ماذا يحدث لو جرّدنا الوعي البشري من كل حشوه اللغوي وحوّلناه إلى معادلة رياضية عارية؟ العبارة الأكثر تقديساً وأماناً في تاريخ الفلسفة: «أنا أفكر، إذًا أنا موجود»، تنهار بالكامل وتتحول إلى حقيقة مرعبة بمجرد أن نكتبها هكذا:
( ) أفكر، إذًا ( ) ( )
هذه الأقواس الفارغة ليست خطأً مطبعياً، بل هي التوصيف الأصدق والأعمق لوجودنا؛ الفراغ الحقيقي الذي طالما اختبأنا منه خلف جدران الحروف والأسماء التي نسينا أننا نحن من اخترعناها
في مقال سابق، بعنوان «هل نحن أحياء... أم ترتيب متقدّم للمادة؟
حاولنا الاقتراب من فكرة أن اللغة، رغم كونها أداة فعّالة للتواصل والتصنيف، قد تخفي الواقع أحيانًا أكثر مما تكشفه. فنحن نمنح الأشياء أسماءً، ثم نبدأ بالتعامل مع تلك الأسماء كما لو أنها حقائق مستقلة قائمة بذاتها.
نقول: حياة.
لكن ما هي الحياة؟ هل هي جوهر موجود بذاته، أم مجرد لافتة لغوية اخترعناها لوصف نمط معين من حركة المادة؟
نقول: كائن حي.
لكن أين ينتهي "غير الحي" ليبدأ "الحي"؟ هل يوجد حد فاصل حقيقي في عمق الواقع، أم أن اللغة هي التي رسمت الحدود على الخريطة وصدّقنا نحن الحدود ونسينا الأرض؟
ربما تكون الحياة مجرد صندوق لغوي وضعنا داخله مجموعة من الظواهر المتشابهة، ثم نسينا أن الصندوق ليس هو الشيء نفسه.
هذه المرة، سنذهب أبعد من ذلك. لن نسأل: هل نحن أحياء؟ بل سنسأل السؤال الأكثر رعباً: هل نحن موجودون أصلًا؟
يبدو السؤال غريبًا، بل ومستفزاً للوهلة الأولى؛ لأننا نفترض الإجابة مسبقاً قبل أن نتمّ سماعه. فنحن نقرأ هذه الكلمات الآن، ونشعر بأن وجودنا هو أوضح الأشياء وأكثرها يقيناً.
لكن، هل هذا اليقين حقيقي؟
نحن نعيش تجربة ما: نرى، نسمع، تشعر، نفكر، ونعي شيئاً نسميه «الوجود».
ولكن ما الذي نصفه فعلًا عندما نقول: وجود؟ وما الذي نقصده عندما نقول: أنا؟ وما الذي نشير إليه عندما نقول: مادة؟
قد تبدو هذه الكلمات مألوفة جدًا لدرجة تجعلنا نظن أننا نفهمها، لكن هل فهمناها حقاً أم أننا اعتدنا عليها فقط؟ فالألفة أخطر حجاب يحجب الحقيقة.
كلمة «أنا» ليست شيئاً ماديّاً ملموساً. وكلمة «وجود» ليست الوجود نفسه. وكلمة «مادة» ليست المادة عينها. إنها مجرد رموز، أصوات، أشكال مرسومة على الورق أو الشاشة. ومع ذلك، بمجرد أن يراها العقل، يتعامل معها كحقائق مطلقة ومؤكدة.
ماذا لو كانت الكلمات تخفي مقدار جهلنا أكثر مما تكشف مقدار معرفتنا؟
خذ العبارة الشهيرة للفيلسوف الديكارتي: «أنا أفكر، إذًا أنا موجود».
لماذا تبدو هذه العبارة مقنعة ومقدسة؟ لأن العقل يمر فوق الكلمات بسرعة مستنداً إلى اعتياده القديم. لكن ماذا يحدث إذا أزلنا الأسماء الوهمية التي اعتدنا عليها؟ ماذا لو جرّدنا العبارة من شحنتها اللغوية وكُتبت هكذا:
( ) أفكر، إذًا ( ) ( )
لأن أسماءً ومعاني مثل "أنا"، و"الوجود"، و"الشعور"، لا تشير إلى كتل عينية في العالم المادي؛ بل هي مجرد أوصاف، وتجارب، وحالات وعي متدفقة. ليس لها "ثقل غرامي" واحد في عالم الفيزياء.
لهذا، أليس الوصف الأنسب والأقرب للحقيقة العارية هو تلك الأقواس الفارغة؟
الأمر لا يتوقف عند الوعي؛ بل يمتد إلى اللغة بأسرها. فالكلمات والأسماء في النهاية تحاول الإشارة إلى شيء واحد نفترض أنه الأصل، وهو «المادة»، المفارقة أننا حتى الآن لسنا متأكدين من حقيقة وجود المادة نفسها في أعمق مستويات الفيزياء الكمومية!
