هذا المقتطفٌ، من كتاب: تشيع علوى و تشيع صفوى (تهران، 1350هـ ش/1971م، ص 24-26)؛ يُصوِّرُ بدقَّة العديد من الملامح الرئيسيَّة في فكر شريعتي: تعريفه للتشيُّع بوصفه حركة ثوريَّة في جوهره، ونبذه للصيغ الثقافيَّة والنُسُكيَّة التي يُفتَرض أنها ألحِقَت بالتشيُّع لتشويهه منذ العهد الصفوي فصاعدًا، واستحسانهُ استخدام ثُنائيَّات مُتعارِضة، مُستقاة من مُعجم علم الاجتماع؛ والتي غالبًا ما يورِد أصولها الفرنسيَّة (ها هُنا: “حركة mouvement” و”نظام مؤسسي institution”). وقد أوردنا تعليقات أستاذنا حامد الگار على الترجمة الإنكليزية للنص من باب الاستئناس والإيضاح. (عبد الرحمن أبو ذكري)
***
مرَّ التشيُّع بطورين تاريخيَّين مُنفصلين ومُختلفين كُليًّا. يبدأ أحدهما مع القرن الأول الهجري وينتهي مع بداية العهد الصفوي. في هذا الطور كان التشيُّع تعبيرًا عن الإسلام بوصفه “حركة mouvement” في مُقابِل إسلام المؤسسة الحاكمة [الساكِن]، أي الخلافة. وقد كان هذا طور الحيوية والحركة. أما الطور اﻵخر فيبدأ مع الصفويين، ويمتدُّ إلى اليوم؛1 وهو الطور الذي تحوَّل فيه التشيُّع من حركة إلى تشيُّع نظام مؤسسي [ساكِن].
لقد كان الشيعة الأوَل أقلية يحكُمها غيرها، عاطلة من كل أنواع السُلطة والنفوذ. كانوا لا يستطيعون زيارة كربلاء متى أرادوا، أو أن يَرِد على ألسنتهم ذكر الإمام الحُسين؛ فما كان بوسعهم ممارسة شعائرهم الدينيَّة علانية. كانوا مُضطهدين دومًا، يصطلون العذاب أو يقبعون في أقبية السجون، أو يلوذون بالتقيَّة.2 أما تحت الصفويين، فقد تحوَّل هؤلاء الشيعة عينهم إلى قوةٍ كبرى تحكم بلدًا، وتتمتَّع بأقصى حماية من النُخبة الحاكمة. أما قُطب الحكم الطاغوتي،3 الذي كان يظلم الشيعة، ويسجن ويُعذِّب ويقتُل كل من يشك بولائه وحبه للإمام علي؛ فقد شرع اﻵن يُلقِّب نفسه بـ”كلب العتبة الرضويَّة”؛4 فيا له من انتصار عظيم!
والحاكم عينه، الذي كان يضطهد الشيعة على مدار تسعمائة سنة؛ نراه اليوم يُعلِّق نعليه حول رقبته، ويقصِد مشهد حاجًّا من أصفهان سيرًا على الأقدام... نعم؛ على الأقدام! فيا له من انتصار عظيم!5
والحاكم عينه، الذي حال بصورة متواصِلة، طوال عشرة قرون؛ دون زيارة الشيعة لمراقِد الأئمة، وقطع قنوات الماء التي تُمِدُّ تلك المراقِد ودمَّر المشاهِد؛ صار اﻵن يكسو قِباب هذه المراقِد بالذهب، ويصنع أسيجة تلك الأضرحة من الفِضَّة، ويُزيِّن مآذنها بالقيشاني... فيا له من انتصار عظيم!
والزيارة، التي كان الشيعي الغيور يتجشَّمها إلى مشهد أو كربلاء، مُتحملًا أخطارًا ومشاقًا شتى على يد الحكومة؛ أمست اﻵن مُباحة بموافقة نفس الحكومة، بل صارت مظهرًا دينيًّا رسميًّا، مُشابهًا لحج البيت الحرام، أو حتى مساو له!6 وصارت الحكومة تُسبِغ على الزائر، العائد من مشهد أو كربلاء؛ لقب “المشهدي” أو “الكربلائي”، أسوةً بتلقيب من يحج البيت الحرام بـ”الحاج”7... فيا له من انتصار عظيم!
