ملخص
منذ تولي بيت هيغسيث منصب وزير الحرب، برزت زوجته جينيفر كمستشارة غير رسمية داخل "البنتاغون"، إذ تجاوز دورها مرافقة الوزير إلى تقديم المشورة له، والمشاركة في مقابلات التوظيف، والحضور في اجتماعات حساسة. وجاء هذا النفوذ امتداداً لشراكة بدأت في "فوكس نيوز"، حيث عملت منتجة برنامجه التلفزيوني لسنوات، قبل أن تنتقل معه إلى واشنطن وتصبح مستشارته الأقرب، في دور دفع منتقدين إلى وصفها بـ"السيدة الأولى للبنتاغون".
تتولى زوجة الرئيس الأميركي مسؤوليات شرفية بحكم موقعها كسيدة أولى، وكذلك الأمر بالنسبة لزوجة نائبه، ويكون لهن عادة حضور عام وسياسي يبرز أو يخفت بحسب تفضيلاتهن، لكن زوجات الوزراء قلّما يحظين بتأثير مماثل، باستثناء امرأة واحدة وهي جينيفر هيغسيث، زوجة وزير الحرب بيت هيغسيث، التي باتت توصف بأنها "السيدة الأولى للبنتاغون"، في إشارة إلى حضور تجاوز المناسبات الرسمية إلى أدوار مؤثرة داخل الوزارة، بعضها معلن وبعضها خلف الكواليس.
منذ تولي هيغسيث منصبه في 2025، أصبحت جينيفر، التي أمضت نحو 18 عاماً في "فوكس نيوز" وعملت لسنوات منتجة لبرنامجه التلفزيوني، تؤدي أدواراً غير تقليدية بالنسبة إلى زوجة وزير، ففي مايو (أيار) الماضي ظهرت على متن سفينة عسكرية أميركية في سنغافورة وهي تمارس التمارين الرياضية مع زوجها وعسكريين أميركيين، وفي يونيو (حزيران) رافقته إلى فرنسا لإحياء ذكرى إنزال النورماندي.
ولم يقتصر حضورها على مرافقة زوجها في الجولات والمناسبات العسكرية، إذ تولت هذا الشهر منصباً غير مدفوع الأجر كرئيسة "لجنة الرئيس لشؤون أزواج العسكريين"، التي أنشئت لتحسين ظروف حياة العائلات العسكرية، ووقفت خلف الرئيس ترمب في المكتب البيضاوي أثناء إعلانه المبادرة.
لكن المنصب الجديد لم يكن أول ما لفت الأنظار إلى نفوذها المتزايد، فالعام الماضي تبين أن جينيفر كانت ضمن مجموعة على تطبيق "سيغنال" شارك فيها هيغسيث الخطط العسكرية لضرب الحوثيين في اليمن، وهي الواقعة التي دفعت إلى تساؤلات أوسع حول حدود تأثيرها داخل "البنتاغون".
"منتجة" الوزير
توصف جينيفر (49 سنة) بأنها المستشارة الأكثر تأثيراً على هيغسيث، في علاقة تعيد داخل "البنتاغون" نموذج الشراكة المهنية التي جمعتهما سابقاً في "فوكس نيوز"، فلسنوات كانت جينيفر منتجة برنامجه التلفزيوني، واليوم تبدو، وفق "نيويورك تايمز"، أقرب إلى "المنتجة الفعلية" للوزير، فهي توجّه ظهوره الإعلامي، وتحضر اجتماعاته مع الصحافيين، وتناقش معه منشورات وزارة الدفاع، بل أجرت بنفسها مقابلات مع مرشحين للعمل ضمن فريقه.
وبرز دور جينيفر مبكراً قبل تثبيت هيغسيث في منصبه، فعندما وصل الزوجان إلى واشنطن في ديسمبر (كانون الأول) 2024، رافقته جينيفر إلى اجتماعاته مع أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ قبيل جلسات تثبيته، وهو حضور أثار استغراب بعضهم لعدم الاعتياد على اصطحاب المرشحين لزوجاتهم إلى مثل هذه الاجتماعات.
وخلال المرحلة الانتقالية، شاركت أيضاً في اختيار أعضاء فريقه، إذ يتذكر جون أوليوت، الذي أصبح لاحقاً متحدثاً باسم "البنتاغون"، أنه تلقى اتصالاً يبلغه بأن جينيفر ترغب في مقابلته، وكان يتوقع لقاء تعارف قصيراً، لكنه وجد نفسه أمام مقابلة استمرت نحو 40 دقيقة طرحت خلالها، بحسب وصفه، "أسئلة مفصلة على نحو غير متوقع وحادة"، من بينها كيفية تعامله مع وسائل إعلام معادية.
