«إني لأحتاج أن أرهف السمع، حتى أسمع ما لا يُقال.»
— ثولي مادونسيلا
اسمع المقال
0:00
-16:12
يصعب تحديد الأصل الأول لشفرة هانلون، غير أن خلاصتها تقول: لا تنسب إلى الخبث ما يكفي الغباء لتفسيره. وفي عالم متشابك شديد التعقيد، يغدو هذا المبدأ وسيلةً نافعة لتجنب البارانويا والأحكام الأيديولوجية. فإذا لم نسارع إلى تفسير النتائج السيئة بأنها ثمرة نية سيئة، اتسع أمامنا مجال البحث عن تفسيرات أخرى، ولم نُغلق على أنفسنا أبواب الفهم. فهو يذكّرنا بأن الناس يخطئون بالفعل، ويدعونا إلى أن نسأل: هل يوجد تفسير آخر معقول لما حدث؟ وغالبًا ما يكون أرجح التفسيرات هو أقلها اعتمادًا على افتراض القصد وسوء النية.
ويظهر الميل إلى افتراض أسوأ النيات في مواقف الحياة اليومية كلها. خذ مثلًا غضب الطريق، وهو ظاهرة تزداد انتشارًا مع ضيق الوقت وتراجع الصبر. فإذا تجاوزك سائق بسيارته على نحو أزعجك، فإن افتراض الخبث يقتضي أن تتصور أنه تعمد إيذاءك؛ أي إنه لاحظ وجودك، وقدّر سرعتك، وتوقع وجهتك، ثم اختار اللحظة المناسبة لينحرف أمامك ويجبرك على الضغط المفاجئ على المكابح، مع الحرص في الوقت نفسه على ألا يقع حادث. وهذا كله يقتضي قدرًا من التخطيط والانتباه. أما التفسير الأبسط، والأرجح وقوعًا، فهو أنه لم ينتبه إليك أصلًا؛ لقد أخطأ، ولم يتعمد. فلماذا تميل عقولنا إلى التفسير الأول، مع أن الثاني أقرب إلى المنطق؟
ولعل مسألة «ليندا» الشهيرة، التي عرضها عالما النفس دانيال كانمان وآموس تفيرسكي في بحث نشراه سنة 1982، تكشف جانبًا مهمًا من طريقة تفكيرنا، وتوضح الحاجة إلى شفرة هانلون. وجاءت على النحو الآتي:
ليندا امرأة في الحادية والثلاثين من عمرها، عزباء، صريحة، شديدة الذكاء. درست الفلسفة، وكانت أثناء دراستها مهتمة بقضايا العدالة الاجتماعية والتمييز، كما شاركت في مظاهرات مناهضة للأسلحة النووية.
أي الاحتمالين أرجح؟
أن تكون ليندا موظفةً في بنك.
أم أن تكون موظفةً في بنك وناشطةً في الحركة النسوية؟
اختار معظم المشاركين الاحتمال الثاني. وليس ذلك مستغربًا؛ فالوصف يوحي بأنها ذات ميول نسوية. غير أن هذا لا يغيّر من حقيقة بسيطة: قد تكون ليندا موظفة بنك فحسب، وقد تكون موظفة بنك ونسوية معًا. ولذلك فإن احتمال تحقق الوصف الأول لا بد أن يكون أكبر من احتمال تحقق الوصفين مجتمعين. فكل موظفة بنك نسوية هي، بالضرورة، موظفة بنك، أما موظفة البنك فليست بالضرورة نسوية.
وقد أظهرت هذه التجربة أن المشاركين، حين قُدِّمت لهم القصة في صورة حية ومقنعة، رجّحوا أن تكون ليندا موظفة بنك وناشطة نسوية معًا، بدلًا من الاكتفاء بالاحتمال الأبسط. وأطلق كانمان وتفيرسكي على هذا الخطأ اسم «مغالطة الاقتران».
وكشفت هذه التجربة، وغيرها، عن ميل متأصل في التفكير الإنساني؛ فنحن نتأثر بما بين أيدينا من معلومات حية ومؤثرة، حتى إذا تعارضت مع أبسط قواعد المنطق. فنميل إلى استخلاص نتائج تتجاوز ما تسمح به الأدلة، ونربط بين أمور لا يقتضي العقل ربطها، لمجرد أنها توافق الصورة التي تكونت لدينا.
