RSS Amplifier

افياء · Jul 1, 2025

جفّ الحبر… ولم تجف جذوة الذاكرة

0
Sign in to vote or save

افياء · افياء

بعد سقوط غرناطة عام 1492م، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، بدأت إسبانيا الكاثوليكية حملة منهجية لاجتثاث كل ما يمتّ إلى الإسلام والعربية بصلة.

وبحلول عام 1502م، فُرض على المسلمين اعتناق المسيحية قسرًا، وتحولوا إلى ما عُرف لاحقًا بـ”الموريسكيين”.

لكن الاضطهاد لم يقف عند حدود الدين.

ففي عام 1567م، أصدر الملك فيليب الثاني مرسومًا يحظر استخدام اللغة العربية تمامًا، نطقًا وكتابة.

كل كتاب يُعثر عليه بالعربية يُصادر ويُحرق، وكل مَن يتعلّم يُتَّهم بممارسة السحر الأسود.

بل إن مجرد محاولة حفظ العلم كانت تُعد جريمة.

في ذلك الزمن، خاف كثيرون من الحرف… أما المسلمون، فتمسّكوا به.

كتبوا ما تعلّموه من الطب والفلك والشريعة والأدب، ثم أخفوه في تجاويف الجدران أو دفنوه تحت الأرض.

وحين أصبحت العربية ممنوعة، لجؤوا إلى كتابتها بحروف إسبانية، فيما يُعرف بـ”الأعجمية”، حتى لا تُكتشف معانيها بسهولة.

لم يكتبوا طلبًا للسمعة، بل دفاعًا عن الذاكرة.

ولم يكن العلم عندهم ترفًا، بل وسيلة بقاء.

وحين اشتدت حملات التفتيش والطرد بين عامي 1609 و1614م، هاجر من استطاع، حاملاً ما تبقّى من تلك المخطوطات إلى شمال أفريقيا.

وهناك، أعيد نسخ ما نجا، وأعيد نشر ما كاد أن يُمحى.

الرد الإسباني كان واضحًا:

“أي كتاب لا نفهمه… نحرقه.”

لأن ما لا يُفهم، يُخشى.

واليوم، وبعد قرون، ما زلنا نحاول صون ما تبقّى من تراثنا؛

نعيد قراءة كتبنا، نُقاوم الترجمة المشوَّهة، ونرفض أن يُعاد سرد تاريخنا بلغة غير لغتنا.

لسنا أسرى ماضٍ، بل ورثة ذاكرة قاومت المحو، وورثت الحبر من الجدران إلى الوريد.

No posts

Read the original on afyaa.substack.com

Comments

Nothing yet. Say the first thing.

    Sign in to join the conversation.