صورة الإمام الخميني ساعة وصوله إلى طهران عقب انتصار الثورة وهروب الشاه…
***
تشيع صورة شديدة التشوه للإمام الخميني (الفقيه والسياسي الإيراني الفذ)، حتى هيمنت على أذهان العرب هيمنة تامَّة؛ كأنها حق! وذلك لأنها تستمدُّ أهم عناصرها -في الأساس- من بقايا دعاية الشاه المقبور التي أراد بها تشويه صورة الفقيه المسن؛ لأنه تصدَّى له وزلزل عرشه. وقد تلقَّف خصوم الثورة من “العرب” ديباجات الشاه الدعائيَّة، ولاكوها بخبث؛ لتصنع حجابًا من البهتان لا يمت للواقع بصلة. إذ لما كان نقدهم لـ”فلسفته السياسية”، أو دواعي خروجه على الشاه؛ أمرًا مُتعذرًا، سواء على الشاه أو أذياله من العرب؛ فقد راحوا جميعًا يصبون دعاياتهم السلبيَّة على شخص الرجل وخُلقه، إضافة إلى وصم حركته بالطائفيَّة؛ مما يُيسر تصويرها بأنها ليست مُجرَّد حركة “غير ملائمة” للأغلبيَّة السنية فحسب، وإنما حركة شريرة!
وقد كان إدراك الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو لحقيقة الصراع -آنذاك- كاشفًا، إذ يُقرر أن “الوضع في إيران عالِقٌ في مُنازلة كبرى بين شخصيتين، تعكسان شعارين تقليديين؛ هما: الملك والقديس الورِع، أو الحاكم المسلَّح والمنفي الأعزل، أو الطاغية الذي يواجهه رجلًا بلا سلاح؛ يحظى بحفاوة الشعب على بكرة أبيه”.1 بل وأدرك بعض أسباب قوة الإمام ولخَّصها في كونه “نقطة ارتكاز للإرادة الجماعيَّة”، وأن حركته تلك غايتها “التخلُّص من الهيمنة الخارجيَّة ومن السياسة الداخليَّة في آن”، وهذا هو سبب الهالة الأسطوريَّة التي اكتسبها شخصه، وتبلور عليها دوره؛ “فلا يُمكن لأي رئيس دولة، أو زعيم سياسي؛ أن يدَّعي بأنه يحظى بمثل هذا التعلُّق الكثيف بشخصه، حتى إن حظي بدعم جميع وسائل الإعلام في بلاده”. وهي صلة عميقة حصر فوكو مصدرها في ثلاثة أمور: غياب الإمام في المنفى، ورفضه العودة إلا بعد مغادرة الشاه. ثم كونه لا يقول شيئًا سوى كلمة: “لا”؛ للشاه وللنظام وللتبعيَّة. وأخيرًا أنه ليس رجل سياسة، وعليه؛ فلن يكون ثمة “حزب خميني” أو “حكومة خمينيَّة”.2
ولم يكن من المستغرب إذن أن تلوك بروباغاندا الأنظمة العربية مقلوب هذا كله كأنه الواقع، بل وأن تُسمي حركته وثورته ودولته بالخمينية، رغبة منها في إضفاء أبعاد تخرج بها عن مقصودها، وتصرف عنها جماهير المسلمين. بيد أن أسوأ ما في هذه الدعاية كلها، كان هو النيل من شخص الرجل بالبهتان؛ حتى ينفر المتلقي من سيرته بإطلاق، ولا يعود ثمة مجال حتى لطرح ما يقوله أو يفعله على بساط البحث والجدل، والأخذ والرد. وهو ما يُسمَّى في تقاليد البروباغاندا بـ”الشيطَنَة”؛ أي تحويل الشخص (أو الجهة) إلى شيطان، مرفوض شكلًا وموضوعًا؛ وهو ما يُيسر كذلك استئصال شأفته بغير أدنى تأنيبٍ للضمير.
***
ولما كانت الصورة المضلِّلة للبروباغاندا المضادة لا تُفسر شعبيَّة الإمام، ولا الهالة الأسطوريَّة التي تبلورت حوله أو التعلق العجيب لجماهير ذلك الجيل به؛ فقد لزم علينا البحث عن صورة ذات مقدرة تفسيرية أفضل، أو حتى عن تفاصيل فعليَّة موثقة قد تُعزز الصورة الخبيثة التي تلوكها البروباغاندا دون عزوٍ.
