضع الأزمة الراهنة مع إيران في سياقها التاريخي الأوسع.

قبل أكثر من ألفي عام، قدّم المؤرخ الإغريقي بلوتارخ وصفًا بالغ الدقة لما يسميه المؤرخون المحدثون «العسكرة الجزئية». فالإمبراطوريات، حين تدخل طور الانحدار، كما كانت أثينا قديمًا وكما تبدو الولايات المتحدة اليوم، كثيرًا ما يستجيب قادتها لهذا التراجع برد فعل عاطفي، فيلجؤون إلى مغامرات عسكرية تبدو جريئة في ظاهرها، طمعًا في استعادة مجد آخذ في الأفول. غير أن هذه المغامرات لا تستعيد أمجاد الماضي، بل تعجل بانحدار الإمبراطورية، وتستنزف ما بقي لها من قوة و هيبة، كما تكشف في الوقت نفسه عن أزمة أخلاقية عميقة داخل طبقتها الحاكمة.

وتتزايد الشواهد التاريخية التي توحي بأن الولايات المتحدة نفسها دخلت هذا المسار، في الوقت الذي تتحول فيه الحرب التي اختارها الرئيس دونالد ترامب ضد إيران إلى نموذج لذلك النوع من المغامرات العسكرية المحدودة، التي أسهمت، على امتداد ألفين وخمسمائة عام، في تعجيل سقوط إمبراطوريات متعاقبة؛ من أثينا القديمة، إلى البرتغال، ثم إسبانيا، فبريطانيا، وصولًا إلى الولايات المتحدة. وما يجمع بين هذه النهايات، في الغالب، هو وجود قائد مضطرب في مركز القرار، كثيرًا ما يكون قد نشأ في ظل الثراء والامتيازات، فتنعكس عيوبه الشخصية على سياسة الدولة، وتضاعف ما يصاحب الانحدار الإمبراطوري من نزعات اللاعقلانية.

وخلال هذا الانحدار المتدرج، الذي يفت في عضد الأمم ويقوض ثقتها بنفسها، تتحول الجيوش التي كانت يومًا أداة الفتح والتوسع إلى وسيلة لخوض مغامرات محدودة، تنتهي في كثير من الأحيان إلى نتائج كارثية. وهي مغامرات تنبع، في جوهرها، من محاولة نفسية لتعويض الشعور بفقدان القوة، سواء باحتلال أراضٍ جديدة أو بإظهار قدرة عسكرية توهم الآخرين بأن الهيبة القديمة ما زالت قائمة. غير أن هذه الحملات كثيرًا ما تستهدف مواقع يتبين لاحقًا أنها تفتقر إلى أي قيمة استراتيجية دائمة. لكن الضغوط النفسية التي تعانيها الإمبراطوريات الآفلة تدفعها إلى المقامرة بما بقي لها من رصيد، على أمل استعادة ما ضاع. وكانت النتيجة، في كل مرة، مزيدًا من الأعباء الاقتصادية، وكشفًا مهينًا لتآكل القوة، وتعجيلًا بعملية الانحدار، سواء كانت العاصمة أثينا، أو لشبونة، أو مدريد، أو لندن، أو واشنطن.

وفي لحظتنا الراهنة، حين تتوقف القنابل عن السقوط، ويُرفع الركام من شوارع طهران وبيروت، قد يصبح أثر هزيمة من هذا النوع على المكانة العالمية للولايات المتحدة أمرًا لا يحتاج إلى برهان. عندئذ قد تضعف تحالفات مثل حلف شمال الأطلسي، وتتراجع الهيمنة الأمريكية، وتتآكل شرعيتها الدولية، ويزداد اضطراب النظام العالمي، ويتحمل الاقتصاد الدولي تبعات ذلك كله.

ومن هذه اللحظة الراهنة أنتقل إلى التاريخ، لا لأستعيد وقائعه، بل لأبحث في دروسه؛ لأرى ما الذي يمكن أن تتركه مغامرة دونالد ترامب العسكرية المحدودة ـ إذا انتهت إلى الفشل في الشرق الأوسط ـ من آثار بعيدة في مسيرة الإمبراطورية الأمريكية وهي تمضي في طريق الانحدار.