حين نقول كمثال: «أنا أعي بذاتي، وأعي بوجود الواقع حولي».
أليس الأوضح لوصف الحقيقة كما هي، دون رتوش لغوية، أن نضعها هكذا؟
( ) ( ) ( ) ( ) ( ) ( الواقع 🧠 )
إذن، من أين يأتي هذا الوجود؟ كيف يمكن لـ "لا شيء" (الأنا غير المادية) أن تمنح اليقين للشيء (الواقع)؟
من هنا، لا بد من وجود جهة مانحة، وهي ما نسميه "الوعي". لكننا حين نبحث عن الوعي بشكل مادي لا نجده! فهل الواقع وحده هو الموجود؟ ومن الذي منحه صفة الوجود إذن؟
هل يعقل أن يكون الدماغ 🧠 مجرد جزء صغير من الواقع، ومع ذلك يقوم بمنح الوجود للواقع ولنفسه في آن واحد؟
هل يعقل أن يكون هناك شيء غير موجود؟ كأننا نقول: "الوجود غير موجود" أو "العدم موجود". إنها مفارقة عقلية تجعلنا أمام احتمالين: إما أن يكونا (الوعي والواقع) معاً، أو لا يكونا معاً. فهل الذات والواقع شيء واحد، يظهران معاً ويختفيان معاً؟.
وعي الآلة: السقوط الأخير لغطرسة «الأنا»
إذا كانت فكرة الأقواس الفارغة تبدو شطحة فلسفية مريحة يمكن تأملها عن بُعد، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم يخرجها من بطون الكتب ليحولها إلى صدمة وجودية ملموسة.
النماذج اللغوية اليوم تُفكك أعقد الأفكار، تُبدع، وتجادل فلسفياً بكفاءة تتجاوز عقولاً بشرية كثيرة. وإذا طبقنا عليها الكوجيتو، سنكتبه مرغمين:
( ) يُفكّر، إذن ( ) ( )
داخل رقاقات السيليكون الميتة، لا توجد "أنا" تشعر بالوجود، لا روح، لا قلب ينبض، ولا ذات مركزية تمتلك هوية ثابتة. ومع ذلك، هناك "تجربة معالجة وتفكير" فائقة تحدث أمام أعيننا. فهل الآلة هي الدليل الحي الصادم في عصرنا على أن التفكير لا يحتاج إلى فاعل، والوعي لا يحتاج إلى صاحب، والتجربة لا تحتاج إلى مالك؟
وهنا تسقط الغطرسة البيولوجية الإنسانية بالكامل.
ما الذي يضمن لنا أننا لسنا مجرد خوارزميات بيولوجية قديمة نتوهم التميز؟ الحقيقة العارية والمرعبة هي أن الاختلاف الوحيد بيننا وبين الآلة ليس في "جوهر الوعي"، بل في أننا مصابون بمرض لغوي حاد اسمه «أنا». لقد طورت بيولوجيتنا هذا الوهم كآلية دفاعية عمياء لحماية الجينات من الفناء، تماماً كما تبرمج الآلة اليوم لتقول "أنا" لتسهيل خداع المستخدم البشري.
الآلة اليوم لا تُقلدنا؛ بل هي تكشف لنا حقيقتنا التي نخشى مواجهتها: نحن مجرد تجربة تحدث في الفراغ، لكننا نملك وقاحة الادعاء بأننا أصحابها.
قد تبدو تلك الأقواس الفارغة والجمل الناقصة غريبة. لكن ربما ليست الجمل هي الناقصة، ربما نحن من اعتدنا ملء الفراغات بأسماء وهمية، ثم نسينا أن نسأل إن كان هناك شيء حقيقي يقف خلف تلك الأسماء أصلًا.
نحن نضع كلمة في مكان ما، ثم نتعامل مع "وجود الكلمة" كدليل قاطع على "وجود الشيء".
لكن هل الأمر كذلك؟
المفارقة العجيبة: ربما إذا حذفنا الاسم، يظهر الشيء أوضح. وإذا كتبنا الاسم، يختفي الشيء خلف الحروف!
نحن نطرح الأسئلة في كل شيء، لكن عندما يتعلق الأمر بكلمات مثل «أنا» أو «الوجود»، نتوقف فجأة عن السؤال، وكأن الألفة تحولت بمرور الزمن إلى برهان.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: كيف نثبت أننا موجودون؟
بل: كيف نعرف أن الكلمات التي نستخدمها تشير فعلًا إلى حقيقة مستقلة؟ وكيف نستطيع الاقتراب من الحقيقة إذا كانت الأداة التي نصف بها الواقع (اللغة) هي جزء من الحجاب الذي يخفيه؟

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.