لعل من الجوانب المحوريَّة، وغير المطروقة بعد في دراسة تاريخنا الحديث: قياس حجم التزييف الذي ارتكبهُ القوميَّون وأذنابهم، بأطيافهم وتنويعاتهم؛ في كتابة تاريخ هذه الأمة المنكودة. وهي السرديَّات التي تلقَّفتها لاحقًا أطياف الإسلاميين والعلمانيين -سواءً بسواء- بجهل شديد لا يخلو من غرض؛ فسعى كل فريقٍ منهم لإعادة تسكينها -بقضها وقضيضها- داخل أيديولوجيته.
وربما كان من أكثر هذه التُرهات ذيوعًا، وأوسعها انتشارًا وقبولًا -إبَّان العقود الأخيرة- هي ما تعلَّق بإيران وتاريخها الديني والسياسي، وبالتشيُّع في عمومه. وهو الانتشار الذي ساهم فيه انتصار الثورة الإسلاميَّة في إيران، وما أفضى إليه من تحالُف حكام الخليج مع الأمريكان، وتمويلهم شديد السخاء؛ لإيقاف ما سُمي إعلاميًّا آنذاك بـ”تصدير الثورة”، والذي عُدَّّ تهديدًا صريحًا للاستقرار السياسي لأنظمة “حراس النفط”. ثم لعبت دعاية البعث العراقي مُدَّة الدور الأهم في ذلك، خصوصًا إبَّان عدوان صدام على إيران طوال ثمانينيات القرن العشرين، جنبًا إلى جانب النشاط الهدَّام لترسانة الإسلاميين الإعلاميَّة، والتي موَّلها السعوديون بالأساس!
وإذا كانت جمهرة الفرق والأيديولوجيَّات “السُنيَّة” اليوم تبعٌ للسلفيَّة الوهابيَّة -المهيمنة كليًّا على الفضاء الثقافي والبحثي والاصطلاحي العربي، منذ قرابة نصف قرن- في توصيف التشيُّع بأنه: زندقة فارسيَّة، أو “دينٌ جديد” اخترعه عرقٌ فارسي موهوم؛ فإن جمهرة الأيديولوجيات العلمانيَّة، تنزع القشرة الدينيَّة الهشَّة التي يتدثَّر بها الإسلاميون، مُكتفية بالإطار القومي-العرقي، الذي صيغت فيه تلك المقولات الاختزاليَّة الأوليَّة؛ ليصير التشيُّع عندها -من ثمَّ- دهاءً فارسيًّا أو مكرًا فارسيًّا، أو مؤامرة فارسيَّة على “أمجاد” العروبة المنكودة بأهلها!
وسنُخصص سلسلة المقالات هذه، لتسليط الضوء -سريعًا- على مدى ابتذال بعض المقولات المهمة للسردية الأسطوريَّة “العربية” الحديثة عن إيران وفارسيَّتها، والتشيُّع وهويَّته، وطبيعته وتطوره؛ مُحطمين إياها في عُجالة تُناسِب ضيق المقام، وذلك حتى يتسنى لنا الإفاضة في ذلك في موضع آخر إن شاء الله.
***
لعل من الأمور القليلة، التي أجمع عليها المؤرخون الجادون (في كل عصر، ومن كل ملَّة)، في تاريخ الإسلام الديني هي: عروبة التشيُّع. بل إن هؤلاء الذين اختلفوا في تاريخ ظهوره المبكر، وسياقه؛ لم يسعهم إلا الإقرار بأنه نشأ وتطور في محضن عربي خالص، طوال نحو عشرة قرون؛ سبقت وصول الصفويين إلى سُدَّة الحكم في إيران، مطلع القرن السادس عشر الميلادي. بل ولم تعرف إيران التشيُّع إلا في مرحلة مُتأخرة نسبيًّا من إسلامها، وذلك عن طريق الأشعريين القُميين -لا الأشاعرة- وهم عربٌ أقحاحٌ من قحطان، ولد زيد بن كهلان؛ الذين وفدوا إلى إيران قادمين من الكوفة. وقد قصَّ ياقوت الحموي -في مُعجم بُلدانه- قصَّة تأسيس مدينة قُم على يد الأشعريين، وأنها أول مدينة عربيَّة صرفة، وأول مدينة شيعيَّة صرفة؛ فليس فيها سُني واحد! وبذلك، يتجلَّى أن جمهرة “الإيرانيين” الذين دخلوا في دين الله أفواجًا، مع الفتح الميمون؛ إنما أسلموا على صور مختلفة من التسنُّن، ثم غلب عليها التصوف تدريجيًّا؛ قبل أن يأخذ في الامتزاج بالتشيُّع فيما تلا الغزو المغولي. وهي البوتقة عينها التي تشكَّل فيها المذهب الشافعي كما نعرفه اليوم، في تزاوجه بالاعتقاد الأشعري، والتصوف السُّني. إذ لم يتبلور المذهب على صورته هذه في الشام ولا في مصر، وإنما في نيشابور؛ أهم مدن إيران وزهرة حواضر الإسلام قبل الغزو المغولي.
لقد حطَّمت كارثة الغزو المغولي بُلدان المشرق الإسلامي تحطيمًا، وأسهمت بالتالي في خلق حالة من السيولة الدينيَّة والمذهبيَّة، خصوصًا زمان الإلخانيين والتيموريين. ورغم استعمال الصفويين الموثَّق للحديد والنار لاحقًا، في محاولة فرض التشيُّع على إيران؛ إلا أن هذا ليس هو السبب الحقيقي لـ”تحول” القطاع الأكبر من الإيرانيين السنَّة عن مذهبهم. ولم يكن القهر سببًا أبدًا في تحول أي إنسان عن مذهبه، أو دينه أو مُعتقده، إذ على العكس تمامًا؛ يؤدي القهر والاضطهاد غالبًا إلى العض على المذهب والديانة وإنعاش المعتقد في النفوس، خصوصًا في نطاق الإسلام. لكن يُعَدُّ أهم أسباب التحول الديني/ المذهبي؛ هو: استعداد الشخص/ المجتمع نفسه لذلك، خصوصًا عَقِب تحطُّم الملاذات الروحيَّة والبنى المذهبيَّة والمؤسسات الدينية القديمة -في الواقع أو في النفس، أو فيهما معًا- وتمكُّن الشعور بخذلان تلك البنى المنهارة من المتدين، مما يُفضي به إلى حالة سيولة دينية/ مذهبيَّة/ اعتقاديَّة؛ تؤهله للتحول إلى مُعتقد جديد، يُلبي احتياجاته في المرحلة الجديدة. وهو ما لم يكُن هاهُنا معتقدًا غريبًا، خصوصًا إذا كانت خيوطه قد تشابكت أصلًا بنسيج المعتقد القديم؛ في طريقها لإزاحته بحيويتها الاجتماعيَّة ومقدرتها على التجدُّد الواعد -نظريًّا وحركيًّا- بغير خبرات مؤلمة.
