كما نجِد في المدوَّنات الحديثية للإسلام السُّني العديد من الأدعية والابتهالات المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي تُشكِّلُ أساس الأدعية السُّنية وعصبها إلى يومنا هذا؛ نجد أيضًا في الحوليات الشيعية العديد من الأدعية المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من آل بيته، والتي شكَّلت عبر التاريخ أساس وعصب الأدعية الشيعية. ومن بين الأدعية الأكثر أهمية أدعية الإمام الأول: علي بن أبي طالب، والإمام الرابِع: زين العابدين بن علي المشهور بالسجَّاد (صاحب الصحيفة السجّادية، والتي تُلقَّب أحيانًا بمزامير آل محمد)، والإمام السادس: جعفر الصادق. ومن أشهر هذه الأدعية، التي وَرَدَ أكثرها في كتاب الأدعية الشيعي التقليدي مفاتيح الجِنان؛1 “دعاء يوم عرفة”2 للإمام الحُسين بن علي سبط النبي صلى الله عليه وسلم.3 ولا يستمِدُّ هذا الدعاءُ شهرته مما امتاز به من جمال بديع فحسب، بل مما احتواه من درر روحية مكنونة، فإلى اليوم يدعو به أتقياء الشيعة ويُنشدونه كلَّ عام في يوم عرفة خلال موسم الحج، وذلك كما دعا به الإمام في الأصل؛ ناهيك عن أوقاتٍ ومناسباتٍ أخرى خلال العام. كذلك يلعب هذا الدعاء دورًا مهمًّا في العرفان الشيعي بوجهٍ خاص، ويُشير إليه على الدوام عُرفاء الفرس وفلاسفتهم الكبار في شتى كتاباتهم، كما نجد عند مُلا صدرا.
يشغل النص العربي لدعاء الإمام الحسين حوالي ثلاثين صفحة. وسيعترضك عند قراءته تغيُّر مفاجئ وملحوظ للأسلوب في الصفحات الثلاث أو الأربع الأخيرة؛ ذلك أن اللغة والتصورات المبثوثة في القسم الأول المطوَّل قد عُرِضَت مُدبَّجةً على صورةٍ شديدة الشبه بما نجده في الحديث النبوي، في حين تُمثِّل الصفحات الأخيرة رؤية أكثر تحليلية جنبًا إلى جنب مع إشارةٍ أكثر صراحة لموضوعاتٍ عرفانية وصوفية. وبسؤال أحد مشاهير علماء الشيعة وعرفائهم المعاصرين، عن هذا التغيُّر المفاجئ في الأسلوب؛ أخبرني أنه لا شكَّ في أن الإمام قد خصَّ بهذا القسم الأخير من دعائه بعضَ شيعته المختارين.
وليس ثم شك بحال في أن عددًا من المتكلمين والفلاسفة الشيعة البارزين قد اعتبروا هذا القسم من الدعاء مُتممًا له. وعلى سبيل المثال؛ اقتبس مُلا محسن فيض كاشاني، صهر ملا صدرا وأحد القامات الكبرى في مدرسة إصبهان؛4 مقتطفات من الدعاء في عِدَّة مواضِع من كتابه الكلماتِ المكنونة،5 وأشار إليه حاجي مُلا هادي سبزواري، الفيلسوف والعارف ذائع الصيت في القرن العشرين؛6 في العديد من كتاباته، مثل: شرح الأسماء، وشرح دعاء الصباح.7
إلا أنه من المهم الأخذ بعين الاعتبار تعليقات العلامة المجلسي (المتوفى 1110هـ ق/1698م) على دعاء الإمام الحسين. فهذا المتكلم والفقيه المرموق، الذي عاش في العصر الصفوي؛ هو المُصنِّف الذي اضطلع بجمع وترتيب موسوعة الحديث الشيعية الضخمة، والمسماة بحار الأنوار، وهو سِفرٌ تجاوز حجمه مائة وعشرة مجلدات في الطبعات الحديثة. فبعد أن نقل نص الدعاء عن كتاب الإقبال لصالِح الأعمال للسيد ابن طاووس (المتوفى 664هـ ق/1265م)؛ يُعلِّق المجلسي قائلًا:
“وقد أورد الكفعمي أيضًا هذا الدعاء في البلد الأمين، وابن طاووس في مصباح الزائر...، ولكن ليس في آخره فيهما بقدر ورقةٍ تقريبًا وهو من قوله: إلهي أنا الفقير في غناي، إلى آخر هذا الدعاء. كذا لم توجد هذه الورقة في بعض النسخ العتيقة من الإقبال أيضًا، وعبارات هذه الورقة لا تُلائم سياق أدعية السادة المعصومين، وإنما هي على وِفق مذاق الصوفية. ولذلك مال بعض الأفاضِل إلى كون هذه الورقة من مزيدات بعض مشايخ الصوفية ومن إلحاقاته وإدخالاته”.