وقد وُجهت إلى مسألة ليندا انتقادات بعد ذلك؛ إذ رأى بعضهم أن السؤال صيغ بطريقة تدفع المشاركين إلى هذا الجواب، وأن النتيجة ربما اختلفت لو تغيرت طريقة العرض. غير أن هذا الاعتراض يؤكد، في جانب منه، ما أراد كانمان وتفيرسكي إثباته؛ وهو أن طريقة عرض المعلومات قد تؤثر في الحكم تأثيرًا يجعل العقل يغفل عن أبسط قواعد الترجيح المنطقي.
فما صلة ذلك بشفرة هانلون؟
حين يقع أمامنا أمر نعدّه خطأً أو يوقع بنا ضررًا، تميل عقولنا إلى افتراض أنه وقع عن قصد. غير أن الاحتمال الأرجح، في أكثر الأحوال، أنه لم يكن مقصودًا أصلًا. والاعتقاد بأن الإنسان تعمد الخطأ يشبه الاعتقاد بأن ليندا أرجح أن تكون موظفة بنك ونسوية معًا؛ فكلاهما يقوم على إضافة قيد لا يزيد الاحتمال إلا ضعفًا. وأكثر الناس، حين يخطئون، لا يفعلون ذلك بدافع الشر، وإنما بدافع الجهل، أو الغفلة، أو سوء التقدير.
وحين تقترن المعلومات الحية باستجابة عاطفية قوية، يضعف حكمنا على أسباب الأحداث، ونصبح أكثر ميلًا إلى تفسيرها بسوء النية. وهنا تظهر قيمة شفرة هانلون؛ فهي ترد العقل إلى موضعه الصحيح. ذلك أن العجز عن ترجيح الغفلة على الخبث يفضي، في كثير من الأحيان، إلى الشك المرضي وسوء الظن. كما أن الاعتياد على افتراض النيات الخبيثة يجعل الإنسان يتوهم أنه محور أفعال الآخرين، وهو تصور بعيد عن الواقع، فضلاً عن أنه غير عملي. والحقيقة أن مقابل كل فعل خبيث، توجد — في الغالب — أضعاف مضاعفة من الأخطاء التي يفسرها الجهل، أو قلة الانتباه، أو الكسل، لاالخبث.
«يُغري الإنسان أن يُعرَّف بأنه حيوان عاقل، لا يلبث أن يفقد أعصابه كلما دُعي إلى أن يعمل بما يقضي به العقل.»
— أوسكار وايلد
في سنة 408 للميلاد، كان هونوريوس إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الغربية. وفي تلك السنة أساء الظن بقائده الأشهر، ستيليكو، فنسب إليه نياتٍ خبيثة، ثم أمر بإعدامه. ويرى عدد من المؤرخين أن هذا القرار كان من العوامل التي عجّلت بانهيار الإمبراطورية.
ولِمَ كان ذلك؟
كان ستيليكو قائدًا عسكريًا بارعًا، حقق لروما انتصارات كثيرة، وعُرف بإخلاصه للإمبراطورية. لكنه، شأنه شأن كل إنسان، لم يكن بمنأى عن الخطأ. فقد اتخذ أحيانًا قرارات انتهت إلى نتائج سيئة. ومن أبرزها أنه أقنع مجلس الشيوخ الروماني بقبول مطالب ألاريك، زعيم القوط الغربيين. وكان ألاريك قد هاجم أراضي الإمبراطورية مرارًا، ولم يكن يحظى بأي تعاطف في روما، لذلك كان كثير من أعضاء مجلس الشيوخ يميلون إلى مقاومته لا إلى التفاوض معه.
غير أن ستيليكو رأى غير ذلك. ولعل صلته السابقة بألاريك جعلته يعتقد بإمكان استمالته إلى التحالف في مواجهة الأخطار الأخرى التي كانت تهدد الإمبراطورية. وأيًا يكن وجه الصواب في هذا التقدير، فقد أضر بمكانته، وأثار الشكوك حوله.
ومن هنا وجد هونوريوس من يحرّضه على قائده. فلم يُحسن الظن به، ولم يحمل أفعاله على أفضل محاملها، بل افترض أن وراءها طموحًا إلى الاستيلاء على العرش، وأن قراراته لم تكن إلا وسيلة لتعزيز نفوذه. فأمر بالقبض عليه، وانتهى الأمر بإعدامه.