وقد وجدنا أن ثمَّة صورة مُختلفة كُليًّا للرجل، فكأنها لإنسان آخر؛ ويُمكن للقارئ الجاد وللباحث عن الحقيقة أن يبلغها، وذلك ببعض التأني والتدقيق، والتنقيب عن المصادر الأوليَّة على نُدرتها في المكتبة العربية. هذه الصورة الشخصيَّة -شديدة الحميميَّة- يُمكن بطبيعة الحال الوقوف عليها في مصادر جد نادرة، بعكس ما تُصوره البروباغاندا؛ التي توحي بأن فقيهًا مُسلمًا تصدَّر للعمل العام ولمعالجة الواقع السياسي، ولا يُبالي مع ذلك بما يفعله في حياته الشخصيَّة، ودع عنك أن تكون حياته مُبتذلة أصلًا، أو تحفل بما يؤاخذ عليه ويشوش رسالته. وقد وفِّقنا إلى بعض المصادر النادرة في محاولة تكوين صورة للإمام الخميني، لكن لعلَّ أكثرها حميميَّة هي مذكرات الدكتورة فاطمة طباطبائي زوجة ابنه (السيد أحمد الخميني رحمهما الله)،3 والتي تعرَّفت إلى الإمام حين تزوَّجت ابنه الأصغر، إبَّان فترة النفى في مدينة النجف، بالعراق.
وقد كان انطباع السيدة فاطمة عن أبي زوجها انعكاسًا للقاء الأول مع الإمام، والذي تصفه بأنه كان لقاءًا مُدهشًا. كان زوجها قد أعدَّها لما ستلقاه، لدرجة أنها كانت تستعيد طوال الطريق (إلى منزل الإمام في النجف)كلام زوجها عن أبيه (ص 259): إنه يرفع دينه فوق الخلق جميعًا، ويُرجحه على كل شيءٍ، حتى أهله. وقد ترسَّخ هذا الانطباع عمليًّا في اليوم الأول، في نفس يوم وصولهما؛ إذ بينما كانوا مُنشغلين بالحديث، قام الرجل المسن من مكانه، واستأذن لقضاء بعض شؤونه (وكان الوقت منتصف الليل)؛ فلما سألت زوجها أخبرها أن هذا أوان قيامه لصلاة الليل. وإذا كانت العروس الصغيرة -آنذاك- قد حسبت أن الرجل سيمكث معهم وقتًًا أطول، ليستأنس بهم بعد غيبة، وخصوصًا أن الصلاة نافلة (ص 261)؛ فإن فعله قد ضرب أول فرشاة في صورة الشخص شديد الانضباط، حتى في مواعيد تناول الطعام البسيط الذي يقتات عليه. وسوف تزيد الأيام هذا الانطباع رسوخًا في نفسها، كما تكشف مذكراتها في مواضع لاحقة. ومنها عند روايتها لمدى استمتاعها بالاستماع إلى خواطر الإمام وذكرياته هو وزوجته. إذ كان يَقُصُّ عليهم طرفًا منها لربع ساعة في كل ليلة. وفي بعض الأحيان، يَصِل قصهُ إلى نقاط مفصليَّة حساسة، إلا أنه ينظر في ساعته، وما أن تنتهي الربع ساعة المخصصة؛ حتى يُعلن حلول موعد النوم. وفي إحدى المرات، وبعد أن ألِفَت الحياة بينهم؛ حاولت زوجة ابنه أن تُقنعه بإطالة الوقت، قائلة إنه لم يتعب بعد ولم يُصبه النعاس، وحتى إن ذهب لفراشه؛ فلن يستطيع النوم بسبب انشغال ذهنه. ومن ثم، فلا بأس بمواصلة السمر معهم؛ فقال لها: يا ابنتي، متى أردت الامتناع عن التفكير بشيء؛ فلن أفكر فيه. لتُعلق السيدة فاطمة أنها لم تُدرك حينها عمق الجملة، ولم تدرك إلا بعدها بزمن؛ كيف يمكن لإنسان أن يتحكم في قواه العقليَّة والجسمانيَّة إلى هذا الحد. لقد تكشَّف لها أبي زوجها منذ الأيام الأولى؛ فوجدت شخصيَّته صلبة، عابدًا زاهدًا، ومُتخلِّقًا بأخلاق الشريعة، ومُنظمًا نظيفًا على الدوام، وخجولًا قليل الكلام، والأهم أنه تصعُب مجاملته وخداعه، أو سبر أغواره (ص 268). فكان يرفُض تلقيبه بألقاب فخمة، وحينما طبعت بعض كتبه بعد الثورة، وهي تحمل ألقاب تفخيم تسبق اسمه؛ منع تداولها قبل إزالة الألقاب، وفعل ذلك على نفقته!