وإذا كان التشيُّع -في إيران- قد ارتبط خطأ بالصفويين، بوصفهم أول دولة تُحكم قبضتها على كامل مساحة ما يمكن اعتباره “فارس التاريخيَّة”، وتتخذ التشيُّع “مذهبًا رسميًّا” لها، وإن لم يكونوا أول دولة شيعيَّة في إيران بعد الغزو المغولي؛ فإن السمات الجديدة التي اكتسبها التشيُّع تحت الحكم الصفوي، تجعل مقدرة التسمية التي سكَّها علي شريعتي (التشيُّع الصفوي) أكثر تفسيريَّة لفهم طبيعة المنتج، وإن كانت هي الأخرى إشكاليَّة لأسباب يضيق المجال عنها، لكن لعل أهمها هي أن مذهب الصفويين الفعلي -خصوصًا في أول مئة سنة تقريبًا من حكمهم- قد غلب عليه التصوف المشبع بالغلو. لهذا، فهي تسمية لا تفترض بالضرورة اتساق هذا “التشيع الصفوي” مع التشيع الإثنا عشري “المدرسي” بالضرورة، وإنما تعني أن المذهب الذي اتخذه الصفويون قد حوى -من بين ما حوى- ديباجات شيعيَّة، وظَّفتها الطريقة الصفويَّة -سياسيًّا وروحيًّا- بوصفها حركة مهدويَّة ألفيَّة. وربما لهذا، لم يعُد الارتباط “الحتمي” المفترض، بين الهيمنة السياسية للتشيُّع في إيران ودولة الصفويين؛ من المسلمات في حقل الدراسات الإيرانيَّة اليوم، وخصوصًا بعد أن ظهرت دراسات تاريخيَّة عديدة، خلال العقود الأخيرة؛ تُفكك الصورة النمطيَّة لهذا الارتباط المتوهَّم ومآلاته، على الأقل خلال القرن الأول من عُمر الدولة الصفويَّة!
وحتى مع استقرار الحكم الصفوي، فإن تشيُّع سكان إيران لم يكتسب صفة فارسيَّة أبدًا بهذا الإطلاق الساذِج، الذي يتوهَّمه قطاع كبير من المثقفين العرب؛ فقد كان الصفويون أنفسهم أتراك العرق (قد اختلط نسبهم بالأكراد عند كثيرٍ من المؤرخين!)، تحدَّروا من الأناضول، هُم وكل قبائل القزلباش التي حملتهم إلى السلطة، وحكمت إيران بعدهم (ومنها آفشار وقاجار)؛ قبائل تُركمانيَّة صوفيَّة (سُنيَّة وشيعيَّة). بل من المثير أن إيران التاريخيَّة نفسها -بحدودها شديدة السيولة والتغيُّر- لم يحكُمها “فارسي” واحد -تقريبًا- منذ الفتح الإسلامي وإلى اليوم؛ إذ تفرَّغ الفرس للعلوم الإسلاميَّة وتطويرها، وجرى لبلدهم ما جرى لشتى بُلدان المسلمين، حين ضعفت العصبيَّة العربيَّة؛ فتسلَّطت شتَّى الأعراق التركيَّة فوق حكم ديار الإسلام -تدريجيًّا- ربما منذ تمكَّنوا -أولًا- في عهد المعتصم العباسي. وهذا ينطبق حتى على آل بهلوي، أصحاب الأصول التُركمانيَّة؛ كما ينطبِق على المرشد الحالي -سيد علي خامنئي- الآذري الأصل، ومن قبله على مُفجِّر الثورة وقائدها -الإمام الخميني- الذي اختلطت أصوله العربيَّة مع سُكان شبه القارة الهنديَّة، التي استقرَّت أسرته في شمالها عقودًا، قبيل عودتها إلى إيران. وإن نحنُ أردنا الدقة والإنصاف -مع بعض التجوز- في تتبع مسار المتحدرين من العرق الفارسي بعد الإسلام؛ فإنهم قد ذابوا كُليًّا في الهويَّة الجديدة، إذ أقبلوا على علوم الإسلام والعربية؛ حتى صاروا أئمتها المتبوعين. أما “الفرس” الأقحاح، الذين يُفترَض فيهم احتفاظهم بنقائهم “العرقي” إلى اليوم؛ فإنهم ظلوا على دين زرداشت المجوسي، وهاجر قطاع كبير منهم إلى شبه القارَّة الهنديَّة إبَّان الفتح الإسلامي لفارس، وبعده مباشرة، في حين بقيت أقلية صغيرة داخل إيران إلى اليوم.
***
وثمة معالم أخرى، لا تقل أهميتهما عما أسلفنا؛ تتعلَّق بخارطة التديُّن في إيران. أولها هو سبق التشيُّع الإسماعيلي على الإثنا عشري، في الوجود بين الجماهير الإيرانيَّة قبل الغزو المغولي؛ فكانت جمهرة أقليتها الشيعيَّة تدينُ بالمذهب الإسماعيلي، لا الإثنا عشري الذي اعتنقه الصفويون؛ فلم يَنمُ الأخير ويزدهر إلا بعد تحطيم المغول للوجود الإسماعيلي في إيران. وقد اشتُهر اتخاذ حكام العباسيين للشيعة الإمامية وزراء وكتاب ومؤدبين، وحلفاء اجتماعيين وسياسيين؛ ليواجهوا بهم راديكاليَّة الطائفة الإسماعيلية، وتربُّصها بالحكم العباسي وعملها على تقويضه! أما المعلم الثاني المهم، من معالم الحياة الدينيَّة في إيران؛ فهو تبعيَّة حواضرها الشيعيَّة -شبه الكامِلة- للعتبات العراقيَّة1 طوال معظم تاريخها، وخصوصًا خلال القرن التاسع عشر، وحتى الثلث الأول من القرن العشرين؛ حين أحيا الشيخ عبد الكريم حائري الحوزة العلميَّة لمدينة قم مرَّة أخرى، لتبدأ في احتلال مكانتها بوصفها من حواضر العلم الديني الشيعيَّة المهمة. وقد اكتمل ازدهارها مع ترسُّخ تقليد المرجعيَّة وشبكته الاجتماعيًّة، على يد آية الله بروجردي المتوفى مطلع ستينيات القرن العشرين. ولم تبدأ قُم في اكتساب مكانتها المركزيَّة الحاليَّة، إلا مع انتفاضة خُرداد التي أضرمها الإمام الخميني بعد وفاة بروجردي بأعوام قلائل، وأدَّت إلى نفي الأول حوالي خمسة عشرة عامًا.
