شاع في الآونة الأخيرة فرار أفراد وعائلات من داخل مناطق "الخط الأصفر"، حيث كانوا يعيشون تحت حكم وسيطرة العصابات العميلة.
وبعض العائلات الفارة وصلت فجأة إلى مناطق غرب القطاع، وأخرى نسقت وصولها مع وجهاء وعشائر وأجهزة أمنية.
وكشف فارون من تلك المناطق عن أنماط من السلوك الوحشي والمعاملة المهينة، يتلقونها من أفراد وقادة تلك العصابات، حيث يعيشون في وضع مزري، وفي مناطق مغلقة لا يسمح لهم التحرك منها، ويتعرضون لتنكيل مستمر.
الفرار من جحيم العصابات
وكشفت تقارير وشهادات ناجين من عائلات وشبان تمكنوا من الفرار من المعسكرات التي تديرها مجموعات توصف بـ "العصابات العميلة" للاحتلال الإسرائيلي، وتحديداً من داخل ما يُعرف بـ "المنطقة الصفراء" أو "الخط الأصفر" في قطاع، عن وضع كارثي هناك، حيث يتم تعاطي المخدرات على نطاق واسع، وتنفيذ أحكام إعدام بكل من يحاول التمرد، أو يفكر بالفرار لغرب القطاع، أو يحاول التوقف عن طاعة أوامر ضباط المخابرات الإسرائيليين.
ووفق شهادات لشبان وعائلات نجحت في الفرار من تلك العصابات، فإن قادتها دائما ما يهددون المنتسبين للعصابات وعائلاتهم، بالقصف بطائرات ودبابات الجيش الإسرائيلي في حال قرروا العودة إلى عائلاتهم.
كما أكد ناجون أن قادة تلك المجموعات يرتكبون فظائع وانتهاكات صارخة بحق المدنيين العالقين داخل "الخط الأصفر"، تصل في بعض الأحيان لممارسات لا أخلاقية.
وأكد بعض الناجين أنه في كثير من الأحيان يتم استدراج الشباب العاطلين عن العمل عبر إعلانات توظيف وهمية، وإغرائهم برواتب عالية، ليكتشفوا أن كل ما سمعوه كان مجرد كذب، وأنهم وقعوا ضحية لهؤلاء العملاء، قبل أن يتم إجبارهم على العمل لصالح المخابرات الإسرائيلية.
عودة مُرحب بها
من جهتها أكدت "قوة رادع"، التابعة للمقاومة، أنها تعاملت مؤخراً مع عائلات فارّة من معسكر العصابات العميلة الموجود في المنطقة الصفراء شمال قطاع غزة.
وبحسب "رادع"، فإن الشهادات الأولية للعائلات الفارّة من معسكر العصابات العميلة، تؤكد ارتكاب العملاء فظائع وجرائم أخلاقية وجنائية.
وقالت رادع في أحدث بياناتها: " في إطار الجهود الأمنية المكثفة، تمكنا بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والعشائر والعائلات، من معالجة عدد من ملفات المنضمين إلى العصابات العميلة، ما أثمر عن تسليم 40 شخصًا أنفسهم وعودتهم إلى حضن شعبهم، بينهم رجال ونساء وأطفال.
وأكدت "رادع"، أن هذه الخطوة جاءت نتيجة متابعة حثيثة وجهود متواصلة، إلى جانب الدور الوطني للعائلات والعشائر في احتواء أبنائها ودفعهم إلى التراجع عن هذا الطريق والعودة إلى مجتمعهم.
وأوضحت "رادع"، أن أبواب العودة وتسوية الأوضاع مفتوحة أمام من يقرر التراجع عن طريق العمالة، وأن استمرار الانخراط في خدمة الاحتلال لن يحمي أصحابه من تبعات أفعالهم.
اعترافات صادمة
وجرى مؤخراً توثيق بعض الاعترافات الخطيرة، لمنشقين عن تلك العصابات، حيث أدلى شاب انشق عن العصابات العميلة باعترافات مثيرة تضمنت عمليات استدراج للشباب العاطلين عن العمل عبر إعلانات وهمية، قبل الزج بهم داخل ميليشيات بتنسيق مباشر مع مخابرات الاحتلال الإسرائيلي.
وقال الشاب وهو من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة في مقطع فيديو نشرته منصة “الحارس” الأمنية، إن الظروف الاقتصادية الصعبة التي أعقبت اندلاع حرب الإبادة على غزة دفعته إلى البحث عن أي فرصة عمل، بعدما انعدمت مصادر الدخل وارتفعت معدلات البطالة بصورة غير مسبوقة.
وأوضح أن رحلته بدأت عندما استجاب لإعلان منشور على حساب وهمي على الفيسبوك، كان يروج لتوفير فرص عمل للشباب داخل القطاع، مقابل رواتب مجزية، مضيفاً أن القائمين على الإعلان قدموا وعوداً كثيرة باستيعاب الشباب وتوفير دخل ثابت لهم.
