ملخص
يقول مسؤولون لـ"اندبندنت عربية" لا تمنح شركة التأمين تصريحاً ملاحياً، لكن قرارها يحدد في حالات كثيرة ما إذا كانت الرحلة مجدية وقابلة للتمويل. ويشترط ممولون ومستأجرون وأصحاب بضائع وجود تأمين مقبول قبل الإبحار، ولهذا تعمل بوليصة الحرب عملياً كبوابة تجارية تسبق دخول السفينة إلى المضيق.
قبل أن تتجه سفينة إلى مضيق هرمز، يطلب مالكها من شركة التأمين تغطية أخطار الحرب، وتزداد أهمية هذا الغطاء مع استمرار تعرض سفن تجارية لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، ألحقت أضراراً بها وعرَّضت حياة بحارتها للخطر.
إذا رفضت شركة التأمين الطلب أو فرضت سعراً مرتفعاً، فقد تتأجل الرحلة أو يتغير مسارها، إذ يصعب على المالك المخاطرة بسفينة وحمولة قد تصل قيمتهما إلى مئات الملايين من الدولارات من دون غطاء يعوض الخسائر المحتملة في الأرواح والممتلكات.
ولا تمنح شركة التأمين تصريحاً ملاحياً، لكن قرارها يحدد في حالات كثيرة ما إذا كانت الرحلة مجدية وقابلة للتمويل. ويشترط ممولون ومستأجرون وأصحاب بضائع وجود تأمين مقبول قبل الإبحار، ولهذا تعمل بوليصة الحرب عملياً كبوابة تجارية تسبق دخول السفينة إلى المضيق.
ما الذي تغطيه البوليصة؟
يعد تأمين أخطار الحرب غطاءً إضافياً تشتريه شركات الشحن عند دخول مناطق عالية الخطورة، إذ تستبعد كثير من وثائق التأمين البحري المعتادة الأضرار الناتجة من الحروب والصواريخ والألغام والأعمال العدائية، بحسب شروط كل وثيقة.
وقالت الرئيسة التنفيذية لشركة "الأفضل لوساطة التأمين" السعودية صفا النعيم في حديثها إلى "اندبندنت عربية"، إن التغطيات المرتبطة بتشغيل السفن تنقسم إلى أنواع رئيسة، من بينها تأمين بدن السفينة وآلاتها، الذي يغطي الأضرار المادية، وتأمين الحماية والتعويض "P&I"، الذي يغطي مسؤوليات المالك تجاه الغير مثل إصابات الطاقم والتلوث والمطالبات القانونية، إضافة إلى تأمين أخطار الحرب الذي يغطي الخسائر الناتجة من الحروب والهجمات المسلحة.
وتؤمن البضائع عادة من خلال وثائق منفصلة، فيما قد تصدر تغطية أخطار الحرب لرحلة محددة أو مدة قصيرة قد تبلغ سبعة أيام. ويحسب القسط غالباً كنسبة من قيمة السفينة، ويتغير بحسب المسار وعلم السفينة وملكيتها وسجلها ونوع حمولتها.
وأوضحت النعيم أن التأمين لا يمنع وقوع الهجمات، لكنه يوفر آلية تعاقدية لتنظيم تحمل الخسائر وتعويض الأضرار المحتملة.
ويرتبط استمرار تشغيل السفن في المناطق الحساسة بتوافر تغطيات مناسبة، نظراً إلى اشتراطها في كثير من عقود التمويل والشحن ونقل البضائع.
من الخطر المحتمل إلى الخطر المثبت
ترتفع أسعار التأمين البحري عندما تتحول التهديدات من احتمالات تحسبها النماذج إلى هجمات فعلية ومتكررة، لأن الخسارة المحتملة لا تقتصر على إصلاح السفينة، وتشمل البضائع والإنقاذ وتعطل الرحلة وإصابات الطاقم والمطالبات القانونية.
وقالت النعيم إن وقوع هجمات مباشرة يدفع شركات التأمين وإعادة التأمين إلى تحديث تقييماتها، ورفع الأقساط أو تعديل شروط التغطية بما يتناسب مع مستوى الخطر الجديد.
وأضافت أن حساسية المنطقة قبل وقوع الهجمات تكون محسوبة ضمن السعر، لكن تكرار الحوادث ينقلها إلى مرحلة "الخطر المثبت بالوقائع"، مما يرفع احتمال وقوع خسائر أخرى ويؤدي إلى إعادة تسعير الرحلات.