وهؤلاء العلماء ورجال الدين الشيعة، الذين كانوا على الدوام في صفوف المجاهدين الأولى ضد حكومات شتى، وكانوا باستمرار أهدافًا تستمطِرُ سهام المؤسسة الحاكمة؛ ها هُم اليوم يعيشون في أنعم أحوال الترف والرغد! يُشاركون السلطان الجلوس على فراشه، ويستشيرهم في شؤون الدولة! وفي حقيقة الأمر، فإن الحاكم يعتبِرُ سُلطته منحة امتنَّ بها عليه العلماء الشيعة، نواب الإمام [الثاني عشر]، وحكام الشرع! وقد خوَّلوه الحكم استنادًا إلى نيابتهم عن الإمام [الغائب]! فيا له من انتصار عظيم!8
وحين بدأ التشيُّع يُحقِّق كل هذه الانتصارات، تحديدًا؛ هُزِم. وبمجرَّد زوال جميع الموانِع التي حالت دون أداءه الشعائر الدينيَّة، وجميع العوائق التي كانت مفروضةً على تعبيره عن عاطفته؛ وبُمجرَّد أن تحوَّلت الأسباب، التي استُعمِلَت للبغي عليه؛ إلى عوامِل لتشجيعه والتكيُّف معه، حينها توقَّف التشيُّع عن الحركة، وتحوَّل إلى مؤسسة اجتماعيَّة، وسلطة حاكمة!
وهكذا يعمل ناموس تحول الحركة إلى نظام. حين تتحوَّل عقيدة متوهِّجة، كانت تجيش يومًا بالتغيير الحركي الثوري في كل أبعاد المجتمع؛ إلى نظامٍ خامِد! نظام يصير واحدًا من الأسس الرسميَّة والثابتة للمجتمع، ويُدمَج في سائِر القواعِد الاجتماعية ويتماهى معها. ساعتها تصير العقيدة مؤسسة من بين مؤسسات أخرى؛ مثل الدولة، والأسرة، واللغة، أو، وهو الأسوأ؛ مثل تأمين على الحياة، أو مصرفٍ، أو حساب ادخاري، أو ورقة يانصيب!9
1 - لاحظ أن تاريخ نشر النص يعود إلى أوائل سبعينيات القرن العشرين. وإن كنت أذهب إلى أن رأي شريعتي -رحمه الله- لم يكن ليتغيَّر كثيرًا إن أراد التعبير عن الوضع الحالي (2018م). فوفق معاييره؛ تصير الثورة الإسلامية (1978-1979م) مجرَّد لحظة نماذجية قصيرة من الحركة، أعقبتها عودة تدريجية لما سماه بـ”التشيع الصفوي” المؤسسي الساكن الخامِد، وذلك بالتوازي مع انتقال إيران “الإسلامية” من الثورة إلى الدولة (الإسلامية؟)؛ ولهذا تفصيلٌ لا يتسع له المجال. (عبد الرحمن)
2 - هذا التوصيف لحال الشيعة، في الحقبة ما قبل الصفويَّة؛ مُفرِط التبسيط إلى حدٍ كبير. إذ أن الخصائص التي ذكرها شريعتي ليست غائبة بحال عن المشهد التاريخي، لكنها لم تكن سمتًا عامًا مُلازمًا لكل عصر ومصر. أما التقيَّة فهي كتمان الشيعي لهويته المذهبيَّة احترازًا في أحوال يُتوقى فيها من وقوع ضرر على النفس أو على الطائفة. (حامد الگار)
3 - يستخدِم شريعتي “قُطب” الطاغوت وحكام الجور، الذين ساموا الشيعة سوء العذاب على مدار التاريخ؛ في مواجهة “قُطب” جماهير المستضعفين والمحرومين. (حامد الگار)
4 - إشارة إلى اللقب المُحقِّر للذات، ظاهريًّا؛ الذي انتحله الشاه عباس الأول، أحد الحكام الصفويين. (حامد الگار)
5 - إشارة أخرى إلى الشاه عباس، الذي شرع برحلة الحج المشار إليها في 1601م. وهو ليس بطبيعة الحال “عين الحاكم”، الذي اضطهد الشيعة طوال قرون. لكن ما هو إلا حاكم آخر لا يُمكن، من وجهة نظر شريعتي؛ تمييزه عن سائر الحكام الذين سبقوه، بقطع النظر عن اعتناقه التشيُّع. (حامد الگار)
6 - ها هنا يُشير شريعتي مرة أخرى إلى شاه عباس، الذي استفزَّته كميات الذهب التي يصطحبها حجاج البيت الحرام إلى خارج البلاد؛ فحاول ترويج الحج إلى “مشهد” كبديلٍ وطني! (حامد الگار)
7 - دخول ألقاب “المشهدي” و”الكربلائي” إلى حيِّز الاستعمال يبدو كأنه راجع لشيوع استعمالها على ألسنة العوام، وليس لمرسوم حكومي يقضي بذلك. (حامد الگار)
8 - هنا يُفترض أن الإشارة إلى تصريحات الشيخ “علي الكركي”، المتعلِّقة بالشاه طهماسپ الأول؛ ثاني الحكام الصفويين. (حامد الگار)
9 - طبَّقنا ناموس تحول الحركة إلى نظام، الذي جرَّده شريعتي رحمه الله؛ في ثلاثية من مقالاتنا عن الحركات الإسلامية، فعلى الراغبين في الاستزادة مراجعتها على شبكة الإنترنت؛ وعناوينها: “بين النظام والثورة”، و”صعود الدولة ونهاية الدعوة”، و”لماذا تُهزم الدول وتنتصر الحركات”. (عبد الرحمن)
No posts

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.