كان ذلك سنة 413 قبل الميلاد، وكانت أثينا آنذاك إمبراطورية بحرية عظيمة بسطت نفوذها على معظم بحر إيجة، وإن كانت مكانتها قد بدأت تهتز أمام الصعود المستمر لإسبرطة. ويروي بلوتارخ أن رجلًا غريبًا وصل إلى ميناء بيرايوس، وجلس في دكان حلاق يروي أخبارًا عن صقلية البعيدة، وكأنه يتحدث عن أمرٍ معلوم للكافة. فما إن سمع الحلاق حديثه حتى اندفع إلى المدينة ينقل الخبر، فانتشر الذعر بين الناس.

وكان الخبر يتحدث عن أعظم هزيمة عسكرية عرفتها أثينا في تاريخها. فقبل عامين، وفي خضم الحروب البيلوبونيسية، أقنع نيسياس مواطنيه بتوجيه ضربة جريئة إلى إسبرطة، عن طريق مهاجمة حليفتها سيراكيوز في صقلية، أملًا في إنهاك خصمهم، والاستيلاء على موارد جديدة، واستعادة الهيمنة التي أخذت أثينا تفقدها. وكان نيسياس أرستقراطيًا مترددًا، قليل الميل إلى القيادة العسكرية، يعتمد على ثروته الموروثة في استمالة العامة بالمظاهر الباذخة والإنفاق السخي.

لكن الحملة انتهت إلى كارثة كاملة. فقد دُمّر الأسطول الأثيني، الذي ضم نحو مائتي سفينة واثني عشر ألف جندي، وكان ضعف نيسياس في القيادة أحد الأسباب الرئيسية لهذه الهزيمة. أما من بقي من الجنود أحياء، فقد أُسروا، وأودعوا محاجر الحجارة في ظروف قاسية، لا يكاد الطعام فيها يحفظ الحياة، ثم بيعوا عبيدًا. ومنذ تلك الضربة لم تستطع أثينا أن تستعيد قوتها.

ولم تمض سنوات قليلة حتى اضطرت إلى الاستسلام، بعدما أحكمت إسبرطة سيطرتها على الممر البحري الحيوي عند الدردنيل، فسقطت الإمبراطورية الأثينية، وخضعت المدينة لحكم أوليغارشي موالٍ لإسبرطة.

أما الحادثة الثانية فتعود إلى سنة 1578، حين كانت البرتغال مركز إمبراطورية بحرية ثرية، سيطرت عقودًا طويلة على طرق التجارة في المحيط الهندي، قبل أن تواجه منافسة متزايدة من القوى الإسلامية المرتبطة بالإمبراطورية العثمانية.

وكان يحكم البرتغال آنذاك ملك شاب هو سبستيان، عُرف بحدة طبعه وتعصبه، حتى بلغ به الأمر أن رأى نفسه «قائدًا للمسيح». وسيطرت عليه فكرة توجيه ضربة حاسمة إلى العالم الإسلامي، في إطار الصراع الواسع الذي كانت تخوضه بلاده، فأقنع نخبة الأرستقراطية البرتغالية بمرافقته في حملة صليبية متأخرة تعبر البحر إلى المغرب.

وهناك، في معركة القصر الكبير، مُني الجيش البرتغالي بهزيمة ساحقة على يد القوات المغربية. فقُتل نحو ثمانية آلاف جندي، وأُسر خمسة عشر ألفًا، ولم ينج من الجيش إلا نحو مائة رجل.