وحتى مقارنةً بالبيئة المتدينة -نوعًا ما- لسكان العتبات الشيعيَّة، وبالبيئة العلمائيَّة المتدينة التي تحدَّرت منها المؤلفة؛ فقد وجدت أن الإمام يحمل نفسه على العزائم أبدًا، فلم يكن شديد الالتزام بالفروض والواجبات الشرعيَّة فحسب؛ وإنما ألزم نفسه بالمستحبَّات، ونأى بها عن كل مكروه في الشرع. فقد يعمد مثلًا إلى حوض مرتفع في إحدى زوايا البيت للوضوء، رغم ما في ذلك من مشقة مع كبر سنه؛ لكنه كان يُصر حتى يبقى مُستقبلًا القبلة عند وضوءه (ص 270)، ثم تراهُ يُخلي المكان الذي يُصلي فيه من الصور وأمثالها، ويتمشَّط ويتعطَّر قبل الصلاة (ص273). وكانت نافلة الضحى عنده ثماني ركعات بين الشروق والظهر، وتصل أيام الجمعة إلى عشرين ركعة؛ يؤديها مُتفرقة موزَّعة بين أعماله الصباحيَّة (ص 275). وقد كان جدول أعماله اليومي -شديد الانضباط- ينبني على مواعيد الصلاة؛ فمثلًا تجده يخرج قبل صلاة الظهر بساعتين لإلقاء درس الفقه، وبعد استراحة قصيرة يعود إلى المسجد لصلاتي الظهر والعصر جماعة (ص 287)، ثم يتناول الشاي بعد العصر، وبعد صلاة العشاء يعود إلى المنزل، ويقضي فترة في التأمل ثم يشرع بالمطالعة. وقد اعتاد -آنذاك- زيارة ضريح الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- كل ليلة في موعد معين، قبل تناول وجبة العشاء. ثم إنه يستيقظ قبل الفجر بساعتين، لمواصلة صلاة الليل (ص 274).
ولم يكُن هذا البأس، وهذه المقدرة الانضباطيَّة الذاتيَّة؛ إلا توفيقًا إلهيًّا جُعِلَ بعض سببه حجم الأدعية والأذكار اليوميَّة المنتظمة. هذا الحجم الاعتيادي الضخم من الأذكار والأدعية، كان يزداد تدريجيًّا في شهري رجب وشعبان، ثم يتضاعف في رمضان المبارك، رغم شدَّة حرارة الجو في النجف (ص 275)، ويُضاف إلى جدوله في رمضان الاغتسال عند غروب الليالي الفردية؛ تمهيدًا لقيام ليله. ولأنه كان يرى أن الانضباط والنظام هما سر الفلاح؛ فقد امتدَّ هذا الانضباط الذاتي إلى كل أركان حياته. إذ كانت ملابسه نظيفة مُهندمة مُرتَّبة على الدوام، وهو يقلم أظافره وشعره ولحيته أسبوعيًّا قبل غُسل الجمعة، ويضع نعليه في مكان خصَّصه لهما، ويُغطيهما بمنديل ليقيهما الأتربة؛ ثم يمسحهما بذات المنديل عند الخروج، ولا يسمح لأحد بذلك عنه (ص 273). وقد كان حريصًا على رياضة المشي ثلاث مرات يوميًّا، نصف ساعة في كل مرة، وينشغل أثناء ذلك بالذكر والدعاء (ص 274). ولا غرو، إذ كان يؤمن أن أعمال الإنسان الاجتماعيَّة والعباديَّة؛ يتجلى معناها الحقيقي إذ تحمل الإنسان إلى التوحيد. وإذا كان الإنسان يستشعِر طعم التوحيد في صلاته، ويقترِب بسجوده من الله تعالى؛ فإن هذا ما ينبغي أن يكون عليه حاله في تجارته وسياسته وحاله كله.