وبغياب ستيليكو فقدت الإمبراطورية أحد أكفأ قادتها في التعامل مع خطر القوط الغربيين. ولم تمض سوى سنتين حتى دخل ألاريك روما ونهبها، ليكون أول قائد بربري يستولي على المدينة منذ ما يقرب من ثمانية قرون. وكانت تلك الضربة من الأحداث التي كشفت ضعف الإمبراطورية، ومهدت الطريق إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية.
وإذا فُهمت شفرة هانلون على أنها وسيلة لمقاومة التحيز التأكيدي، فإنها تمنحنا قدرة أكبر على التعامل مع المواقف الصعبة. فنحن، إذا اعتقدنا أن إنسانًا يتعمد إيذاءنا، اندفعنا — بالغريزة البشرية الطبيعية — إلى اتخاذ موقف الدفاع. وحين ينشغل الإنسان بالدفاع عن نفسه، يضيق مجال رؤيته، فلا يعود يبحث عن الفرص، بل قد يعجز عن رؤيتها أصلًا. إذ يصبح همه الأول دفع الخطر الذي يتصوره، بدلًا من النظر إلى الموقف كله في هدوء واتساع.
في السابع والعشرين من أكتوبر سنة 1962، تمسك فاسيلي أرخيبوف بهدوئه، ورفض أن يفسر ما جرى على أسوأ الوجوه، فأنقذ العالم. وهذه ليست مبالغة، بل حقيقة تؤيدها الوقائع.
كان ذلك في ذروة أزمة الصواريخ الكوبية، حين بلغت المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حدًا جعل العالم يقف على حافة حرب نووية، لو اندلعت لتبدل تاريخ البشرية كله.
كانت المدمرات الأمريكية والغواصات السوفيتية متقابلة في المياه القريبة من كوبا. ورغم أن الغواصات كانت في مياه دولية، فإن البحرية الأمريكية كانت قد أبلغت الجانب السوفيتي أنها ستلقي عبوات عمق تدريبية، غايتها إرغام الغواصات على الصعود إلى السطح، لا مهاجمتها. لكن هذه المعلومة لم تصل إلى أطقم الغواصات بسبب خلل في الاتصال، فظلوا يجهلون حقيقة ما يجري فوقهم.
وكان أرخيبوف أحد كبار الضباط على متن الغواصة السوفيتية ب-59، وهي غواصة لم يكن الأمريكيون يعلمون أنها تحمل طوربيدًا نوويًا. وما إن بدأت عبوات العمق تنفجر حولها، حتى اعتقد من فيها أن الحرب قد بدأت بالفعل. واقتنع قبطان الغواصة بأن الهجوم الأمريكي قد وقع، فأراد تجهيز الطوربيد النووي وإطلاقه.
ولو حدث ذلك، لكان العالم أمام كارثة لا سابقة لها. فإطلاق السلاح النووي كان كفيلًا بأن يشعل مواجهة نووية شاملة، تمتد آثارها السياسية والعسكرية والإنسانية عشرات السنين.
غير أن إطلاق الطوربيد كان يتطلب موافقة ثلاثة من كبار الضباط. وهنا برز دور أرخيبوف؛ إذ رفض الموافقة، وأصر على الصعود إلى السطح أولًا، والاتصال بموسكو لمعرفة حقيقة الموقف.
ورغم أن الانفجارات المحيطة بالغواصة كانت تسمح بتفسيرها على أنها هجوم متعمد، فإن أركيبوف أدرك أن بناء القرار على هذا الافتراض قد يجر العالم إلى كارثة لا رجعة فيها. فاختار التفسير الأقل اندفاعًا، والأقرب إلى التروي، وبنى قراره عليه. وكان ذلك كافيًا لأن يحول دون إطلاق الطوربيد النووي.
صعدت الغواصة إلى السطح، ثم عادت إلى قواعدها، وانتهت الأزمة من غير أن تقع الحرب التي كادت تبدأ. ولم يعرف العالم فضل أركيبوف إلا بعد مرور نحو أربعين عامًا، حين كُشف عن الوثائق الرسمية، واتضح مدى اقتراب البشرية يومئذ من حرب نووية.