ولم تقتصر آثار الهزيمة على مقتل الملك وكبار رجاله، بل مهدت أيضًا لضم البرتغال إلى التاج الإسباني طوال ستين عامًا. ومن مظاهر هذا التراجع أن الإدارة البرتغالية في غوا اضطرت إلى بيع تراخيص الملاحة لكل ربان سفينة قادر على دفع ثمنها، بصرف النظر عن دينه، هندوسيًا كان أو مسلمًا أو مسيحيًا. ومع انحسار السيطرة البرتغالية على المحيط الهندي، استعادت التجارة الإسلامية وحركة الحجاج نشاطهما بعد أن زالت القيود التي فرضتها البرتغال.

وصحيح أن الإمبراطورية البرتغالية استمرت ثلاثة قرون أخرى، لكنها لم تستعد قط الهيمنة التجارية التي بلغت بها يومًا السيطرة على الطرق البحرية الممتدة من جزر التوابل في إندونيسيا، عبر المحيط الهندي وجنوب الأطلسي، إلى سواحل البرازيل.

وجدت في هذا المقال ما يستحق التفكير؟ شاركه مع شخص واحد تعتقد أنه سيُقدّره. هذا أكبر دعم يمكنك تقديمه للمحتوى.

Share

وبعد ذلك بعدة قرون نجد مثالًا آخر على مغامرات الإمبراطوريات في مرحلة الانحدار. ففي مطلع عشرينيات القرن العشرين، كانت إسبانيا لا تزال تعاني آثار فقدان إمبراطوريتها، ولا سيما بعد خسارة كوبا وبورتوريكو والفلبين في الحرب الإسبانية الأمريكية سنة 1898، وهي الحرب التي كشفت انتقال مركز القوة العالمية إلى الولايات المتحدة الصاعدة.

ورأى فريق من رجال السياسة والعسكر أن استعادة المكانة لا تكون إلا بتوسيع المشروع الاستعماري. ولذلك سعوا إلى تعويض تلك الخسائر بتوسيع مناطق النفوذ الإسباني في شمال المغرب، وتحويلها إلى محمية تمتد عبر جبال الريف. وكان الملك ألفونسو الثالث عشر، المعروف بولعه بالمظاهر العسكرية، يحيط نفسه بمجموعة من الضباط الذين شاركوه الحلم باستعادة المجد الإمبراطوري عن طريق إخضاع تلك المناطق الوعرة.

وحين اشتدت مقاومة القبائل الأمازيغية للحكم الإسباني، وتحولت إلى حرب الريف سنة 1921، قاد أحد الجنرالات المقربين من الملك قواته إلى معركة أنوال، حيث تكبد الجيش الإسباني هزيمة قاسية قُتل فيها نحو اثني عشر ألف جندي.

لكن هذه الكارثة لم تدفع إسبانيا إلى إعادة النظر في مشروعها الاستعماري، رغم أن تلك المناطق لم تكن ذات قيمة اقتصادية أو استراتيجية تبرر هذا الثمن الباهظ. بل أرسلت إليها نحو 125 ألف جندي إضافي، كان بينهم أفراد الفيلق الأجنبي الإسباني بقيادة فرانسيسكو فرانكو، الذي سيصبح فيما بعد زعيم إسبانيا الفاشية.

واستمرت حملة إخضاع الريف سنوات طويلة، واتسمت بقدر كبير من العنف، كما شهدت إدخال وسائل جديدة إلى ميادين القتال. ففي سبيل تحقيق نصر لا تبرره اعتبارات الاقتصاد أو الاستراتيجية، أنتجت إسبانيا نحو أربعمائة طن من غاز الخردل، واستخدمته في أول قصف جوي بالغاز السام في التاريخ، مستهدفة القرى الأمازيغية. ثم نفذت، في سبتمبر 1925، أول عملية إنزال برمائي ناجحة بالمعنى الحديث، حين أنزلت ثمانية عشر ألف جندي، تدعمهم دبابات خفيفة، في خليج الحسيمة، وتمكنت بعد ذلك من تطويق قوات المقاومة وإلحاق الهزيمة بها.