***
لم يكن الصفويون بالأصل أتراكًا فحسب، بل كانوا كذلك طريقة صوفيَّة سُنيَّة من الغُلاة، ثم تحوَّلت إلى التشيُّع (في عهد جد إسماعيل الصفوي)؛ لأسباب مُتراكِبة ما زال المؤرخون يدرسونها إلى اليوم. لكنَّ أهم أسباب استمرار هذا التمذهُب بعد سيطرتهم على إيران هو: التمايُز السياسي، والحفاظ على استقلال ملكهم، بين أكبر إمبراطوريتين مُسلمتين وقتها من الأتراك أبناء عمومتهم: التيموريون في دهلي والعثمانيون في الآستانة.
لقد مثَّل الصفويون حالة نماذجيَّة لنمط الغلو الديني في هذه المنطقة، وكانوا -مثل أبناء عمومتهم- بُرهانًًا حيًّا على أن جُلَّ تصورات الغلو الديني الإسلامي، والمرتبط بالعُجمة؛ هي تصورات تُركية/ تركمانية/ كردية، مصدرها هضبة الأناضول لا الهضبة الفارسيَّة. إذ إن أكثر حركات الغلو الديني هذه، لم تكن أصولها حتى في العمق من خراسان مثلًا -مهما كانت ناشطة هناك- وإنما كانت أصولها -على الدوام- في أقصى شمال إيران، وامتداداتها ومعينها في قلب الأناضول المترامي. ويعرف الدارسون المتخصصون أن جُلَّ مؤثرات الغلو الديني في الإسلام، يُمكن عزوها بسهولة إلى التقاليد الشامانية في آسيا الوسطى؛ بوصفها الجوهر المشترك للديانات “البدائيَّة” لهذه الأعراق التركية قبل الإسلام (دخلت هذه الأعراق التركية الإسلام تباعًا على أيدي الفرس الأقحاح. وأكثر نصوص اللغات التركيَّة القديمة -قبل الإسلام- تُعبر عن المسلم بلفظة: “الفارسي”، وذلك كما ظلَّت أوروبا -حتى مطلع القرن العشرين- تعبر عن المسلم بلفظة: “التركي”). ثم إن هذه الأعراق التُركيَّة نفسها (السلاجقة، والتيموريون، والصفويون، والغزنويون، ...إلخ)، التي تلقَّفت راية الإسلام بإخلاص باد حين وهنت العصبية العربية، فتسلَّطت على حكم ديار الإسلام كافَّة، لتستنقذها من الكافر الأصلي؛ لم تُغير فحسب تركيبة النظام السياسي “الإسلامي” -من الملك العضوض إلى الملك الجبري- تمهيدًا لظهور حكم الطواغيت مع بداية التحديث، بل مثَّلت مواريث الغلو الديني في الأفراد -وعبادة الزعامة- التي اجتلبتها من ماضيها الجاهلي؛ عُنصرًا فعالًا في بلورة صورة الحكم الطاغوتي الحديث. إذ كانت ثقافتها -الكامنة والواعية- مُثقَلَة في ذاتها بمقادير كبيرة من مواريثها السياسية والاجتماعيَّة والدينية قبل الإسلام. ولاحظ أن بُلدان الأعراق التركية هذه قد مثَّلت -في العصر الحديث- معظم أقاليم الإمبراطورية السوفييتية البائدة، التي كرَّست عبادة القائد الفرد “الملهَم”. وذلك بينما صار الفرس بيروقراطية إدارية وكوادر علميَّة فذة، لا يُمكنها الانفراد بالحكم؛ وإن ظهر منها من برع في تولي الوزارة منذ عهد البرامكة.
ولعل الإشارة إلى طبيعة تديُّن الفرس والأعراق التركية -قبل الإسلام مباشرة- تُسهم في فهمنا لمدى “تجرُّد” كل أمة عند قبولها للإسلام. إذ بينما كانت الأغلبية الكاسحة من الفرس “فلاحين” على وشك الخروج من دينهم الطبقي القديم، الذي يُرسخ استعبادهم ويُكرس اضطهادهم، وكانت المسيحيَّة تقِفُ على أبواب إيران الشماليَّة الغربية تنتظر فرصة تسنح لها؛ أرسل الله الفتح الإسلامي من الغرب ليستنقذهم، فدخل الفرس في دين الله أفواجًا بعد أن كانوا قد انسلخوا قبلها نفسيًّا من دين زرداشت الطبقي. هذه الهزيمة النفسيَّة والروحيَّة جعلتهم يصحبون أقل القليل من ديانتهم القديمة في رحلة التسليم لله. وذلك على عكس الأعراق التركية، التي اشتهرت بالبدواة والغزو، وكانت دياناتها الوثنيَّة بوتقة قومية جامعة وأداة تسوية بين أبناء القبيلة، وروابط صلة تحفظ تماسُك وحداتهم الصغيرة؛ فكانت انتصارات المسلمين العسكرية هي أهم ما اجتذبهم، إضافة إلى ما يكفله دين الله مما اعتادوا عليه من مساواة البداوة. وبعبارة أخرى، فبينما كان الفرس يُعانون قبل الإسلام مما يشبه الفراغ الروحي، كانت الأعراق التركية تطلب شيئًا من الترقي الروحي مثَّل في وعيها نوع استمرار لما هي فيه. وشتان بين مجاز “الوعاء الفارغ” في حال الفرس، ومجاز “الوعاء نصف الممتلئ” في حال الترك؛ الأول قطيعة شبه كاملة والثاني نوع من الاستمرار الضمني. ولكل قاعدة شواذها. لكن ربما لهذا السبب مثَّل الأتراك استمرارًا لعصبية الحكم والفتح العربيَّة، بينما شرع الفرس في بناء التقاليد العلميَّة والثقافيَّة للحضارة الإسلاميَّة بعد أن تعرَّبوا (أبو حنيفة، وسيبويه، والجُرجاني، والجُنيد، وغيرهم ممن لا يُحصيهم العد).
***
وقد تجلَّت أهم مفارقات الأصل التركي للصفويين وبداوتهم في النتيجة الطبيعيَّة والمتوقَّعة: جهل الشاه إسماعيل -مؤسس الدولة الصفويَّة، ووارث طريقتها الصوفية- بلغة الحضارة الإسلامية في “القسم الأعجمي” من ديار الإسلام (الدولة العثمانية، وإيران، ودولة مغول الهند): اللغة الفارسيَّة. ولم يكُن إسماعيل يجهل اللغة الفارسيَّة فحسب، بل كان السلطان سليم العثماني يُعيره بذلك في مراسلاتهما؛ إذ كان يُراسله بالفارسية، وإسماعيل يرُد بالتركية الآذرية، لغته الأم؛ بل لغته الوحيدة التي يُعد -حتى اليوم- أحد أهم شعرائها على الإطلاق. ولم يشفع له كونه شاعرًا صوفيًّا مُبرزًا في لغته اﻵذريَّة؛ فكان الجهل بلغة العلم والثقافة والكتابة وصمة يُعيَّر بها!