وأضاف: "أن تلك الوعود سرعان ما تبين أنها غير صحيحة، مؤكداً أنهم لم يحصلوا على أي فرصة عمل أو رواتب كما أُبلغوا في البداية، قبل أن يكتشفوا أن المجموعة التي التحقوا بها تعمل بصورة مباشرة مع مخابرات جيش الاحتلال الإسرائيلي".
وكشف الشاب المنشق أن واقع الخداع الذي تعرضوا له داخل مناطق انتشار العصابات العميلة دفعه مع نحو أحد عشر شاباً آخرين إلى اتخاذ قرار جماعي بمغادرة المكان والفرار، بعدما أدركوا طبيعة النشاط الذي كانوا قد أُقحموا فيه.
ووصف الشاب الأجواء داخل مواقع تلك العصابات بأنها يسودها الخوف والتوتر بشكل دائم، مؤكداً أن حالة انعدام الثقة كانت تسيطر على جميع الموجودين.
وأكد أن المدعو الجاسوس شوقي أبو نصيرة يمارس الظلم والاعتداء على الشباب الموجودين معه لأتفه الأسباب، قائلاً إنه لا يشعر أي شخص بالأمان في ظل أسلوب التعامل الذي يفرضه داخل المجموعة.
وأضاف أن المنسحبين تعرضوا بعد قرارهم لمغادرة الميليشيا إلى تهديدات بالقتل المباشر، موضحاً أن المدعو ناصر أبو ستة هددهم باستهدافهم بواسطة مدفعية الاحتلال الإسرائيلي إذا أصروا على الانسحاب.
وقال إنهم رفضوا تلك التهديدات وتمسكوا بقرارهم، مضيفاً: “قلنا نموت شهداء ولا نموت عملاء”، في إشارة إلى رفضهم الاستمرار في العمل مع المجموعة.
بينما أكدت "رادع"، أن بعض الفارين من معسكر العصابات العميلة أدلوا بشهادات أولية مروعة حول انتهاكات أخلاقية وعمليات ابتزاز وتعذيب داخل معسكر العملاء.
وبحسب "رادع، فقد أفاد أحد الفارين بأن كبار العملاء والمتنفذين في عصابة العميل أشرف المنسي ارتكبوا اعتداءات جنسية جماعية بحق نساء، وأجبروا أزواجهن على مشاهدة ذلك وتوثيقه بالكاميرا.
كما أفادت إحدى الفارات بأنها واجهت خطرًا على حياتها وحياة أطفالها أكثر من مرة، بسبب القوارض وانتشار وباء جلدي بين الأطفال، في ظل عدم وجود مرافق طبية داخل معسكر العملاء.
ظاهرة تتلاشى
وتحدثت الكثير من الصحف ووسائل الإعلام العبرية، وحتى محللون إسرائيليون، عن فشل الرهان الإسرائيلي بنجاح فكرة المليشيات.
وقالت "صحيفة الغارديان" البريطانية إن الرهان الإسرائيلي الذي ظهر خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة بتأسيس وتمويل عصابات عميلة فاشل وعديم الجدوى.
وأبرزت الصحيفة في تقرير لها، أن دولة الاحتلال دعمت تشكيل عصابات عميلة في قطاع غزة بهدف مواجهة فصائل المقاومة لا سيما حركة "حماس" ونشر الفوضى والفلتان الأمني.
وأشارت الصحيفة إلى أن العصابات العميلة نفذت عمليات محدودة ضد فصائل المقاومة وحركة حماس وأدت مهام تكتيكية متفرقة، إلا أن نتائجها بقيت متفاوتة ومشكوك بها.
ونقلت "صحيفة الغارديان" في تقريرها عن "مايكل ميلشتاين"، الضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية والمحلل في جامعة تل أبيب قوله إن العصابات العميلة “لن تغير بأي حال الوضع الاستراتيجي في غزة”.
وأبرز "ميلشتاين"، أن العصابات العميلة “لا تتمتع بأي دعم شعبي ولا يمكن أن تشكل بديلاً لحركة حماس”.
وختتم "ميلشتاين" بالقول: “لا يمكنك الاعتماد على الوكلاء (العصابات العميلة)، فهم ليسوا عديمي الفائدة فحسب، بل إنهم يتسببون أيضاً في مزيد من الضرر”.
وبحسب ما نشرته صحيفة “زمان يسرائيل”، فإن محاولات حكومة الاحتلال تقديم هذه المجموعات باعتبارها قوة قادرة على إدارة مناطق في القطاع لم تنجح، مشيرة إلى أن السيطرة الفعلية ما زالت بيد حركة حماس في معظم المناطق المأهولة.
وأوضحت الصحيفة أن هذه العصابات لم تتمكن من بناء حضور شعبي أو تحقيق تأثير ميداني واضح، رغم الدعم الذي تلقته من الاحتلال، مبينة أن أعداد عناصرها لا تزال محدودة.

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.