لكن آثار هذه المغامرة العسكرية المحدودة لم تقتصر على استنزاف إسبانيا في حرب طويلة باهظة التكاليف، مثقلة بالخسائر البشرية وأعمال العنف الجماعي، بل أطلقت كذلك تحولات سياسية تركت بصمتها في تاريخ البلاد. ففي الوقت الذي أخذت فيه الجماهير تعارض تلك الحرب، وتعدها مغامرة عبثية، أيد الملك ألفونسو الجنرال بريمو دي ريفيرا، أحد أقرب رجاله العسكريين إليه، حين فرض حكمًا ديكتاتوريًا استمر عشرة أعوام. ثم أفضى ذلك، بعد سقوطه، إلى قيام الجمهورية الإسبانية الثانية، التي لم تعش طويلًا. وما إن حل عام 1936، بعد نحو عقد من نهاية حرب الريف، حتى نقل الجنرال فرانكو جيشه الإفريقي جوًا من المغرب إلى إسبانيا، لتبدأ الحرب الأهلية التي انتهت بسقوط الجمهورية وقيام نظام فاشي حكم البلاد قرابة أربعين عامًا، اتسمت بالجمود السياسي والركود الاقتصادي.

ويرى كثير من المؤرخين أن عام 1956 يمثل إحدى أكثر اللحظات دلالة على بداية أفول الإمبراطورية البريطانية. فقد كانت لندن لا تزال عاصمة لإمبراطورية واسعة النفوذ، لكن سنوات التراجع الطويل أنهكت قدرتها على الاحتفاظ بذلك الموقع. وفي هذا السياق جاء التدخل العسكري المحدود في قناة السويس، وهو التدخل الذي وصفه أحد الدبلوماسيين البريطانيين لاحقًا بأنه «الاختلاج المحتضر للإمبريالية البريطانية».

وفي يوليو 1956، كما يذكر كتاب الحرب الباردة في خمس قارات، أعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، منهياً بذلك السيطرة البريطانية على هذا الممر الحيوي. وقد لقي هذا القرار ترحيبًا واسعًا في العالم العربي، وعزز مكانة عبد الناصر حتى غدا أحد أبرز زعماء عصره. والمفارقة أن الملاحة البريطانية في القناة لم تكن قد توقفت، ومع ذلك أثار القرار غضب رئيس الوزراء أنطوني إيدن، الأرستقراطي المحافظ الذي ظل ينظر إلى الإمبراطورية بوصفها أساس مكانة بريطانيا الدولية. وكان صعود القومية العربية بقيادة عبد الناصر يمثل، في نظره، تحديًا مباشرًا لهذا التصور. وقد بلغ اضطرابه أثناء الأزمة حدًا جعل عددًا من كبار مسؤولي وزارة الخارجية يعتقدون أن «إيدن قد فقد صوابه».

وحين بلغه نبأ التأميم، وكان لا يزال يعاني آثار مرضه، دعا إلى اجتماع عاجل لمجلس الحرب في الرابعة صباحًا. وكان يصف عبد الناصر بأنه «موسوليني مسلم»، ثم أعلن موقفه بعبارات لا تحتمل التأويل: «أزيحوه، ولا أبالي إن عمت الفوضى والهرج مصر.» ولم يكتف بذلك، بل قال لوزير خارجيته: «ما هذا الكلام عن عزل ناصر أو تحييده كما تسمونه؟» ثم أردف بحدة: «أريده مدمرًا، ألا تفهم؟ أريد أن يُقتل.» وحين أخفقت الاستخبارات البريطانية (MI6) في تنفيذ عدة محاولات لاغتياله، اتفقت الحكومة البريطانية مع فرنسا وإسرائيل على إعداد خطة سرية لغزو منطقة القناة على مرحلتين.