ولعلَّ من المفارقات الإضافية اللافتة في هذا الموطن، أن حجم التدوين باللغة الفارسيَّة خارج حدود “فارس التاريخيَّة”، خصوصًا في شبه القارة الهنديَّة؛كان أضخم منه بكثير داخل إيران نفسها، وذلك تقريبًا حتى أواخر القرن السادس عشر. بل ظلَّ هذا التفوق الهندي واضحًا حتى انتشار الطباعة إبَّان القرن التاسع عشر، وترسُّخ انتصار التيار الأصولي في إيران. ومن المفارقات العجيبة التي لا تنتهي، في تاريخ إيران اللغوي والفكري؛ أن منظومة الفردوسي الشهيرة: “شاه نامه”، التي تُعَدُّ النص المركزي في بناء: “الهوية القومية الفارسية” في العصر الإسلامي، باستعادتها لأمجاد الفرس الجاهليَّة؛ قد نُظِمَت وأهديَت إلى السلطان محمود الغزنوي (التركي الأصل!)، وثمة قصة مشهورة لذلك تُطلب في مظانها. وكذلك، فمن الثابت أن أهم شعراء إيران -على الإطلاق- في العصر الإسلامي سُنَّة، ابتداءً بحافظ الشيرازي، ومرورًا بسنائي الغزنوي وفريد الدين العطار وجلال الدين الرومي، وانتهاءً بعبد الرحمن الجامي.
بيد أن هذه اللغة “الفارسيَّة الحديثة” -التي سادت مشرق الأمة قرونًا؛ من إيران إلى حدود الصين- بدأت بالتبلور في القرن الثاني الهجري (بعد قدر من القطيعة التاريخيَّة مع لغات هذه البقعة الجغرافيَّة قبل الإسلام) لتصير هي نفسها ابنة للغة العربيَّة ونتاجًا للحضارة الإسلاميَّة، وإن انتميتا لأسرتين لغويتين مختلفتين. إذ إن اللغة الفارسيَّة التي نعرفها اليوم، والتي تُعد لغة الإسلام الثانية؛ عظيمة التأثر باللغة العربية، رغم أنها تُعَدُّ من اللغات الهندو-أوروبية. وقد ظلَّت الفارسيَّة لغة العلم والثقافة في آخر أكبر ثلاث إمبراطوريات (تركية!) مُتزامنة في حُكم عالم الإسلام، قُبيل الهجمة الكولونيالية مباشرة: الهند، وإيران، وتركيا. وكانت التركيَّة العثمانية -التي تعد إلى حد ما هجينًا من العربية والفارسيَّة- لهجة محكيَّة لم تكتسب شيئًا من الأهمية، التي تُضفى عليها اليوم؛ إلا مع بداية التحديث العثماني إبان عصر التنظيمات -منتصف القرن التاسع عشر- وهو نفس التوقيت -تقريبًا- الذي بدأ البريطانيون فيه بتنحية اللغة الفارسيَّة في شبه القارة الهنديَّة، بوصفها لغة الحضارة الإسلامية الجامعة هناك، وإفساح الطريق للغة الأرديَّة (بوصفها لغة “الأقلية” المسلمة)، بعد أن كانت مُجرَّد رطانة محليَّة، مثلها في ذلك مثل كل اللغات الأوروبيَّة الحديثة، وخصوصًا تلك المتحدِّرة من اللاتينية.
وعندنا أن مثل العربية والفارسيَّة في ديار الإسلام، كمثل اللاتينية واليونانية في أوروبا، اللتان تمخضت عنهما كافة لغات الأوروببين الحديثة؛ فمن أحسن العربية والفارسية بحق، سهُل عليه تعلُّم كافَّة لغات الشعوب الإسلامية في المشرق، ولا زال هذا ميسورًا اليوم إلى حدٍّ ما.
***
عودة إلى المقولات المذهبيَّة، فإن المشتهر تاريخيَّا أن الأناضول، مثله مثل العراقين؛ ظلَّ من الأقاليم التي اختلط فيها التصوف بالتشيُّع، وكانت جمهرة التجليات الدينيَّة التي تبلورت في تلك البقاع -إبَّان العصر الوسيط إلى المتأخر- محض تنويعات على صيغ صوفيَّة، أقرب في الممارسة إلى التشيُّع الشعبي البِدعي (بوصفه نقيضًا للتشيع الإمامي المدرسي) منها للتسنُّن بصوره المدرسيَّة المختلفة. وعليه، فليس من المستغرَب ارتباط غلو الأناضول وشمال إيران -موطن الصفويين، وجمهرة من الأعراق التركيَّة- إبَّان الحقبة التالية على الغزو المغولي، بالتصوف؛ خصوصًا تصوف القبائل التُّركمانيَّة البعيدة عن حواضر الإسلام الكبرى التي حطَّمها أبناء عمومتهم من المغول. فقد صار التصوف هو الملاذ اﻵمن -والأكثر شيوعًا- في البقاع التي وطئتها قدم المغول الوحشيَّة. ومن ثم، كان الغلو الذي مهَّد لظهور الصفويين، وظلَّ مركبهم الثقافي والسياسي الأهم طوال القرن الأول من حكمهم؛ غلوًّا صوفيًّا تُركمانيًّا “بدويًّا”، وليس غلوًّا شيعيًّا فارسيًّا “حضريًّا” كما يُتوهَّم. وهو نموذج يجوز توظيفه -كذلك- في محاولة إدراك الفارِق بين “غلو” النجديين أهل البداوة أتباع المذهب الوهابي، و”غلو” بعض سكان الحضر الحجازيين من الصوفيَّة والشيعة.