![]()
جينيفر هيغسيث مع زوجها في مبنى الكونغرس (أ ف ب)
ولا يبدو إصرار هيغسيث على وجود زوجته إلى جانبه مرتبطاً بالعمل وحده، إذ نقلت "نيويورك تايمز" عن مصدر قريب منه أن هيغسيث يفضل أن ترافقه جينيفر في رحلاته كي "تبقيه بعيداً من المتاعب"، في إشارة إلى مشكلته مع الإفراط في شرب الكحول، وفي حين ينفي هيغسيث إدمان الكحول، إلا أنه أقر في مقابلة عام 2021 بأنه أفرط في الشرب بعد خدمته العسكرية في العراق، وتعهد الامتناع عن ذلك تماماً إذا أصبح وزيراً.
ويوضح هيغسيث بنفسه حجم اعتماده الشخصي على زوجته، إذ كثيراً ما ينسب الفضل إليها في تغيير حياته، وقال قبل أسابيع من جلسة تثبيته في المنصب "جيني، زوجتي جينيفر، غيرت حياتي وأنقذتني، ولا شك في ذلك". ولذا تبدو مرافقة جينيفر له جزءاً من علاقة تتداخل فيها الحياة الشخصية بالعمل السياسي، وهو التداخل نفسه الذي أثار لاحقاً الجدل عندما امتد حضورها إلى دوائر "البنتاغون".
داخل الغرف الحساسة
تجاوز حضور جينيفر ملفات الإعلام والتوظيف إلى اجتماعات أثارت حساسية أكبر، ففي العام الماضي، حضرت اجتماعاً ضم زوجها وكبار مسؤولي الدفاع البريطانيين بعد أن أوقفت الولايات المتحدة موقتاً مشاركة المعلومات الاستخبارية العسكرية مع أوكرانيا، وهو قرار خشيت لندن من أنه يعرّض جنودها الموجودين في أوكرانيا للخطر. واضطر الوفد البريطاني إلى التحدث بعبارات فضفاضة وعامة بسبب شعورهم بعدم الارتياح لوجود جينيفر، قبل أن يعقد لاحقاً اجتماع أصغر من دون حضورها لمناقشة التفاصيل الحساسة، وفق "وول ستريت جورنال".
ودافع المتحدث باسم "البنتاغون" شون بارنيل عن جينيفر قائلاً إنها لم تحضر سوى الجزء الأول المخصص للتعارف وغادرت بعد فترة وجيزة، مؤكداً أنها لم تكن موجودة في أي اجتماع أو محادثة لوزارة الدفاع نوقشت خلالها معلومات سرية. ولم يوضح "البنتاغون" ما إذا كانت جينيفر تحمل تصريحاً أمنياً، ولم ترد خلال العام الماضي تقارير عن استمرار حضورها اجتماعات حساسة مع قادة أجانب، إلا أنها لا تزال تتمتع بوصول مباشر إلى مقر الوزارة ودائرة زوجها، وتستخدم، وفق "نيويورك تايمز"، مصعداً من مرآب "البنتاغون" يؤدي مباشرة إلى جناح مكتب الوزير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووصف بارنيل جينيفر بأنها "قائدة ناجحة في حد ذاتها وزوجة عسكرية مخلصة"، وقال إنها "عنصر بالغ الأهمية وقوة مضاعفة حقيقية لمهمتنا"، مضيفاً أن الوزارة "لا ترحب بقيادتها الحالية فحسب، بل تخطط بصورة نشطة لإشراكها على نحو أعمق في المستقبل".
لكن منتقدي هيغسيث يرون في ذلك تجاوزاً للحدود الطبيعية بين الحياة الشخصية والعمل الرسمي، إذ يقول أوليوت، الذي غادر "البنتاغون" بعد ثلاثة أشهر من العمل تحت قيادته، "من الجنوني أن يُشرك وزير دفاع زوجته في مهماته الرسمية الحساسة، بما في ذلك مشاركتها تفاصيل عملية عسكرية وشيكة، ثم لا يواجه أي عواقب". وانتقد السيناتور الديمقراطي كريس كونز العام الماضي وجود جينيفر في مجموعة "سيغنال"، وأشار إلى أن امتلاك الوزير صلاحيات واسعة للوصول إلى المعلومات السرية لا يعني إمكان مشاركتها مع زوجته.
مواجهة الإعلام
يظهر تأثير جينيفر في علاقة زوجها بوسائل الإعلام، فعلى رغم أنها أمضت نحو عقدين تعمل صحافية ومنتجة تلفزيونية، تقول "نيويورك تايمز" إنها شجعت مواقف هيغسيث الصدامية تجاه الصحافة وشاركت في الدفع نحو تشديد القيود على الصحافيين العاملين داخل "البنتاغون"، وبعد توليه المنصب، كانت جينيفر ترغب، في سحب تصاريح صحافيين رأت أنهم نشروا تقارير سلبية عن زوجها، وفق "نيويورك تايمز".
وأمس الجمعة، أقال "البنتاغون" مسؤولين في صحيفة "ستارز آند سترايبز" التي تغطي أخبار الجيش الأميركي منذ حقبة الحرب الأهلية، وقال إريك سلافين، رئيس تحرير الصحيفة الممولة جزئياً من الوزارة، في مقابلة مع شبكة "سي بي أس نيوز"، إن إقالته من منصبه جاءت بسبب "عصيان الأوامر".