“فهذه الزيادات إجمالًا إما أنها وقعت من بعضهم أولًا في بعض الكتب، وأخذ ابن طاووس عنه في الإقبال غفلة عن حقيقة الحال؛ وإما أنها وقعت ثانية من بعضهم في نفس كتاب الإقبال. ولعل الثاني أظهر على ما أومأنا إليه من عدم وجدانها في بعض النسخ العتيقة، وفي مصباح الزائر؛ والله أعلم بحقيقة الحال”.8
ولكن بغض النظر عن هذا التحفُّظ، الذي أبداه واحدٌ من أبرز علماء الحديث الشيعة؛ فقد ورد الدعاء كاملًا في كتب الأدعية التقليدية المتداوَلة، وتُليَ في المناسبات الدينية الملائمة؛ وذلك لأن محتوى الدعاء على الجملة، شاملًا القسم الأخير والمشكوك في نسبته للإمام الحسين؛ ينسجِمُ بغير شكٍ مع الروحانية الشيعية انسجامًا ملحوظًا.
أما عن مصدر هذه الإضافة؛ فإن ترجمة فكتور دانر الجديدة لحِكَم الولي الصوفي الشاذلي ابن عطاء الله السكندري (المتوفى 709هـ ق/1309م)؛9 تُزوِّدنا بالإجابة، ذلك أن “المخاطبات الحميمة” التي ذُيِّل بها هذا المجلَّد هي في حقيقة الأمر عين القسم الأخير من دعاء الإمام الحسين. وبمقارنة ذيل الدعاء بالنص العربي للحكم العطائية، والذي نشر موازيًا للترجمة الفرنسية التي أنجزها بول نويا؛10 نكتشِف أن هذا الدعاء مطابقٌ لنص ابن عطاء الله كلمة بكلمة تقريبًا، مع الاختلافات المحدودة والمعتادة، والمألوفة لكل من اشتغل بمقابلة المخطوطات القديمة.
وقد توفي السيد ابن طاووس قبل ابن عطاء الله بخمسين عامًا، وهو ما قد يُسوِّل لنا الافتراض بأن الدعاء ينتمي بالأصل للإمام الحسين، وأن ابن عطاء الله كان يُردِّدُه، حتى ليحسب تلاميذه ومريدوه أنه من دبَّجه. لكن حقيقة تشكُّك الشيعة أنفسهم في نسبة هذا القسم من الدعاء للإمام الحسين، وأن أسلوب دعاء الإمام يتغيَّر بغتة في القسم الأخير، وأن المخطوطات المبكرة للكتاب الوحيد الذي يُنسَب فيه هذا القسم من الدعاء للإمام الحسين لا تحتوي هي نفسها على هذا القسم؛11 فإن كل هذه القرائن تؤول بنا إلى نتيجة مفادها أنه من المؤكد تقريبًا كون ابن عطاء هو صاحب الدعاء على الحقيقة. أضِف إلى ذلك أننا بوسعنا الاستنباط من أبحاث كل من دانر ونويا أنه لم يكن ثم تشكُّك أبدًا حول نسبة الدعاء الأصلي لابن عطاء الله.