وقد ظهرت عدَّة مراجعات أكاديميَّة جذريَّة -في حقل “الدراسات الإيرانية”- خصوصًا عن الحقبة الصفوية المبكرة؛ وخُلاصتها أن هيمنة علماء الشيعة الإماميَّة القلائل (الذين يُفترض أن الصفويين “استجلبوهم” من حواضر التشيُّع؛ في الشام والجزيرة العربية) على مقاليد الدولة الصفويَّة؛ لم تبدأ على الحقيقة إلا بعد مُضي القرن الأول من حكم أحفاد الشيخ صفي الدين الأردبيلي، وبالتزامُن مع انتقال عاصمة الحكم إلى إصفهان عام 1590م. فقد ظلَّ غُلاة الصوفيَّة القزلباش هم أصحاب النفوذ الحقيقي داخل الدولة لأول مئة سنة تقريبًا من عُمرها؛ لأنهم هم من حمل شيوخ الطريقة الصفوية إلى أريكة السلطة. وهو النفوذ الذي منعت هيمنته وغلوه كثيرًا من علماء الشيعة الإماميَّة العرب من الاستجابة لدعوة الصفويين بالهجرة آنذاك إلى إيران. أما القلَّة التي هاجرت، مثل المحقق الكركي (العاملي، والشهير بالمحقق الثاني)؛ فقد عمدت إلى التماهي مع غلو هذا التيار الصوفي البِدعي بأقصى ما تستطيع لتُفسح لنفسها مكانًا في بلاط الصفويين؛ فلم تَسلَم من ثم من سهام انتقادات علماء الشيعة، خصوصًا القاطنين في شرق الجزيرة العربيَّة. ولم يتغيَّر الوضع، ويشرع الفقهاء الإمامية بالسيطرة الفعليَّة على مقاليد الأمور؛ إلا حين مكَّنهم الشاه عباس الكبير من ذلك بالقوة، في إجراءٍ أراد به إضفاء مزيد من التجانُس والاستقرار والصبغة الحضريَّة المؤسسية على مُلكه.
ولم تغرُب شمس الحكم الصفوي إلا وقد هيمن علماء الشيعة على “إيران” هيمنة كاملة، إلى الدرجة التي جعلت من السلطة آنذاك مُعادلة دقيقة بين نفوذ الحكام وسلطان العلماء. فلم يَنقَضِ عمر الدولة الصفويَّة (في 1736م)، إلا وقد تمكَّن نفوذ العلماء كُليًّا من السلطة، وتغلغل عميقًا في المجتمع، وكان العلَّامة محمد باقر المجلسي (مُصنِّف: “بحار الأنوار“، والمشهور بالمجلسي الثاني)؛ حالة نماذجيَّة، شهدها عهد آخر الحكام الصفويين الفعليين (الشاه سلطان حسين). وقد صار العلماء الشيعة -مذذاك فصاعدًا- هُم القيادة الاجتماعيَّة الحقيقيَّة، طوال فترات الاضطراب غير القصيرة، سواء التي أعقَبَت سقوط الصفويين على يد الغُزاة الأفغان أو تلك التي أعقبت فترة حكم نادر شاه آفشار الاستثنائيَّة القصيرة نسبيًّا (1736-1747م). ولم يصل آل قاجار إلى الحكم (حوالي 1780م) بعد حقبة اضطراب طويلة، وحكم دول إقليمية أو قصيرة الأجل (مثل آل زند)؛ إلا وقد تمكَّن نفوذ العلماء، بوصفهم المعامل الوحيد الثابت في الحياة الإيرانية، بل صار سلطانهم -فعليًّا- فوق نفوذ الحكام. وهو ما ستتكشَّف الأحداث عن حقيقته تدريجيًّا، ويختبره كرور الأيام فعليًّا، خصوصًا إبَّان الحروب الفارسيَّة الروسيَّة، وذلك قبل أن يبلُغ هذا النفوذ ذروته بفتوى تحريم التبغ (سنة1890م)، التي التزمت بها حاشية ناصر شاه ونساؤه؛ فأسقطت الامتياز الذي عقده الشاه، وكانت إعلانًا حقيقيًّا عن تغلغُل نفوذ العلماء وتمكُّنه حتى داخل قصره! ولعلَّ مَنْ عرف حجم خوف السلطان المملوكي الظاهر بيبرس على مُلكه، من هيبة الإمام العز بن عبد السلام؛ يُدرك كيف صار حكام آل قاجار يخشون العلماء فعليًّا على مُلكهم، وكيف صار مخرج السلطة الوحيد -هي وحلفائها الأجانب الطامعين- هو الانقلاب العسكري الذي يُزيح آل قاجار، ويضع مكانهم جُنديًّا مُطيعًا للغرب (رضا خان)؛ يُسرع عجلة التحديث، ويستجلب آلياته القمعيَّة بعد أن مهَّد لها البيئة لتعمل بكفاءة.
***
لقد كان التقاطُع والتراكُب -العرقي واللغوي والديني- بين العثمانيين والصفويين ومغول الهند، وحكام الخانات التركية؛ من الأسباب المحورية، التي دفعت إسماعيل الصفوي -وخلفاءه- لمحاولة فرض التشيُّع “مذهبًا رسميًّا” لدولته، لا ليحشد الإيرانيين على مظلوميَّة آل البيت فحسب -بوصفها “مشروعًا قوميًّا” إن جاز لنا تسميته بذلك!- وإنما ليُجرِّد ملامح “الهويَّة القوميَّة” المتخيَّلة، التي أراد فرضها ابتداءً، حتى تستبين المعايير التي يمكن التولي والتبرؤ القومي-الديني على أساسها؛ معايير تسمح باستقلال الإمبراطورية عن المحيط “المشابه” في كل شيء تقريبًا. ولاحِظ أن ورقة الحشد الجاهلي على قاعدة الفروق العرقيَّة بين العشائر؛ كانت معدومة الوجود تقريبًا -رغم الاستمرار الفطري لوجود النعرات الاجتماعيَّة!- في إسلام ما قبل العصر الحديث.
ورغم هذا التداخل الشديد بين الأعراق واللغات التُركيَّة، للدولة الصفويَّة ومحيطها، إضافة إلى تشابه المزاج الديني؛ فإن كُتاب “السرديات القوميَّة” الحديثة قد طمسوا هذه الحقائق التاريخيَّة (تآمُرًا؟)، حتى صار جمهور المحدَثين يجهل مثلًا أن القوة العسكريَّة الضاربة للعثمانيين (أي الإنكشاريَّة) كانت صوفيَّة على الطريقة البكتاشيَّة. وهي فرقة صوفيَّة من غُلاة الشيعة، صارت بقاياها اليوم أقرب إلى اعتقاد “العلويَّة” الأتراك؛ الذين يَعدُّون أنفسهم دينًا مُستقلًا، وليسوا فرقة إسلاميَّة! وربما لهذا، بدأ السلاطين العثمانيين -مع تزايُد معدلات التحديث- ينظرون إلى الإنكشارية بوصفهم طابورًا إيرانيًّا خامسًا، ويُدبرون للقضاء عليهم، إذ أن انضباطهم ومُنجزهم العسكري قد بدأ يتأثُّر بما امتزج فيهم من أبرز عناصر الغلو الصوفي والشيعي؛ فانحلَّ بذلك ولائهم، بل صاروا أشد غلوًّا من نموذج التشيُّع الإمامي “المدرسي” الذي بدأ بالهيمنة على إيران آنذاك.
