ثمة لحظات لا يمكن وصفها بأنها نهار، ولا يليق بها أن تسمى ليلًا. تقف بين الاثنين وكأنها لا تنتمي إلى أحد، تحمل من الضوء ما يكفي لتوقظ الدهشة، ومن الظلال ما يكفي لتمنح القلب سكينة لا يعرف مصدرها. هناك، حيث تخف حدة الشمس ويصبح الأفق أكثر اتساعًا، يبدأ السدف في الظهور، لا بوصفه مشهدًا عابرًا، بل بوصفه شعورًا يصعب الإمساك به.
لطالما شدني ذلك الوقت أكثر من أي ساعة أخرى في اليوم. ليس لأن السماء تكون أجمل، بل لأن كل شيء يبدو صادقًا على نحو غريب. الأشجار لا تتظاهر بالخضرة، والهواء لا يحاول أن يكون باردًا أو دافئًا، والمدينة، ولو للحظات قليلة، تتخلى عن ضجيجها المعتاد. كأن العالم كله يتذكر أنه خُلق ليكون هادئًا، قبل أن يركض مرة أخرى خلف ساعاته ومواعيده.
ربما لهذا السبب أحب مراقبة الشمس وهي تتراجع ببطء، لا لأنها تغيب، بل لأنها تعلمنا أن الجمال لا يحتاج إلى صخب حتى يُرى. لا تطلب من أحد أن ينظر إليها، ولا تتوسل الإعجاب، بل تمضي في طريقها المعتاد، تاركة خلفها لونًا لا تستطيع الريشة أن تنقله كما هو، ولا الكاميرا أن تحفظه كما تشعر به العين.
في تلك اللحظات أفكر كثيرًا في حياتنا. كم مرة حاولنا أن نكون مثل شمس الظهيرة، لامعين طوال الوقت، أقوياء طوال الوقت، ظاهرين طوال الوقت، حتى نسينا أن في الخفوت جمالًا لا يقل عن الوهج. وأن الإنسان ليس مطالبًا بأن يشرق في كل يوم بنفس القوة، فحتى الشمس تعرف متى تلين، ومتى تترك للسماء فرصة لتتنفس ألوانها.
السدف لا يدوم طويلًا، وربما لهذا نحبه. الأشياء التي تبقى معنا دائمًا نفقد قدرتنا على ملاحظتها، أما الأشياء العابرة فتعلمنا كيف ننظر جيدًا قبل أن تختفي. ولهذا، كلما وقفت أمام السماء في تلك الساعة، شعرت أن الحياة تهمس بشيء لا أستطيع سماعه كاملًا، لكنني أخرج بعدها أخف مما كنت.
أظن أن أجمل ما في السدف أنه لا يَعِد بشيء، ولا يطالب بشيء. يمنحك بضع دقائق من الصفاء، ثم ينسحب بهدوء، وكأنه يقول إن بعض النعم خُلقت لتُعاش، لا لتُحتفظ بها. وربما لهذا نظل ننتظر تلك اللحظة كل يوم، لا لأن السماء ستتغير، بل لأن شيئًا في داخلنا يحتاج، بين حين وآخر، إلى أن يتذكر أن الجمال ما زال موجودًا، وأن الضوء لا يكون عظيمًا فقط حين يملأ السماء، بل أيضًا حين يودعها برفق.
وربما لهذا السبب لا أستطيع أن أنظر إلى السدف بوصفه مجرد مشهد جميل. في كل مرة أراه، أشعر أنني أقف أمام آية تتكرر كل يوم، ومع ذلك لا تبهت. يتبدل لون السماء، وتنساب الظلال بهدوء، وتغيب الشمس في موعدها الذي لا يتأخر ولا يتقدم، وكأن الكون كله يسير على نظام لا يختل.
كل هذا يحدث أمام أعيننا يوميًا، حتى اعتدناه، وما اعتدناه غالبًا ما نتوقف عن التأمل فيه. لكن حين نطيل النظر قليلًا، ندرك أن الجمال لم يكن يومًا مصادفة، وأن هذا الاتساق المدهش ليس إلا أثرًا من آثار عظمة الخالق. فبعض المشاهد لا تزيد الإيمان بالكلمات، بل بالصمت الذي يسبقها، والسكينة التي تتركها بعد رحيلها.
ولعل أجمل أنواع التأمل هو ذلك الذي يعيد الإنسان إلى نفسه، ثم يأخذ بيده إلى السماء. فلا يخرج منها محملًا بالأفكار فحسب، بل بقلب أكثر امتنانًا، وأكثر يقينًا بأن وراء هذا الجمال خالقًا أبدع كل شيء فأحسن إبداعه.
هكذا يرحل السدف كل مساء، تاركًا وراءه لونًا لا يبقى في السماء، لكنه يبقى طويلًا في القلب. وربما لهذا لا أبحث عنه كل يوم لأراه، بل لأتذكر أن في هذا العالم ما يستحق أن نتأمله قبل أن نمضي مسرعين.
أغلق هذه الصفحة، كما تغلق الشمس يومها بهدوء، على أمل أن نلتقي في تأملٍ آخر، وحكايةٍ جديدة، تحمل من الجمال ما يجعلنا ننظر إلى الأشياء المألوفة بعينٍ لم تعتدها من قبل.
No posts

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.