وتؤدي شركات إعادة التأمين دوراً أساساً في هذه العملية، إذ تتحمل جزءاً من الأخطار الكبيرة التي قد تتجاوز قدرة شركات التأمين المباشر. وعندما ترفع شركات إعادة التأمين أسعارها أو تقلص حمايتها أو تفرض قيوداً جديدة، تنتقل هذه التغييرات إلى الوثائق المقدمة لملاك السفن.
"رفع اليد" لا يعني توقف التأمين
في مطلع مارس (آذار) الماضي، وجهت سبعة من أصل 12 نادياً في "المجموعة الدولية لأندية الحماية والتعويض" إشعارات بإنهاء تغطيات محددة لأخطار الحرب داخل الخليج والمياه الإيرانية ومناطق مجاورة، اعتباراً من الخامس من مارس الماضي.
وجاء القرار بعد إلغاء معيدي التأمين الحماية التي تعتمد عليها تلك الأندية، بحسب الإشعارات المنشورة. وتغطي أندية المجموعة نحو 90 في المئة من حمولة السفن العابرة للمحيطات حول العالم.
واقتصر الإلغاء على أخطار الحرب ضمن وثائق محددة، بينما بقيت التغطيات الأخرى سارية. وأمكن شراء غطاء بديل أو إعادة تغطية الأخطار بشروط وأسعار جديدة.
وأوضحت النعيم أن بعض وثائق التأمين تسمح بتعديل تغطية أخطار الحرب أو إلغائها عند حدوث تغير جوهري في مستوى الخطر، وفق الشروط والمهلة المنصوص عليهما في العقد.
وأكدت أن الحديث عن "رفع شركات التأمين يدها" عن منطقة بحرية لا يعني توقف جميع أنواع التأمين.
ويظهر التشدد عادة في رفع الأسعار، أو خفض حدود التعويض، أو استثناء أخطار محددة، أو فرض شروط إضافية، أو طلب موافقة خاصة قبل بدء الرحلة.
وأضافت أن قابلية تعديل غطاء الحرب لا تلغي القيمة الأساس للتأمين البحري، لأنه يوفر حماية مالية منظمة ضمن شروط معلومة، مع بقاء بعض التغطيات الأساس سارية حتى عند تعليق تغطيات مرتبطة بالحروب والنزاعات.
هوية السفينة تحدد السعر
لا يعتمد قرار شركة التأمين على موقع الرحلة وحده، فهي تراجع علم السفينة ومالكها ومشغلها ومستأجرها والموانئ التي زارتها، إضافة إلى نوع الحمولة ومصدرها ووجهتها.
وتظهر هذه المعايير في برنامج التأمين الذي أنشأته مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية بالتعاون مع شركة "تشب"، ويطلب البرنامج رقم السفينة الدولي وعلمها وبيانات المالك والمشغل والمستفيد الحقيقي والطاقم، إلى جانب قيمة الحمولة ومالكها ومصدرها ووجهتها.
ولهذا قد تحصل سفينتان من الحجم والنوع نفسيهما على سعرين مختلفين. وقد تقبل شركة التأمين تغطية إحداهما وترفض الأخرى إذا رأت أن ملكية السفينة أو حمولتها أو سجل موانئها يزيد احتمال استهدافها.
كلفة قد تبلغ 10 في المئة
ويقول الرئيس العالمي لقطاع النقل البحري والبضائع والخدمات اللوجيستية لدى "مارش" ماركوس بيكر، في الـ22 من يوليو (تموز) الماضي، إن عروض تأمين أخطار الحرب لعبور "هرمز" تراوحت ما بين 7.5 و10 في المئة من قيمة بدن السفينة.
وكانت العروض تراوح قبل ذلك بأسابيع ما بين واحد وثلاثة في المئة، مقارنة بنحو 0.25 في المئة قبل الحرب، وفق "أس أند بي غلوبال".
وبحسب هذا النطاق، قد يكلف تأمين سفينة قيمتها 100 مليون دولار ما بين 7.5 و10 ملايين دولار. ولا تمثل هذه النسب سعراً ثابتاً لجميع السفن، إذ تتغير العروض بحسب يوم الرحلة ومسارها وبيانات السفينة والحمولة.
وتؤثر الهجمات الجديدة في الأسعار سريعاً. ففي الـ14 من أغسطس (آب) الجاري قالت شركة "أدنوك" إن إحدى سفنها تعرضت لهجوم أثناء عبورها "هرمز" من دون تسجيل إصابات.
وكانت الواقعة الثالثة التي تشمل سفناً تابعة للشركة خلال أقل من أسبوع، بحسب "رويترز".