ويبدو أن مفهومنا اليوم عن “دين الدولة الرسمي” يطوي خللًا شنيعًا يُعمينا عن فهم الحركيات الدينيَّة، وآليات توظيف الدين والمذهب، وتجاور هذا التنوع الهائل في عالم الإسلام قبل الحداثة. وبعبارة أخرى، فإننا كلما أوغلنا في التاريخ؛ تكشَّفت لنا استحالة الفرض الكامل لسرديَّة دينيَّة واحدة على أي سياق اجتماعي قبل عصر التحديث، الذي تميَّز بظهور أدوات دعائيَّة وتسلُّطية وقمعيَّة تسمح للدولة بفرض سرديتها قسرًا على كامل إقليمها. ولم يكن التشيُّع تحت الصفويين أنفسهم بدعًا. وكما قرَّر بعض الباحثين صادقًا، فإن عُمق السلطة التي يحوزها اليوم أمير دويلة هامشيَّة صغيرة -مثل قطر أو الإمارات- على إقليمه ورعيته، تفوق حجم ونوع وعمق السلطة التي كانت لهارون الرشيد العباسي، أو للمعز الفاطمي، أو لصلاح الدين الأيوبي، أو لسليمان القانوني، أو غيرهم من أعاظم ملوك الإسلام. وهذا كله بفضل آليات التسلُّط الحديثة، وعمق هيمنتها على الواقع.
وهاهنا، يجب علينا إعادة صياغة سؤالنا؛ لا للاستعلام عن حقيقة تسنُّن إيران قبل الصفويين فحسب، بل وعن حقيقة تشيُّعها في العصر الصفوي المبكر؛ الذي يُفتَرض أن التشيُّع قد فُرِضَ فيه قسرًا على إقليمها. إضافة إلى التشكُّك المبرَّر في مدى دقَّة صورة إيران الشيعيَّة وليدة التحديث، والذي بدأ مُتعثرًا مع آل قاجار منتصف القرن التاسع عشر -رغم إفساحهم المجال نسبيًّا للطرق الصوفيَّة!- وحتى الثورة الدستوريَّة مطلع القرن العشرين. وأخيرًا؛ أن نُعنى بالبحث فيما إن كان انتصار “الثورة الإسلاميَّة” في إيران استعادة حقيقيَّة لإسلام القرن الأول الهجري -كما وصفها بعضهم- أم إمعانٌ في إسباغ ثوب التحديث عليها، مثله في ذلك مثل التحول الديني المؤسسي، الذي كان أهم لبنة في بلورة وتشكيل أعتى جاراتها: الدولة السعوديَّة الثالثة.
***
لم يكُن الانقلاب العسكري، الذي أطاح بحكم آل قاجار في إيران (سنة 1921م)، وحمل رضا خان -قائد لواء القوزاق الفارسي- إلى الحكم، مُتخذًا لقب “بهلوي” لنفسه، ومؤسسًا لحكم أسرة جديدة -سيقتصر سلطانها عليه هو وابنه- مُجرَّد انقلابٍ طامعٍ في السلطة، وإنما أُريد به أن يكون سدًّا في وجه التقاليد الدينيَّة، والعلماء الذين يحملونها؛ حتى يسمح لآليات التحديث بالعمل، ويفتح خزائن الموارِد والأسواق للأجانب، الذين تضرَّروا أشد الضرر من تنامي نفوذ العلماء، وإفشالهم العملي للامتيازات التي عقدها آل قاجار بعد امتياز التبغ المجهَض. لم تكُن إشكاليَّة آل قاجار في أنهم “ديمقراطيين” يسمعون لرعيتهم، وإنما في كونهم مُستبدين ضعفاء؛ يفتقرون إلى الحد الأدنى من المقدرة التسلُّطية على الجماهير ومن كفاءة السيطرة على الإقليم، خصوصًا في ظل وجود العلماء؛ بوصفهم جماعة وسيطة قوية وواعية وفعَّالة. أضف إلى ذلك، افتقار آل قاجار -مثلهم مثل أي ملكية جبرية قبل بدء التحديث- إلى أي من الوسائل والأدوات الإعلامية والقمعيَّة والتسلُّطية، التي جاء بها التحديث، إذ كانوا أشد الناس تخوفًا من تبعاته؛ لأنه سيفتح -ولو بصورة غير مباشرة- أبواب التعليم والوعي والحركة للجماهير، ويجعلها أشد جرأة على حكامها. وقد كان جُرح الثورة الدستوريَّة لا يزال رطبًا في ذاكرتهم.
والعجيب أن الخبرة التاريخيَّة قد أثبتت صدق حدس آل قاجار بخصوص التحديث. إذ رغم عُنف وراديكاليَّة الإجراءات، التي اتخذها رضا خان -تقليدًا لقدوته ومثله الأعلى مصطفى كمال أتاتورك- مثل: إكراه النساء على خلع الحجاب، والاعتداء على العلماء والمساجد، ومحاولة “تنقية” اللغة الفارسية من المفردات العربية، إلخ؛ فإن بيئة التحديث لم تكن تسير دومًا عكس اتجاه الدين، إذ كان المتدينون -وعلى رأسهم العلماء أصحاب النفوذ المتغلغل- ممن أفادوا من الأدوات الحديثة، سواء في بلورة رسالتهم أو إبلاغها. وبقطع النظر عن أثر ذلك على الرسالة، أو الرموز، أو حتى على أصالة المحتوى، الذي أسهمت الأدوات الجديدة أحيانًا في تفريغه واستملاكه؛ فقد لعب التحديث دورًا مهمًا، أولًا في تمكين شبكة الدعم العلمائي التي بناها بروجردي في صمت لتُغطي إيران، وهي الشبكة التي حملت انتفاضة خُرداد التي دشنها الإمام الخميني، وكانت بمثابة “التجربة” العمليَّة للثورة التي ستتأخر أقل من عقدين آخرين. وكما كانت الثورة الدستوريَّة هي “ثورة التلغراف”، صارت الثورة الإسلامية “ثورة الكاسيت”؛ التي أُضرِمَت بخُطَب الإمام الخميني الناريَّة، المسجَّلة عبر الهاتف؛ لتوزَّع في كافة أنحاء إيران. أما المفارقة الأخرى الأغرب، فهي أن انقلاب بهلوي على آل قاجار قد تزامن مع إحياء الشيخ حائري للحوزة العلمية في قم، التي سيُقوض جمهرة طُلَّابها حكم آل بهلوي نفسه؛ بعد ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن! وقد كان ثاني ما أفاده المتدينون من التحديث؛ هو ظهور طبقة من المثقفين الحداثيين المتدينين -أمثال جلال آل أحمد ومهدي بازركان وعلي شريعتي- الذين أعادوا صياغة رسالتهم؛ لتسمح بتشكُّل قاعدة اجتماعيَّة جديدة من الطبقات الحضريَّة الجديدة، والتي كان يُفترض بها أن تدين بالولاء “الحصري” لمن فتح أمامها أبواب الجامعات والحياة الثقافية على النمط الغربي.