وفي التاسع والعشرين من أكتوبر اجتاح الجيش الإسرائيلي، بقيادة الجنرال موشيه ديان، شبه جزيرة سيناء، فدمر عددًا كبيرًا من الدبابات المصرية، ووصل إلى مسافة عشرة أميال من القناة. واتخذت بريطانيا وفرنسا من هذا الهجوم ذريعة للتدخل العسكري، بحجة الفصل بين الطرفين وإعادة السلام. وخلال ثلاثة أيام فقط تمكن الأسطول البريطاني الفرنسي، الذي ضم ست حاملات طائرات، من القضاء على معظم القوة الجوية المصرية، فدمر 104 طائرات مقاتلة من طراز «ميج» السوفيتي، إضافة إلى 130 طائرة أخرى.

ومع أن الجيش المصري كان قد تعرض لضربة قاسية، فإن عبد الناصر لجأ إلى خطوة بسيطة في ظاهرها، بعيدة الأثر في نتائجها. فقد أمر بإغراق عشرات سفن الشحن القديمة، بعد تحميلها بالصخور، عند المدخل الشمالي للقناة، فأغلق بذلك أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وعطل أحد المسالك الرئيسية لنقل نفط الخليج إلى أوروبا. وهكذا، عندما بدأت اثنان وعشرون ألفًا من القوات البريطانية والفرنسية عملية الإنزال في السادس من نوفمبر، كان الهدف الذي أعلنوا أنهم جاءوا لتحقيقه، وهو ضمان حرية الملاحة في القناة، قد أصبح غير ذي موضوع.

ومع انتهاء هذه المغامرة العسكرية، وجدت بريطانيا نفسها تواجه إدانة من الأمم المتحدة، واضطرت إلى طلب دعم مالي من صندوق النقد الدولي لحماية عملتها من الانهيار. أما الصورة التي ظلت تحيط بها بوصفها قوة إمبراطورية عظمى، فقد تلقت ضربة لم تبرأ منها. ومنذ ذلك الحين دخلت الإمبراطورية البريطانية مرحلة أفولها النهائي. وإذا نظرنا إلى أزمة السويس في سياقها التاريخي، وجدنا أنها لم تكشف فقط عن تراجع القوة البريطانية، بل كشفت أيضًا عن عجز النخبة المحافظة، المثقلة بأوهام التفوق الإمبراطوري والعرقي، عن إدراك طبيعة العالم الجديد أو التكيف معه.

ولعل الثامن والعشرين من فبراير سنة 2026 يصبح، في نظر مؤرخي المستقبل، أحد التواريخ الفاصلة في تاريخ الانحدار الإمبراطوري. ففي واشنطن، عاصمة الدولة التي عُدّت زمناً أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ، بدأت تتكشف ملامح أزمةٍ طالما أُرجئ ظهورها. فقد بسطت الولايات المتحدة نفوذها على معظم أنحاء العالم قرابة ثمانين عاماً، مستندةً إلى شبكة واسعة من التحالفات العسكرية، والتفوق الدبلوماسي، والهيمنة الاقتصادية. لكن هذا البناء أخذ يتصدع تدريجياً مع تصاعد القوة الاقتصادية الصينية، والهزائم التي مُني بها الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان، ثم مع صعود التيارات الشعبوية التي أطلقتها العولمة داخل المجتمع الأمريكي نفسه.

وبعد حملةٍ انتخابية شعبوية رفعت شعار استعادة ازدهار الطبقة العاملة وإحياء المكانة العالمية للولايات المتحدة، عاد دونالد ترامب إلى الرئاسة لولاية ثانية في يناير 2025، معلناً افتتاح «العصر الذهبي لأمريكا»، وبداية «حقبة جديدة من النجاح الوطني». وأكد أن الولايات المتحدة ستستعيد «مكانتها الصحيحة بوصفها أعظم أمة على وجه الأرض، وأقواها وأكثرها احتراماً، بما يبعث الرهبة والإعجاب في نفوس العالم». وكان ترامب، الذي نشأ في بيئة من الثراء والامتياز، قد عاد إلى البيت الأبيض مقتنعاً بما سماه «عبقريته» القيادية، ومؤمناً بأن «الله أنقذني لأجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى».