وقال المتخصص في التأمين معتصم الشريف، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إن شركات التأمين تعيد تقييم أخطار الرحلة كلما تغير مستوى التهديد أو طبيعته. وعندما ينتقل الخطر من نزاع قريب من الممر إلى استهداف مباشر للسفن التجارية، قد تلغي الشركة بعض الأغطية القائمة أو تعدل شروطها وفق بنود العقد، ثم تقدم تغطية جديدة بقسط أعلى.
وأوضح أن الاستهداف المباشر يرفع حجم الخسارة المحتملة، لأن شركة التأمين تحسب قيمة السفينة والحمولة، إلى جانب احتمال وقوع خسائر بشرية. ولذلك تقفز الأقساط عندما تتكرر الهجمات أو تصبح السفن التجارية هدفاً مباشراً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التأمين يرفع أجور الشحن
ينعكس قرار إعادة التسعير على أجور الشحن. وأشار الشريف، استناداً إلى عروض قال إنه رصدها في السوق، إلى ارتفاع أجرة بعض الحاويات من الصين إلى جدة من نحو 3000 دولار إلى ما بين 6000 و7000 دولار، ووصولها في حالات محددة إلى 10 آلاف دولار.
ولا تمثل هذه الأرقام سعراً عاماً، إذ تختلف الأجرة بحسب حجم الحاوية وميناء الانطلاق والخط الملاحي وموعد الحجز. وتتأثر بقسط التأمين واستهلاك الوقود وطول الرحلة وتوافر السفن.
وأضاف الشريف أن بعض شركات الملاحة تواصل الوصول إلى الموانئ السعودية وتتحمل أقساط أخطار أعلى نظراً إلى أهمية السوق، بينما تختار شركات أخرى مساراً أطول.
وقدر أن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ثم دخول البحر المتوسط عبر مضيق جبل طارق وعبور قناة السويس إلى جدة، قد يرفع زمن بعض الرحلات من نحو 30 يوماً إلى ما بين 45 و50 يوماً.
سفن تنتظر وأخرى تغير مسارها
دفعت الأخطار الأمنية وصعوبة التأمين وارتفاع كلفته شركات شحن إلى استخدام نقاط تحميل خارج المناطق عالية الخطورة.
وأبقت شركتا "كوسكو للشحن والطاقة" و"تشاينا ميرشنتس إنرجي شيبينغ" الحكوميتان ناقلاتهما خارج مضيقي هرمز وباب المندب منذ أواخر يوليو الماضي، على رغم أنهما كانتا تنقلان معاً نحو نصف واردات الصين النفطية من الشرق الأوسط قبل الحرب، وفق "رويترز".
واتجهت الشركتان إلى نقل النفط بين السفن قبالة الفجيرة وموانئ عمان. وتجاوز حجم هذه العمليات 600 ألف برميل يومياً في يونيو (حزيران) ويوليو الماضيين، بعدما كان محدوداً خلال الشهرين السابقين.
وغيرت ناقلة صينية مسارها في مطلع أغسطس الجاري، وعبرت قناة السويس فارغة لتحميل نفط سعودي من ميناء سيدي كرير المصري على البحر المتوسط. ويساعد هذا المسار على تجنب مضيقي هرمز وباب المندب، لكنه يطيل الرحلة ويرفع كلفتها.
الكلفة تصل إلى المستهلك
وقال المتخصص في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجيستية نشمي الحربي، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إن الارتفاع الكبير في أقساط "هرمز" والبحر الأحمر يمثل تحدياً لوجيستياً أمام شركات الشحن، لأنه يؤثر في اختيار المسار وتوافر السفن ومواعيد التسليم.
وأوضح الحربي أن كلفة التأمين تضاف إلى الوقود والرحلات الأطول ونقص السفن المتاحة، ثم تنتقل إلى المستوردين عبر أجور النقل، وقد يصل جزء منها لاحقاً إلى أسعار الغذاء والسلع اليومية.
وتتفق النعيم مع أن زيادة القسط تبدأ داخل قطاع التأمين، لكن أثرها يمتد إلى سلسلة التجارة. فقد تحمل شركة النقل الزيادة على أجرة الشحن، ثم تنتقل إلى المستورد أو المصدر، قبل أن تنعكس على أسعار بعض السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.
ولا تنتقل الزيادة كاملة أو فوراً إلى المستهلك في كل الحالات، إذ يتوقف حجمها على مدة الأزمة، ونوع السلعة، ومخزونها، وقدرة الشركات على استخدام موانئ أو طرق بديلة.

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.