ملخص
تحول الجدل حول خطة عمدة نيويورك زهران ممداني لإنشاء خمسة متاجر بقالة حكومية إلى مواجهة تتجاوز أسعار الغذاء والمنافسة التجارية، بعدما لجأ أصحاب متاجر يملكها مهاجرون إلى القضاء اعتراضاً على ما يعتبرونه منافسة مدعومة من المال العام. وبينما يرى مؤيدو الخطة أنها محاولة لتخفيف أعباء المعيشة، يحذر منتقدوها من تحميل دافعي الضرائب كلفة الخصومات والإضرار بالمتاجر الصغيرة. وأخذت القضية بعداً أيديولوجياً، فيحذر المنتقدون من تسلل الاشتراكية إلى داخل الولايات المتحدة، فيما تمثل فنزويلاً نموذجاً تحذيرياً.
في وقت قدم فيه عمدة نيويورك زهران ممداني نفسه ممثلاً للمهاجرين، واشتراكياً يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، فإنه يواجه دعوى قضائية رفعها عدد من متاجر البقالة المملوكة لمهاجرين في نيويورك، تتهمه بخلق منافسة غير عادلة مع متاجر البلدية التي يخطط لإنشائها بتمويل يبلغ 70 مليون دولار.
يخطط ممداني لافتتاح خمسة متاجر بقالة تابعة للبلدية في نيويورك، لبيع السلع الأساسية واللحوم بخصم يصل إلى 30 في المئة عن أسعار السوق لمواجهة أزمة غلاء المعيشة، وهو ما أثار احتجاج أصحاب البقالات المحلية ممن يدفعون إيجارات باهظة وضرائب مرتفعة، ويشكون من أن منافسة متجر تدعمه الحكومة بالكامل ستكون غير عادلة وستؤدي إلى إفلاسهم.
ويطالب المدعون بقيادة منظمة تعرف باسم "تحالف الأعمال متعدد الثقافات"، بوقف جميع أنشطة إطلاق متاجر البقالة التابعة للمدينة باعتبارها تهدد المشاريع الصغيرة التي يديرها المهاجرين، وذلك إلى حين قيام الإدارة بإجراء مراجعة ودراسة وتحليل إضافي لسياسات استخدام الأراضي، بهدف حماية أصحاب متاجر البقالة الصغيرة والمتاجر المحلية التي لا تحقق هامش ربح عالي. وقال مارك جافي، أحد مؤسسي التحالف، لموقع "بيزنس إنسايدر" الأميركي، إن المتاجر المدعومة من المدينة تمثل إجحافاً بحق الشركات المحلية، مشيراً إلى أن مزيداً من أصحاب متاجر البقالة والروابط التجارية قد أبدوا اهتماماً بالانضمام إلى هذه الدعوى القضائية.
وعلى سبيل المثال، يقع سوق "لا ماركيتا" في منطقة "إيست هارلم" محاطاً بمتاجر عدة يملكها أفراد من أصول إسبانية وكورية، وقد صرح عدد من هذه المتاجر بأنها لن تكون قادرة على مجاراة الخصم الذي تعتزم المدينة تطبيقه بنسبة 30 في المئة على السلع الأساسية. كما ستحظى المتاجر التابعة للمدينة بدعم للإيجار من "مؤسسة التنمية الاقتصادية"، وهي الذراع شبه الحكومية لحكومة مدينة نيويورك المعنية بإدارة العقارات المملوكة للمدينة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير الدعوى القضائية إلى أن "الإجماع السائد، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية أو الانتماء الحزبي، هو أن توفير الغذاء بأسعار معقولة يعد فكرة ممتازة"، لكن هذه الطريقة في توفير الغذاء للسكان تفتقر إلى التخطيط السليم.
وذكر مسؤولون في المؤسسة أن المدينة تعتمد مجموعة من العوامل لاختيار مواقع المتاجر التي ستديرها، مثل العقارات المملوكة للمدينة بالفعل، وسهولة الوصول عبر وسائل النقل، ومستويات الدخل المحلي، والكثافة السكانية، إلا أنهم لم يفصحوا عن معايير محددة في هذا الشأن. وخلال مؤتمر صحافي عقد مطلع الأسبوع، قال ممداني "أنا واثق تماماً من الجانب القانوني لهذا الأمر، وأنه سيصمد أمام الاختبار القضائي، وكذلك من أهمية تنفيذه".
وتضع هذه الخطط سلطة مدينة نيويورك في منافسة مباشرة مع قطاع خاص ضخم وراسخ، ففي حملاته الكبرى الأخرى التي تتمحور حول "القدرة على تحمل التكاليف" مثلما كان شعاره الانتخابي، مثل توفير خدمة حافلات مجانية وتجميد الإيجارات في مليون شقة سكنية، يكتفي ممداني باستخدام صلاحياته التنظيمية والمالية، متبعاً النهج التقليدي لرؤساء البلديات الديمقراطيين، والمتمثل في تشديد الرقابة على أسعار السكن وتقديم مزيد من الخدمات المجانية.
ممداني يبيع الوهم
وتثير خطط ممداني انتقادات حتى من التيار المؤيد للحزب الديمقراطي باعتبارها ليست أكثر من خدعة، فضلاً عن الإضرار بالمتاجر الخاصة. ففي حين قد تبدو فكرة ممداني جذابة، لكن دافعي الضرائب في نيويورك هم من سيتحملون العبء، إذ سيمولون خصومات قد لا يستخدمونها هم أنفسهم. كما أن هوامش الربح في متاجر البقالة ضئيلة بالفعل، وتعد من بين الأقل في قطاع التجزئة، ونظراً إلى أن عدداً قليلاً فقط من المتاجر سيفتتح، فقد يكون الضرر اللاحق ببائعي البقالة المحليين والمتاجر الصغيرة محدوداً في البداية، لكنهم سيظلون مضطرين للمنافسة أمام أسعار مدعومة من المدينة، وهو ما قد يدفعهم لرفع أسعارهم.