وهكذا، يصير من اﻷهمية بمكان تسجيل كيفية تبني التشيُّع واستيعابه لأحد التجليات الروحية لواحد من كبار شيوخ التصوّف في الإسلام السُّني، وبذا يتأكد ما ذهب إليه دانر عن “الجاذبية الكونية” للحكم العطائية،12 وما أشار إليه جمهرة من الكتاب والمؤلفين، وتحديدًا سيد حسين نصر وهنري كوربان؛ عن المشابهات الوثيقة بين التصوّف والتشيُّع.13 ومهما يكن من أمر، فمن المؤكد أن أي شيعي قد تأثَّر ببهاء هذا الدعاء سوف يُجيب بأن الإمام الحسين نفسه، بوصفه أحد حلقات السلسلة الصوفية الشاذُلية؛ هو مَنْ ألهم ابن عطاء الله دعاءه في حقيقة الأمر.
1 يقع هذا الكتاب في حوالي ألف صفحة، وقد جمعه ورتَّبهُ عباس القُمّي (المتوفى 1359هـ ق/1940م)، وقد طُبِع في حُللٍ مختلفةٍ وطبعاتٍ عديدةٍ في إيران والعراق ولُبنان.
2 الدعاء موجود كذلك في أكثر كتب الأدعية والمأثورات السُّنية، خصوصًا التي يتداولها الصوفية. وقد وجدته مؤخرًا في كتاب الأدعية الضخم حديث الصدور، والذي جمعه الداعية التُركي الأشهر محمد فتح الله گولن تحت عنوان: “القلوب الضارعة”، وهو من منشورات دار النيل بالقاهرة. (المعرِّب)
3 راجع: مفاتيح الجِنان، انتشارات علمى، تهران، 1381 هـ ق، ص 531-60. وقد أعددت ترجمة كاملة لهذا الدعاء، آمُل أن تُنشر بوصفها قسمًا من مختارات من أدعية ومقولات وخطب أئمة الشيعة، في المستقبل القريب.
4 للمزيد عن فيض كاشاني ومدرسة إصبهان؛ راجع:
- S.H. Nasr, “The School of Ispahan”, A History of Muslim Philosophy, ed. M.M. Sharif, Wiesbaden, 1966, vol. II, pp. 904-932.
5 راجع: الكلمات المكنونة، تحقيق: عزيز الله عطاردي قوچاني، طهران، 1383 هـ ش، صفحات: 5، 29، 34، 88، 100.
6 للمزيد عن سبزواري؛ راجع:
- S.H. Nasr, “Haji Mulla Hadi Sabziwari”, A History of Muslim Philosophy, vol. II, pp. 1543-1556.
7 راجع:
- شرح الأسماء، طهران، 1281 هـ ش، صفحات 51، 190، 346.
- شرح دعاء الصباح، طهران، 1283 هـ ش، صفحة 13.
وقد أعيدت طباعة الكتابين مؤخرًا في مجلد واحد صدر بمدينة قُم. وبوسعنا أن نذكر أيضًا الأمير القاجاري بديع الملك ميرزا عماد الدولة، الذي يقتبِس من هذا القسم من الدعاء في شرحه لكتاب المشاعر لملا صدرا؛ راجع:
-Le livre des penetrations metaphysiques, ed. By Henry Corbin, Tehran-Paris, 1964.
صفحة رقم 91 من النص الفارسي، وصفحة رقم 104 من النص الفرنسي.
8 - بحار الأنوار، قُم، 1388 هـ ق، ج 98، ص 227-28.
9 Ibn Ata’illah’s Sufi Aphorisms, Leiden, 1973, pp. 64-69.
10 Ibn Ata’ Allah, et la naissance de la confrerie sadilite, Beirut, 1972, pp. 209-229.
11 كان التوصيف الحرفي للمجلسي، والذي ورد مرتين في النص المنقول أعلاه؛ هو: “بعض النسخ العتيقة”، وهو ما يُفسِح المجال لاحتمال وجود هذا القسم من الدعاء في بعض النسخ الأخرى العتيقة. إلا أن السياق العام، ومن توظيف هذه الحقيقة لإثبات أن هذا الجزء من الدعاء هو على الأرجح مُستعار؛ فيبدو أن ما عناه المجلسي هو أن النص لم يوجد في النسخ العتيقة التي رآها. ومن الجلي أن أول ما سيفعله من لن يرتضي حجة المجلسي هو دراسة مخطوطات الكتاب المشار إليه.
12 Ibn Ata’illah’s Sufi Aphorisms, Leiden, 1973, pp. 20.
13 S. H. Nasr, Sufi Essays, London, 1972, chapter VIII.

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.