وسعى الرئيس إلى توظيف القوة الاقتصادية والعسكرية لإخضاع الخصوم والحلفاء معاً لإرادته، مستنداً إلى شعور متضخم برسالته التاريخية. غير أن عامه الأول لم يسر على النحو الذي أراده؛ إذ انتهت معظم مبادراته إلى نتائج معاكسة، كشفت مقدار ما فقدته الولايات المتحدة من نفوذ منذ انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991، حين انفردت بقيادة النظام الدولي.

وفي الثاني من أبريل 2025، فيما سماه «يوم التحرير»، أعلن ترامب حزمةً واسعة من الرسوم الجمركية العقابية، استهدفت أساساً الواردات الصينية لحماية الصناعة الأمريكية. وبدأت الرسوم بنسبة 34%، ثم ارتفعت لاحقاً حتى بلغت 100%. لكن الرئيس الصيني شي جينبينغ نجح، خلال لقائهما في كوريا الجنوبية في أكتوبر 2025، في دفعه إلى التراجع، بعدما قيّد وصول الولايات المتحدة إلى معادن الأرض النادرة التي تحتكر الصين جانباً كبيراً من إنتاجها، وهي مواد ذات أهمية استراتيجية للصناعات المتقدمة.

وفي يناير التالي، وبعد أن فقد مشروع الرسوم الجمركية كثيراً من زخمه، أثار ترامب أزمةً جديدة داخل حلف شمال الأطلسي، حين طالب الدنمارك بالتنازل عن جزيرة غرينلاند، ملوحاً بفرض رسوم جمركية على الحلفاء الأوروبيين إذا رفضوا طلبه. لكن الاعتراض الأوروبي الواسع اضطره، خلال أسبوع واحد، إلى التراجع في قمة دافوس، معلناً رضاه بما وصفه الناتو بأنه «إطار لصفقة مستقبلية».

وعندما حل الثامن والعشرون من فبراير 2026، كانت مبادرته التجارية قد تعثرت، كما أخفقت مناورته المتعلقة بغرينلاند. عندئذ انضم إلى إسرائيل في توجيه ضربة عسكرية لإيران، بدت في ظاهرها حاسمة، لكنها حملت منذ بدايتها سمات ذلك النوع من «الحروب المحدودة» الذي كثيراً ما رافق مراحل أفول الإمبراطوريات.

وفي الأيام الأولى للحرب، أدى القصف الأمريكي والإسرائيلي إلى تصفية عدد من القيادات الإيرانية، وتدمير القسم الأكبر من القوات البحرية، وتعطيل منظومات الدفاع الجوي، حتى بدا أن إيران أصبحت مكشوفة أمام التفوق الجوي الأمريكي. وبعد أسبوع من العمليات، طالب ترامب، في السادس من مارس، إيران بـ«استسلام غير مشروط»، داعياً إياها إلى اختيار «قائد عظيم ومقبول»، واعداً في المقابل بأن الولايات المتحدة «ستعمل بلا كلل لإعادة إيران من حافة الدمار».

غير أن القيادة الإيرانية، على نحو يذكّر بما فعله جمال عبد الناصر في أزمة السويس سنة 1956، قلبت معادلة الحرب بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ففي الأسبوع الأول من القتال استهدفت خمس سفن شحن بطائرات مسيّرة، فتعطلت حركة ناقلات النفط عملياً. وأدى ذلك إلى اضطراب إمدادات النفط والغاز والأسمدة، ودخول الاقتصاد العالمي في أزمة طاقة غير مسبوقة. وبحلول نهاية مارس، أصبحت إيران تفرض «رسوماً» على السفن التجارية مقابل السماح لها بالعبور.

وحين فوجئ ترامب بإغلاق المضيق، رغم أن هذا الاحتمال كان مطروحاً منذ البداية، نشر في الخامس من أبريل، الموافق لعيد الفصح، رسالةً على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيها: «سيكون يوم الثلاثاء يوم محطات الطاقة ويوم الجسور، ملفوفين معًا في يوم واحد، في إيران. ولن يكون هناك شيء يشبهه!!!» ثم أضاف: «افتحوا المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين، وإلا فستعيشون في الجحيم — فقط راقبوا. سبحان الله.» وبعد يومين صعّد تهديداته، معلناً أنه إذا لم يُفتح المضيق فسوف يشن هجوماً على البنية التحتية المدنية الإيرانية من الشدة بحيث «تموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبداً».