كما أن المحاولات الحكومية السابقة حققت نتائج محدودة، فأغلقت بلدة بالدوين في فلوريدا متجرها الحكومي عام 2024 بعد فشله في تحقيق التوازن المالي، كما أغلق متجر في كانساس سيتي عام 2025 بعد استثمار حكومي يقارب 18 مليون دولار، بسبب الجريمة وضعف المبيعات. في المقابل، حقق متجر حكومي في أتلانتا تقييمات إيجابية باعتباره حلاً لمشكلة نقص المتاجر الغذائية في وسط المدينة.
ووصف عدد من الخبراء خطة ممداني بأنها "مجرد وهم"، فيتفق الكتاب الأميركيون، في صحف موالية للحزب الديمقراطي الذي ينتمي له عمدة نيويورك، على فشل التجارب السابقة من هذا النوع، ووصف الخطط بالوعد الزائف. وتقول الكاتبة في صحيفة "يو أس أيه توداي" نيكول رسل إن الفكرة في حين تبدو عملاً خيرياً ومبادرة سخية، لكنها تنطوي على عيوب جوهرية. فهي ليست حلاً منطقياً يمكن المواطنين، بل هي إجراء حكومي يضر بدافعي الضرائب، بينما يتخفى في صورة مبادرة لتخفيف الأعباء المالية عن الجميع، مضيفة أنها مجرد مثال واحد من أمثلة عديدة وواضحة على محاولات تسلل مبادئ "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" إلى واقع الحياة اليومية، ومثل سياسات التحكم في الأسعار التي تأتي دائماً بنتائج عكسية، ستؤول هذه الخطة إلى المصير نفسه، وهو ما يتفق معها فيه شون تولي رئيس تحرير موقع فورتن المعني بالاقتصاد.
ويحذر تولي من أن المشروع المصمم لمواجهة أزمة غذاء قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة إذا خرجت المتاجر الخاصة من السوق، كما ينتقد فكرة أن تقديم الخصم من شأنه أن يعتبر توفيراً حقيقياً للمستهلك، بل يجري نقل جزء من الكلفة من فاتورة البقالة إلى الضرائب العامة. ويقترح بدلاً من أن تنافس الحكومة القطاع الخاص، أن يتم إزالة العوائق التنظيمية أمام سلاسل المتاجر الكبرى، خصوصاً في المناطق التي تعاني نقصاً في المتاجر. فزيادة عدد المتاجر الكبيرة ستسمح باستفادة المستهلك من وفورات الحجم والشراء بالجملة، وبالتالي توفير خيارات أكثر وأسعار أقل من المتاجر الصغيرة.
لكن المؤيديين مثل ماريا توريس، من منظمة "ذا بوينت" للتنمية المجتمعية في هانتس بوينت، تقول إن المنطقة تعاني فعلياً "صحراء غذائية"، وبالتالي لن تكون المتاجر الحكومية منافساً مباشراً للمتاجر القائمة، كما أن المتاجر الجديدة لن تبيع السجائر والكحول وتذاكر اليانصيب أو الأطعمة الساخنة، وهي مصادر دخل مهمة للبقالات الصغيرة.
الاشتراكية لا تناسب أميركا
وذهبت الكاتبة في "يو أس أيه توداي" إلى تشبيه تجربة ممداني بما حدث في فنزويلا، مشيرة إلى أنها تجربة متجذرة في الأيديولوجية الاشتراكية، وهي "الأيديولوجية ذاتها التي حولت فنزويلا، التي كانت يوماً ما واحدة من أغنى دول أميركا اللاتينية، إلى نموذج تحذيري". وأضافت أن بنية السوق الحرة في الولايات المتحدة لن تسمح أبداً بترسيخ الاشتراكية الكاملة على المستوى الوطني، ويعود الفضل في ذلك للآباء المؤسسين. فالسوق الحرة والشعب الحر من السمات المميزة للقيم الجوهرية لهذه البلاد، بينما تتعارض تجربة "ممداني" مع كلا الأمرين، إذ إنها تقوض قدرة أصحاب المتاجر وكذلك دافعي الضرائب، على كسب دخلهم والاحتفاظ به.
وحذرت "رسل" من حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" التي يمثلها الجناح اليساري المتشدد في الحزب الديمقراطي، مشيرة إلى أنها لا تقتصر على كونها تياراً تقدمياً يسعى إلى تجاوز المألوف أو تجربة أفكار جديدة، بل إنهم يسعون إلى تفكيك المؤسسات الأميركية، متجر بقالة تلو الآخر، بدءاً بنظام السوق الحرة في مدينة نيويورك. فيستخدم ممداني الأسعار المنخفضة كطعم، إذ ينجذب سكان نيويورك للعرض الآن، لكنهم سيدفعون الثمن لاحقاً في صورة ضرائب أعلى أو من خلال حرمان أولويات أخرى من التمويل للحفاظ على استمرار متاجره. غير أن الهدف الحقيقي يتجاوز مجرد خفض أسعار السلع الأساسية بنسبة 30 في المئة، فالغاية هي التآكل التدريجي لنظام السوق الحرة. لذا فمهما حاول ممداني تصوير فكرة توفير السلع بأسعار معقولة في صورة جذابة، فإنه في الواقع يبيع لسكان نيويورك الوعود الزائفة نفسها التي أثبتت فشلها في كل مكان آخر طبقت فيه.

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.