ولم تكُن علاقته بأهله إلا استمرارًا لنمط شخصيته؛ فتروي السيدة فاطمة أنه كان شديد الاهتمام بالحالة الروحيَّة والنفسيَّة لأهله، وفوق شدة تأدُّبه مع زوجة ابنه، فإنه كان شديد الأدب مع زوجه؛ فلا يناديها إلا بلقب: السيدة (خانُم)، ومن شدة حبه لها أنه لا يُطيق تناول الطعام بغير حضورها (ص268، 269). تُقرر السيدة فاطمة أن: “حضور المولى سبحانه وتعالى كان واضحًا مؤثرًُا في حياته تأثيرًا جليًّا، حتى لقد شعرتُ أن رضا الله هو العامل الوحيد الذي يُحركه ويترك أثره على جميع أعماله، بل ويُشكل سلوكه وطريقة تعامله مع اﻵخرين. وقد كانت شخصيته تجمع الغضب والمحبة والنشاط والحزن والسكون في آن معًا”؛ (ص 275). وتُضيف: وقد لمست في معرفتي بالإمام كيف يُمكن أن يصير الإنسان محبوبًا بطاعته لله وإخلاصه له. إذ لم يكن الإمام يسعى لتحصيل مكانة في قلوب الناس، لكنَّ كل من عامله انجذب إليه وأحبه وتعلَّق بشخصه. وعلى رأسهم أهل بيته وطلابه... إذ يتسابقون لإنجاز أي شيء يخصه (ص 276-277).
***
هذه الصورة يُرسخها أستاذنا البروفسور حامد الگار، وإن كان يحمِلُ فيها تفاصيل هذا السلوك الشخصي المنضبط إلى المجال السياسي، محاولًًا قراءة سلوك الإمام وتصرُّفاته السياسية، عبر تكوينه الشخصي وتركيبته الإنسانية.4 وهو انطباعٌٌ من أوائل ما ذاع عن الإمام (مثل مقالات فوكو الإيرانية)، إذ كان محتوى محاضرة شهيرة من المحاضرات التي ألقاها الگار في بريطانيا بعد انتصار الثورة بأقل من ستة أشهر.
ولعلَّ أهم مفاتيح الصورة التي يرسمها الگار؛ هي عَدُّه الإمام الخميني استمرارًا للتقاليد العلمائية والثقافيَّة الإيرانية والشيعيَّة، وليس شذوذًا عنها. صحيح أن ثمة عناصر حداثية قد تركت -بطبيعة الحال- تمغتها في فكره وأثرها على حركته، بيد أنه يظلُّ استمرارًا مُخلصًا لهذه التقاليد إلى حدٍّ كبير.5
وعليه، يؤكد حامد الگار أن الثورة الإسلامية في إيران، تختلف عن غيرها من أحداث القرن العشرين التي توصَفُ بكونها ثورات؛ “بأنها عميقة التجذُّر في التاريخ. فهي أبعد ما تكون عن القطيعة الراديكالية مع التطورات الجوهريَّة والمعقَّدة التي مرَّ بها الشعب الإيراني، بل هي على العكس؛ استمرارٌ وإثمارٌ لأعوامٍ طويلة من التطور السياسي والروحي والفكري”. وهذا دقيقٌ من أكثر الوجوه. بل إن الإمام الخميني نفسه كان هو القامة التي جسَّدت أوج التقليد العلمائي في جُملته، والذي بدأ بانتصار التيار الأصولي، ثم ترسيخ نفوذ العلماء عبر فتوى التبغ إبَّان العقد الأخير من القرن التاسع عشر، ثم إعادة إحياء الشيخ عبد الكريم حائري لحوزة قُم إبَّان عشرينيات القرن العشرين، ويليه ترسيخ آية الله بروجردي لمؤسسية الحوزة وبناءه لشبكتها الاجتماعيَّة لتغطي إيران تغطية شبه كاملة، وذلك قبل أن يبرُز شخص الإمام الخميني تتويجًا لهذا كله، وتوظيفًا للمقدرات التي راكمها أسلافه بُناة التقليد وحُراسه؛ فبرز شخص الإمام علانية للمرة الأولى على مسرح الأحداث الإيراني في عام 1962م.