وقال أوليوت المتحدث السابق باسم " البنتاغون" إن هيغسيث أُبلغ بأن استهداف صحافيين بعينهم قد يعرض الوزارة لمشكلات قانونية، مما دفع "البنتاغون" في فبراير (شباط) إلى إعلان ما سماه "برنامج التناوب الإعلامي السنوي"، الذي أخرج "نيويورك تايمز" و"أن بي سي نيوز" و"أن بي آر" و"بوليتيكو" من مساحات عملها داخل المبنى، ومنحها لـ"نيويورك بوست" و"بريتبارت نيوز" و"وان أميركا نيوز" و"هاف بوست".
![]()
يصر هيغسيث على أن ترافقه زوجته في جولاته الرسمية (أ ف ب)
وفي مرحلة لاحقة نُقل جميع الصحافيين إلى ملحق خارج المبنى، في خطوة عزتها الوزارة إلى أعمال تجديد، فيما رفعت "نيويورك تايمز" دعوى قضائية ضد وزارة الدفاع اعتراضاً على القيود الجديدة، ويمنح هذا الملف خصوصية إضافية لدور جينيفر، إذ إنها لا تؤثر فقط في الصورة الإعلامية لزوجها كما كانت تفعل في "فوكس"، بل أصبحت جزءاً من النقاش حول العلاقة بين المؤسسة العسكرية ووسائل الإعلام.
حكاية بدأت في "فوكس"
بنت جينيفر مسيرتها المهنية داخل غرف الأخبار، وهي ابنة مسؤول تنفيذي سابق في "لوكهيد مارتن"، ودرست الصحافة في جامعة "تاوسون" بولاية ماريلاند، ثم بدأت عام 2001 العمل منتجة في محطة "دبليو بي آي إكس" بنيويورك. وفي 2006 انضمت إلى "فوكس نيوز"، حيث أمضت 18 عاماً وتدرجت حتى أصبحت منتجة تنفيذية لبرنامج "فوكس أند فريندز"، أحد أبرز البرامج الصباحية في الشبكة. ووصفها زملاء سابقون بأنها ذكية ومنظمة وشديدة الاجتهاد، ولديها قدرة واضحة على تحديد القصص التي تجذب جمهور "فوكس".
أما بيت هيغسيث، خريج جامعة برينستون والجندي السابق في العراق وأفغانستان، فانضم إلى الشبكة عام 2014، وسرعان ما تحول إلى أحد وجوهها الصاعدة، وبحلول 2016، حين كان يشارك بانتظام في تقديم "فوكس أند فريندز ويك إند"، بدأت العلاقة بين الاثنين بينما كان كل منهما لا يزال متزوجاً. وبعد شهرين من طلاق جينيفر من زوجها الأول في يونيو (حزيران) 2017، أنجبت ابنتها من هيغسيث في أغسطس (آب)، وتزوجا في أغسطس 2019.
ومع مرور السنوات، تحولت العلاقة التي بدأت بين مذيع ومنتجته إلى شراكة شخصية ومهنية شديدة الترابط، وانتقلت تلك الشراكة من غرفة أخبار "فوكس"، إلى "البنتاغون" بعد انتقالهما إلى واشنطن، حيث مارست جينيفر الدور نفسه بصورة أوسع وأكثر حساسية، من إدارة الصورة والرسالة إلى المشاركة في اختيار الموظفين في وزارة الحرب، ومرافقة الوزير في الجولات العسكرية والاجتماعات.
وفي العلن، تحافظ جينيفر في الوقت ذاته على بعض الأدوار التقليدية لزوجة مسؤول كبير، فقد استضافت في مايو (أيار) حفلة بحديقة "البنتاغون" تكريماً لأمهات العسكريين، وزارت في فبراير (شباط) مدرسة تابعة لوزارة الدفاع في قاعدة "فورت كامبل"، كما نظمت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي حفلة شاي بمناسبة عيد الميلاد لعائلات "النجمة الذهبية"، وهم أقارب العسكريين الذين قتلوا أثناء الخدمة .
وقالت خلال إعلان ترمب الأخير لجنة أزواج العسكريين إن لقاءاتها مع العائلات العسكرية، من "فورت كامبل" إلى سنغافورة، عرّفتها بصورة مباشرة إلى المشكلات التي تواجه الأسر، وعددت بينها "السكن والرعاية الصحية والتوظيف ورعاية الأطفال والتعليم".
وبين هذه الصورة التقليدية لزوجة وزير الدفاع ودورها غير التقليدي خلف أسوار "البنتاغون" الحصينة، تشكل جينيفر هيغسيث نموذجاً لم تعرفه وزارة الحرب من قبل، لا كزوجة تساند زوجها فحسب، بل بوصفها مستشارة غير رسمية ذات نفوذ مزعج لمنتقدي الوزير.

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.