وبقدر ما كانت علمنة نظام آل بهلوي تعمل في إطار أيديولوجية قوميَّة علمانيَّة إقصائيَّة، كانت علمنة الحوزة والمؤسسة الدينية -بل والمثقفين المتدينين- نتيجة تلقائية وحتمية للعمل والحركة -بغير وعي- في إطار هذه العمليَّة من العلمنة الاجتماعيَّة، ولو بغير أيديولوجية علمانيَّة؛ وإنما بأيديولوجية إسلاميَّة تتشابه بنيويًّّا مع أيديولوجية النظام. فقد كانت صياغة المفكرين المتدينين الأيديولوجية للإسلام -في حد ذاتها- علمنة كامنة، تُغير طبيعة المركَّب، إلى الحد الذي سيترك أثره -غير الواعي- على كثير من علماء الحوزة، الذين أعجبهم الطرح الحركي الصراعي الجديد، ولم يُدرك أكثرهم إشكالاته. بيد أن إيران التي لم تتعرَّض لتجربة كولونيالية حقيقيَّة -وإن ظلَّت منطقة نفوذ يتنازعها الروس والبريطانيون- وتعثَّرت فيها أكثر محاولات التحديث قبل بهلوي، بل وتوقَّف فيها التحديث البهلوي “المعادي للدين” عند حدٍّ معيَّن، ولم يستطع قط تجاوزه بسبب وجود العلماء؛ قد حافظت بهذه العُزلة النسبيَّة على جمهرة تقاليدها الفكريَّة، خصوصًا عبر طبقة العلماء في عمومها، والتي لم تكُن -رغم ذلك- على قلب رجل واحد أبدًا، سواء في قبول التحديث وآلياته، أو حتى في قبولها تأسيس دولة نيابة عن الإمام الغائب. وقد أفضى انتصار الثورة “الإسلاميَّة” -بقيادة علماء الحوزة- إلى حصار إيران وتشديد قيود العُزلة (وتغذية كثير من تقاليدها كذلك!)، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مُعدلات علمنة مُريعة؛ أعلى كثيرًا من الحقبة البهلويَّة، بما أنها علمنة اجتماعيَّة ومعرفيَّة صامتة، تجري بغير أيديولوجية علمانيَّة صريحة (من أهم مؤشرات العلمنة الكامنة؛ أن أكثر من 60% من طلبة الجامعات من الإناث، وهم يفوقون الذكور كذلك في دراسة التخصُّصات التقنية والعلوم الطبيعية/ المادية).
بيد أن العلمنة في إيران ظلَّت وستظل -رغم شدَّة توحُّشها اجتماعيًّا في بعض القطاعات- فعلًا يحكمه إطار “خفي” وراسخ من التقاليد الفكرية والثقافية الحيَّة -والمهيمنة- والتي يُمكن الرجوع إليها. ومهما بلغ حجم تقويضها للمقدَّسات -سواءً الزائفة أو الحقيقية- بوصفها أهم عمليات العلمنة، وأولى مراحلها؛ فإن المجتمع الإيراني يظلُّ محتفظًا -في وعيه الجمعي، وحركته اليومية، بل وأدبياته- بصورة حيَّة للتقاليد الاجتماعيَّة والثقافيَّة السابقة على التحديث/ العلمنة، وإن همَّشها تهميشًا آنيًّا وأخرجها من بؤرة الفعل؛ إذ أن نزوعه القومي وشوفينيته تجعله يحتفظ بهذه القيم -ولو منفصلة عن مصادرها الأصليَّة- بوصفها المكون الأهم في هويته، التي لا يُمكن أن يختلف الملحدون الإيرانيون مع المتدينين أبدًا في وجوب الحفاظ عليها.
وقد أشار حميد عنايت رحمه الله -في كتابه: “الفكر السياسي الإسلامي الحديث“- إلى أن هذه العلمنة قد طالَت ما يُمكن عدُّه “الخصائص الكامنة” للتشيُّّع، وهي خصائصه المميزة المسكوت عنها (النخبويَّة، والباطنيَّة، والعاطفيَّة، والتاريخانيَّة، والمثاليَّة، والنظرة المتشائمة للطبيعة الإنسانيَّة، والفتور السياسي)، رغم كونها سبب خلافه مع أهل السنة؛ لا أصول المذهب نفسها. وبهذا، يُمكن اعتبار قدر كبير من هذه العلمنة، خصوصًا الواعي منها؛ “تجديدًا أصوليًّا” مُتسقًا مع أصول المذهب، وليست نقضًا له. بل على العكس، إذ مثَّل هذا “التجديد” إعادة تموضع للمذهب في السياق الحديث بعد إسباغ قدرٍ من “العقلنة الكلامية” عليه. وذلك بعكس “التجديد” السُّني، الذي تجري محاولاته خارج إطار تقاليدنا الفكرية والثقافية، التي حطمتها النيوسلفيَّة-الوهابيَّة وحركاتها “الإصلاحية”. ولهذا، يؤدي “التجديد السني” مباشرة -وفي أي سياق- إلى علمنة نظريَّة بعد علمنته للواقِع، وإلى علمنة للتصورات بعد علمنته للسلوك. أما التجديد الشيعي؛ فلم يكُن هو نفسه الذي زاد مُعدلات العلمنة، بل كان تسكينه داخل الإطار الحداثي، وهيمنة هذا الإطار عليه (في صورة الدولة القومية الحديثة وآلياتها)؛ هو ما أدى إلى تلك العلمنة، التي صارت -هي الأخرى- علمنة للتصورات والسلوك على التوازي. ولعلَّ أهم الفوارق بين الحالتين، هو عينه البرهان على ما نذهب إليه؛ إذ أن التقليد الشيعي-الإيراني ما زال محتفظًا بوجوده وقدراته، وأدواته الكلاميَّة؛ قادرًا على تفكيك الواقع المستجد بوعي داخل إطار مقولات المذهب الخاصَّة، ثم مواجهته بأدواته (بعكس التقليد السُّني، الذي تم تجريده من كل أدواته؛ فصار يواجه الواقع والحداثة عاريًا)، وهو فرعٌ لطبيعة تجربة إيران نفسها مع الحداثة، وضآلة حجم التجريف الثقافي فيها مقارنة بالتجريف المهول الذي وقع في مصر مثلًا.