يُقرر الگار “أن إحدى الحقائق اللافتة عن الإمام الخميني هي أن دوره السياسي في قيادة الثورة، الذي لا نظير له في التاريخ الحديث؛ قد حجب خلفه بالكليَّة إنجازه كعالمٍ وفيلسوف وعارف إلهي. إذ تعتبِرُ العقلية المسلمة الحداثية الفلسفة والعرفان -في أكثر الأحيان- انسحابًا من الواقع واعتزالًا كاملًا لأي لون من الأدوار الاجتماعية والسياسية، كما لو كانت محض موضوعات نظريَّة مُجرَّدة، ما من صلة حقيقيَّة بينها وبين الإشكالات المشهودة للمسلمين والعالم الإسلامي. بيد أن الإمام الخميني كان دليلًا حيًّا على أن مجالي الفلسفة والعرفان، إذا أحسِنَ تصورهما وتحصيلهما... يصيران الدعامة الأساسية لصيغة من الحركة تحدوها بصيرة واضحة، لا تقتصر على حدود السياسي والاستراتيجي؛ بل هي في الوقت نفسه رؤية دقيقة ميتافيزيقيًّا وسليمة الوجهة”. وقد عبَّرت السيدة فاطمة طباطبائي عن مدى ترسُّخ قناعة الباحثين الجادين بأثر العرفان في الفكر السياسي للإمام، حين أتمَّت رسالتها للدكتوراه؛ التي تتناول أثر التصورات العرفانية للشيخ الأكبر (محيي الدين بن عربي) في تشكيل الفكر السياسي للإمام.
فقد كان العرفان تحديدًا هو ما صنع الإمام الخميني فعليًّا. فهذا الانضباط الشخصي الصارم، والتزكيَّة المطردة للنفس تقوى لله؛ هي التي شكَّلت هذا البأس العجيب. يُبين البروفسور الگار: “أن الخصال الأخلاقيَّة والروحية، التي تعهَّدها الإمام الخميني في نفسه؛ هي تحديدًا التي صنعت ما هو عليه... تجسيدٌ كاملٌ للمثال الإنساني للإسلام... فهو قائد ثوري لا يسكُن جناحًا وثيرًا، بل ينزِلُ في محلٍّ شديد البساطة، ويقضي لياليه في الصلاة والذكر، ويتكوَّن زاده اليومي من أبسط الأطعمة وأشدَّها بدائية”. ثم يُضيف: “وترجع الشُهرة المبكرة للإمام، في الحوزة العلمية بقُم؛ تحديدًا إلى كونه شارحًا للفلسفة والعرفان [وأشهر الكتب العرفانيَّة التي درسها الإمام على آية الله شاه آبادي، ثم شرحها هو لاحقًا: فصوص الحكم لابن عربي، ومنازل السائرين للأنصاري الهروي، ومفاتيح الغيب للقونوي]. إذ ألقى عددًا من المحاضرات ذات الجماهيرية الكثيفة في بعض النصوص التأسيسية للفلسفة الإسلامية؛ مظهرًا فصاحة عظيمة، وأسلوبًا مؤثرًا. كما دوَّن في تلك الحقبة عددًا من النصوص، بعضها متون وبعضها حواشٍ على نصوص، وإن ظلَّت في مُعظمها غير منشورة. وكذلك ألَّف عددًا كبيرًا من الكتب في الفقه، حتى اعتُبِرَ حُجةً في الباب. ولو قُدِّرَ لمؤهلاته التوقُّف عند هذه المواطن التقليدية نسبيًّا، الفقه من جهة والفلسفة والعرفان من الجهة الأخرى؛ لولج بلا شك التاريخ الروحي الإيراني كقامة جليلة. لكنَّه رغم كونه -من عدَّة جوانب- يُمثِّلُ أوج تقليد وخلوده، فهو يقطع كذلك بصرامة مع التقليد [السكوني] للمؤسسة العلمائية، وذلك من خلال تنميته لاهتمامات سياسية [وحركية] راديكالية منذ طورٍ جد مُبكر”.