ومع ما لشفرة هانلون من فائدة، فلا ينبغي تحميلها ما لا تحتمل. فهي ليست دعوة إلى إنكار وجود الخبث، ولا إلى حسن الظن في كل الأحوال، وإنما هي تذكير بأن الخطأ والجهل وسوء التقدير تفسر كثيرًا مما يقع حولنا، وأن هذه التفسيرات أرجح من افتراض المؤامرة وسوء القصد، ما لم يقم دليل واضح على خلاف ذلك. فالدوافع التي لا تحتاج إلا إلى الجهل، أو الغفلة، أو الكسل، أقرب إلى التصديق من دوافع تستلزم تخطيطًا محكمًا، وقصدًا متعمدًا، وإرادة واعية للشر.
شفرة هانلون ليست قاعدةً لتبرئة الناس، وإنما هي وسيلةٌ لحماية العقل من ميله إلى تفسير كل خطأ على أنه سوء قصد. فهي تدعونا إلى ألا ننسب إلى الخبث ما يكفي لتفسيره الجهل، أو العجز، أو قلة الكفاية. وهي تذكيرٌ بأن أكثر الناس لا يتحركون بدافع الرغبة في الإضرار بغيرهم، وأن حسن الظن أولى من إساءة الظن ما لم يقم دليلٌ قاطع على خلافه.
ولا يعني هذا أن الخبث معدوم؛ فهو موجود، ولا سبيل إلى إنكاره. ولكن التجربة تدل على أن الخطأ والجهل وسوء التقدير أكثر حضورًا في حياة الناس من النيات الشريرة. فالإنسان ينسى، ويتعجل، ويتكلم قبل أن يتثبت، ويؤثر المصلحة القريبة على العاقبة البعيدة، ويحكم اعتمادًا على معرفةٍ ناقصة، ويقع أسيرًا لتحيزاته. وقد تبدو هذه التصرفات وكأنها عدوانٌ مقصود، مع أن تفسيرها في الغالب أبسط من ذلك بكثير.
وقيمة شفرة هانلون الحقيقية أنها تغيّر طريقة نظرنا إلى المواقف. فإذا رجّحنا الخطأ على الخبث، تغيّرت استجابتنا؛ فلم نندفع إلى الخصومة والدفاع، بل أفسحنا مجالًا للفهم، وأصبحنا أقدر على معالجة المشكلة برويةٍ وإنصاف.
ولهذا تبقى شفرة هانلون، في أكثر ما يعرض لنا من مواقف الحياة اليومية، دعوةً إلى سعة الصدر، وإلى مقاومة التسرع في إصدار الأحكام. فهي لا تُنقص من يقظتنا، وإنما تُعيننا على أن نطلب التفسير الأقرب إلى الواقع، وأن ننصرف إلى الحلول العملية بدل الاستغراق في الاتهام والخصومة.
مغالطة الشيطان
ومن أشهر الصياغات التي عبّرت عن هذا المعنى ما أورده روبرت هاينلاين في قصة «منطق الإمبراطورية» (1941)، على لسان شخصية دوك غريفز، وهو يشرح ما يسميه «مغالطة الشيطان»، فيقول:
«أحسب أنك وقعت في أكثر المغالطات شيوعاً في تناول المسائل الاجتماعية والاقتصادية: نظرية “الشيطان”. لقد نسبت إلى الخسة ما ينشأ ببساطة عن الغباء… أنت تظن أن المصرفيين أوغاد، وليسوا كذلك. ولا مسؤولو الشركات، ولا العملاء، ولا الطبقات الحاكمة في الأرض. إن الناس أسرى الضرورة، ثم لا يلبثون أن يبتدعوا لأنفسهم مسوغات عقلية يفسرون بها أفعالهم.»
وهذه هي الآفة التي تسعى شفرة هانلون إلى معالجتها؛ إذ تذكّرنا بأن الميل إلى تفسير العالم كله بنظرية المؤامرة أو سوء النية ليس علامةً على عمق الفهم، بل كثيرًا ما يكون نتيجةً لتحيزٍ ذهني. ومن ثم فهي ليست مجرد قاعدةٍ في التفكير، بل تدريبٌ على الإنصاف، ووسيلةٌ للتمييز بين ما وقع عن قصد، وما وقع لأنه لم يكن في الإنسان من الحكمة أو البصيرة ما يمنع وقوعه.
مأخوذ بتصرف من كتاب the great mental models
أخذت شيئاً من هنا؟
فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.