وبناءً عليه، يتجلى الفارق بين العلمنتين. فإن العلمنة التي يُمارسها النظام السياسي، تتغيَّّر وجهتها بتغيُّر طبيعته؛ فهي في مصر موجَّهة إلى تقويض ما يُسمى بـ”المجتمع المدني”، والجماعات الوسيطة، مع عدم المساس كثيرًا بالحريات الشخصية. إذ أن النظام المصري لا يخشى التدهور الأخلاقي الفردي، بقدر ما يخشى أي صورة من صور الفعالية الاجتماعية، التي يستشعر التهديد بسببها، ولو كانت ستؤدي عنه بعض مهامه، تخفيفًا للاحتقان المجتمعي؛ لتصب في إطالة أجله! في حين أن العلمنة في إيران موجَّهة بالأساس إلى تقويض الحريات الفرديَّة، وذلك في ظل مجتمع يُظهر قدرًا استثنائيًّا من الفعالية الاجتماعية. وهو ما يُبرز الفارِق بين طبيعة النظامين السياسيين: فالفارق كبير بين نظام عسكري جاهل يخشى الكلمة المكتوبة، ونظام مذهبي مؤدلج بُني على السجال وقوة الكلمة المكتوبة. فإن الأول يرفض وجودها مُطلقًا لأنه لا يستطيع التعاطي معها، بينما الثاني يعرف دورها وقوتها ويُريد توظيفها لمصحلته. وفي مصر، لا تُريد السلطة مُجتمعًا إلا القُشلاق العسكري؛ إذ تريد شظايا فردية معزولة، يُمكنها التلاعب بها عن طريق تيسير شهواتها الدنيا. وفي إيران، لا تُريد الدولة أفرادًا خارجين على “المجتمع المفترض”؛ الذي ما زالت قادرة على صياغة شفراته، وتوجيهه بالدين والمذهب والأيديولوجيا. تعدَّدت الأسباب والإثم واحد.
***
لهذا، مثَّلت “الثورة الإسلامية” مُزاحمة لشرعية “الإسلام الليبرالي” ذي الدثار السلفي-الوهابي، والذي كان الأمريكان وحلفائهم قد شرعوا برفع قواعده -بتمويلٍ من السعوديين!- في مصر وتركيا وباكستان وماليزيا، إلخ. وتولى كبر التنظير له -لاحقًا- المعهد العالمي للفكر الإسلامي بإدارة تنظيم الإخوان المسلمين.
ومن أدرك أن صراع الأنظمة السياسية -في ديار الإسلام- صراع “تأويلي”، ويُعَدُّ في جوهره امتداد للصراع التأويلي الذي بدأ بالفتنة الكبرى، مرورًا بتشقيق الكلام في الإمامة، وظهور الفرق التي تتصارع في سبيل تأصيل الشرعيَّة السياسيَّة؛ أدرك لم مثَّلت الثورة الإيرانية تهديدًا لشرعية السادات، وآل سعود، وضياء الحق، وتورغوت آوزال، ومن شابههم؛ خصوصًا حين أعلنت عدائها لـ”الشيطان الأكبر” الذي ارتمى الجميع في أحضانه، ووقفت موقف العداء من التطبيع الصهيوني الذي رعاه في كامب ديفيد. ولهذا أيضًا، كان موقف أنظمة “الأسلمة” السياسية كافَّة شديد المحاباة لشاه إيران الملحد (صديق إسرائيل)؛ لأنه لم يكن يُزاحمها على “الشرعية الإسلامية”. وشهدنا الإعلام المصري -خصوصًا- يواجه إعلام الثورة الإيرانية مُعترضًا على تسييس الدين وتوظيفه، لا لأنه مُعارِضٌ للمبدأ في ذاته، وإنما لأن ما تطرحه الثورة كان يُحطم السقف الذي يريد “الإسلام الليبرالي/ العلماني” الوقوف عنده. وعليه، جرى تداول اصطلاح: “تصدير الثورة” -عربيًّا- بوصفه وصمة ولعنة، وغزوًا وتدخُّلًا في الشؤون الداخلية للغير، إلخ. ولم يكن تأصيل هذا اللغو الإعلامي ممكنًا، بغير الحملة على المذهب الشيعي الإثنا عشري نفسه، ونسبة كافَّة صور الغلو إليه. فقد آل الصراع بين آية الله الخميني والسادات -ومن ورائه السعودية- إلى صراع على تمثيل الإسلام؛ لأن الخلاف المذهبي لا يُسوغ ما تمخَّض عنه حصار إيران، والعدوان عليها؛ فإن التشيُّع لم يظهر في إيران مع الثورة وإنما كان التأويل الحركي الجديد للثورة؛ هو الكاسحة التي خشيتها الأنظمة الصديقة للأمريكان. ولعلَّ الملمح الكوميدي في الأمر، أن جمهرة المصريين -المحبين لآل البيت فطرة- لم يكونوا يعرفون بتسنُّنهم، حتى بدأ الإعلام يلعن تشيُّع إيران؛ بل الأنكى أن الغالبية لم تكن تستطيع التمييز بين الشيعي والشيوعي! وهو ما استغلَّه الإعلام أسوأ استغلال، حين وظَّف مصادر سُنيَّة سجالية، واعتمد آراء كتب الفرق والمذاهب التراثية، وأفسح المجال لمعمَّمين لا يعرفون عن إيران والتشيُّع إلا ما طالعوه في كتبٍ تجاوزها الواقع.
وحين اقتحم طُلاب “خط الإمام” السفارة الأمريكية في طهران، واتخذوا موظفيها رهائن؛ اعتبرت الصحافة القوميَّة المصريَّة التشيُّع مسؤولًا عن “جريمة” النظام الثوري، والتعدي على “المعاهدين”، ثم وظَّفت الفروق المذهبيَّة؛ لتُثبت أن “الخمينية” بدعة ليست من الإسلام! وهو ما فعلته أبواق المعمَّمين المصريين لاحقًا مع الوهابيَّة؛ حين أُذن لها! وقد كانت أداة هؤلاء المعمَّمين -دومًا- في بيان الفروق المذهبيَّة؛ لا المقارنة بين التسنُّن والتشيُّع الإثنا عشري، وإنما المقارنة بين التسنُّن وفرق الغُلاة الشيعيَّة المنقَرِضة. ومن المثير للسخرية أن مجلَّة “روز اليوسف” الملحِدَة، والمشهورة بكونها مدرسة الصحافيين والمحررين المعادين للإسلام؛ كانت أحد أهم المدافعين عن التسنُّن في مواجهة التشيُّع، حتى وصفت الإمام الخميني في كاريكاتير على صفحتها الأولى (يوم 4 فبراير 1980م) بأنه: “جاهلي”!
1- هي المدن التي تحوي مراقد الأئمة من آل البيت (كربلاء، والنجف، والكاظمية، وسامراء)، كما تحوي كبريات مقاعد العلم الشيعيَّة.
No posts

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.