بيد أن هذه الاهتمامات السياسيَّة التي تنبني على رؤية ميتافيزيقيَّة واضحة، ليست اهتمامات ماديَّة آنية كما هو ديدن السياسيين الحداثيين؛ بل اهتمام من يُدرك خطورة المجال السياسي على الحياة الإنسانيَّة للمؤمن، لكنه لا يُقدسه، ولا يسعى لتحصيل النفع منه بأي ثمن؛ خصوصًا إن كان ذلك على حساب دينه، ورؤيته للسياسة بوصفها خادمًا لهذا الدين، لا العكس. يروي أستاذنا الگار نقلًا عن بعض من يعرف: “وقد سأله أحد معارفي الإيرانيين، الذي سافر إلى پاريس خصيصًا لزيارة الإمام [قبيل انتصار الثورة مباشرة]؛ فقال له: هل ترى حصافة في مسارنا الحالي؟ وماذا سيحدُث إذا ظل الجيش يذبح الجماهير؟! ألن تُرهَق الجماهير إن عاجلًا أو آجلًا وتُحبَط؟ فأجاب الإمام ببساطة شديدة: إن واجبنا هو الجهاد على هذه الطريقة، وإنما توكَل النتائج إلى الله...”. يُعلِّق الگار: “هذا الرفض للتفكُّر في الحسابات الدقيقة، للاستراتيجية السياسية المألوفة؛ هو الذي يُمثِّلُ أعلى صور الاستراتيجية الثورية في السياق الإسلامي”.
ولهذا كان جليًّا لكل من خالط الإمام الخميني وعرفه عن قُرب، أنه قد تمكَّن من أداء هذا الدور شبه المُعجِز، والذي لا نظير له؛ من خلال خصاله الروحيَّة ومؤهلاته الأخلاقيَّّة. يُقرر البروفسور الگار إن: “أحد الأمور اللافتة أنه في مسار الثورة، شرع غير الملتزمين التزامًا خاصًا تجاه الإسلام... بإعادة اكتشافه، والتزموا به -في الوقت نفسه- بوصفه قوة ثورية، وذلك من خلال شهودهم فضائل الإمام الخميني الأخلاقية والروحية البارِزة للعيان. فقد كان جليًّا أنه رجلٌ لم يعنَ بحال بتحصيل منفعة شخصيَّة أو طائفيَّة، وإنما مثَّل أعمق تطلُّعات الشعب الإيراني”.
وقد يبدو لكثيرين أن ثمة مُفارقةٌ صارخة في كون الرجل الذي تعرَّى من المطامِع الدنيويَّة إلى هذا الحد، هو نفسه الذي “نجح” نجاحًا كاسحًا على الصعيد الدنيوي. لكنَّ الإسلام يُعلمنا أنها ليست بمفارقة على الإطلاق. إذ أن هجر النفس لكافة صنوف التعلُّق بهذا العالم (أي تخلية القلب من الدنيا)، يجعل الإنسان شديد الفعالية والنشاط في عين هذا العالم (أي يجعله يملك الدنيا دون أن تملكه هي). وهذا ما عناه سيدي الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، صلى الله عليه وآله وسلم، فيما رواه الترمذي، من حديث أنس بن مالك: “من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ، وجمعَ لَه شملَهُ، وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ“. رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف.
1- راجع: ميشيل فوكو، المقالات الإيرانية (تنوير للنشر والإعلام، 2020م)، ص 51.
2- المصدر السابق، ص 81-82.
3- راجع: فاطمة طباطبائي، ذكرياتي (دار المؤرخ العربي، 2014م). وكل ما سننقله عن السيدة يُعزى إلى هذا الكتاب.
4- راجع: حامد الگار، جذور الثورة الإسلامية في إيران (مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2021م)، المحاضرة الثانية، ص 63 وما بعدها.
5- للمزيد حول هذه التقاليد واختلافها عن التقاليد السنيَّة؛ راجع: حميد عنايت، الفكر السياسي الإسلامي الحديث (تنوير للنشر والإعلام، 2021م)، وخصوصًا مدخلنا المعنوَن: “ماذا فعلت بنا الحداثة”، والفصل الخامس من الكتاب: “مظاهر التجديد الشيعي”.
No posts

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.