ثم انهارت المفاوضات التي عُقدت في إسلام آباد يوم 12 أبريل، فازداد انخراط الإدارة الأمريكية في الصراع. وأصدر ترامب أوامره إلى البحرية الأمريكية بأن «تبدأ عملية محاصرة لجميع السفن التي تحاول دخول مضيق هرمز أو مغادرته»، وأن «تعترض كل سفينة في المياه الدولية دفعت رسماً لإيران». ثم ختم تصريحه بعبارته المعتادة: «نحن في كامل الجاهزية والاستعداد، وسوف ينهي جيشنا ما تبقى القليل من إيران!»

غير أن النتيجة النهائية، سواء انتهت الحرب بتدمير واسع للبنية التحتية الإيرانية أو باتفاقٍ يحفظ ماء الوجه، لن تغير حقيقة أساسية، هي أن واشنطن، وفق هذا التصور، تكون قد خسرت الحرب سياسياً واستراتيجياً. فإيران، شأن كثير من القوى الأضعف في الحروب غير المتكافئة، كانت مستعدة لتحمل خسائر جسيمة مقابل إلحاق ضرر لا تستطيع القوة المهيمنة احتماله. وسوف تنفد، مع مرور الوقت، الأهداف العسكرية ذات القيمة داخل إيران، بينما يبقى أمامها مجال واسع لاستهداف البنية النفطية المكشوفة على الساحل الجنوبي للخليج العربي بطائرات مسيّرة زهيدة الكلفة.

وكما دفعت بريطانيا ثمن مغامرتها العسكرية في السويس سنة 1956، يرجح أن تدفع واشنطن أيضاً ثمناً باهظاً لـ«عسكريتها الجزئية» في مضيق هرمز. فقد امتنع أقرب حلفائها، الذين شكّلوا طوال ثمانية عقود ركناً أساسياً في نفوذها العالمي، عن المشاركة في الحرب، الأمر الذي دفع ترامب إلى وصفهم بأنهم «جبناء». كما قوبلت تهديداته العلنية باستهداف المدنيين وتدمير الحضارة بإدانات واسعة من قادة العالم، بوصفها تنطوي على الدعوة إلى أفعال تُعد من جرائم الحرب.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه واشنطن بحرب تهدد أحد أهم المراكز الحيوية للاقتصاد العالمي، فإنها، بحسب هذا التحليل، تبدو عاملاً متزايد الخطورة في زعزعة الاستقرار الاقتصادي الدولي، وهو ما يمنح الصين صورة القوة الأكثر قدرة على توفير الاستقرار. كذلك، وعلى الرغم من التفوق التكتيكي الذي أظهره الجيش الأمريكي في تدمير الأهداف العسكرية، فإنه أخفق في تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة.

ومع تراجع تحالفاتها، وانحسار نفوذها الدولي، وتآكل هيبتها العسكرية، تبدو الولايات المتحدة، في هذا التصور، سائرة في الطريق نفسه الذي سلكته قوى إمبراطورية سبقتها. فإذا انتهت مغامرة ترامب العسكرية المحدودة في مضيق هرمز إلى الفشل، فإنها لن تكون سوى حلقة جديدة تُسرّع تراجع الهيمنة الأمريكية، وتمهد لانتقال العالم إلى نظام دولي جديد لم تتحدد ملامحه بعد.

مترجم من tomdispatch

أخذت شيئاً من هنا؟

فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.

أريد الدعم INSTAPAY

أريد الدعم PAYPAL

تواصل معي

Read the original on ahmedkanoreadings.substack.com

Comments

Nothing yet. Say the first thing.

    Sign in to join the conversation.