بدأتُ بإعادة قراءة كتاب ”مستقبل الثقافة في مصر“ لعميد الأدب العربي طه حسين. تنحصر النقاشات الشائعة حول الكتاب غالباً في أبعادها الهويَّاتية (انتماء مصر للحضارة الشرقية أم الغربية)، إلا أنني أرى الكتاب ”سياساتياً“ بامتياز؛ فموضوع الكتاب الرئيسي هو التعليم، وتحدياته في مصر وكيفية تطويره. وهو يقدم مقترحات عملية وإجرائية للتعامل مع معضلة التعليم في مصر بجدية تامة وشمولية لافتة، مناقشاً التحديات ومقدماً حلولاً لا تزال أفكارها حية وذات صلة بسياقنا الحالي.
لديَّ ملاحظتان حول الكتاب؛ الأولى تتعلق بـ ”روح“ طه حسين التي تربط العلم بالعمل، حيث تعامل مع المشكلات بمسؤولية ذاتية وكأنه مكلّف رسمياً بوضع الحلول. والثانية تتعلق بالعنوان؛ فلو سُمي الكتاب ” مستقبل التعليم في مصر“ وابتعد عن معارك الهوية، هل كان سيحظى بذات الانتشار أو يواجه ذات المصير؟ وهل اختفت السياسات التعليمية التي يقدمها طه حسين خلف ستار النقاشات الهويَّاتية؟
لننتقل بعد ذلك إلى كتاب ”الرأسمالية والحرية“ لميلتون فريدمان. قد يبدو الاختيار غريباً، لكن أفكار فريدمان لا تزال حية ومؤثرة ويتم الإحالة إليها مراراً، وفي أحيان كثيرة تشعر أن هناك قراءات مختلفة لما يقول؛ لذا فضلتُ أن أقرأ بنفسي وأحكم، خاصة وأن الكتاب متاحٌ مجاناً على منصة ”هنداوي“، هو وكتاب ”مستقبل الثقافة في مصر“.
حجة فريدمان متماسكة بالمناسبة بخلاف ما يُروَّج لها، وحتى عندما يناقش مواضيع تثير الجدل -مثل هل من الضروري حصول الأطباء على تصريح مزاولة المهنة أم الأفضل التقليل من هذه الإجراءات- فإنه يظل متمسكاً بحجته الرئيسية ويدافع عنها. لذا يبدو لي أن استمرار أفكاره، في تقديري، مرتبطٌ بأنها متماسكة ومترابطة وليست مجرد أفكار متناثرة.
أعطيتُ محاولة لقراءة كتاب ”الإمتاع والمؤانسة“ لأبي حيان التوحيدي بناءً على توصيات من شخصيات متعددة، والأقرب أني حاولت “سماعه” وليس قراءته، لكنه لم يرق لي! شعرتُ أنه أقرب لـ ”جلسات النميمة“ ولكن بشكل قديم، حيث تتوه مناقشة الأفكار بداخله ضمن الحديث الواسع حول الأشخاص وطباعهم وما قاموا به؛ لذا توقفتُ ولم أكمل.
مؤخراً أيضاً شاهدتُ محاضرة مخصصة لفكرة “التنظير“ (Theorizing)، والتفريق بينها وبين “النظرية“. النظرية مهمة لا شك، ولكن كيف “نُنظِّر” حتى نصل إلى النظرية؟ هذا هو ”سرُّ الصنعة“ الذي لا يتحدث عنه أحد إلا قليلاً. المحاضرة موجهة بالأساس إلى طلبة الدراسات العليا، وقُدِّمت منذ فترة ضمن أنشطة مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).
يعجبني نشرهم المستمر لفعالياتهم ومحاضراتهم العامة، وهو أمر أستفيد منه كثيراً. هذه المحاضرة دفعتني للبحث أكثر في الموضوع، فوجدتُ أن الباحث لديه كتابٌ مهم في هذا السياق، وورقة بحثية رصينة تُرجمت في ”مجلة عمران“، وهذا اختيارٌ حسنٌ للترجمة. تمنيتُ لو زاد عدد المصادر التي تُعلِّم “كيف” مع التركيز على “ماذا” في المكتبة العربية، التي تعاني أصلاً من فقر في الترجمة.. فمن يسمع؟
المعرفة ليست مرتبطة بالقراءة والكتب فحسب، بل هي منثورة في مصادر أخرى. توقفتُ عن متابعة القنوات الإخبارية وبرامجها منذ فترة طويلة، وحتى أثناء الحرب على غزة، حين حاولت العودة للمتابعة لم أستطع بسبب ضعف المستوى. لكن برنامج ”من واشنطن“ في نسخته الجديدة مع محمد معوض استطاع إعادتي للمتابعة بشكل شبه منتظم. شهادتي في معوض ربما تكون مجروحة بحكم الانتماء لنفس المحافظة والمعرفة القديمة، وهو معروف لدى الكثيرين بتغطيته للانتخابات الأمريكية وقضية خاشقجي. لكن أظن أن البرنامج يمثل إضافة من جهتين: الأولى هي اختيار الضيوف الذي يبدو ”نوعياً“ بوضوح، حيث يجلب أسماءً لا تظهر بكثرة في الفضائيات العربية ولديها آراء مهمة في السياق الغربي؛ مما يجعل اختيار الضيوف جسراً جيداً لفهم ما يحدث في واشنطن.
الأمر الآخر هو الحوار الذي يستنطق الضيوف ويستخرج الكثير من الأفكار والرؤى. كانت ملاحظتي الأساسية على معوض سابقاً هي رغبته أحياناً في إظهار معرفته الواسعة بالموضوع، فيتحول سؤاله إلى “محاضرة قصيرة”، لكن هذا لا يحدث في النسخة الحالية؛ حيث أصبح الإعداد الجيد والأسئلة المطروحة هما بطل المقابلة الأول. البرنامج يثبت أننا خسرنا معوض حين كان خلف الكاميرا، وأن الأفضل لنا كمشاهدين أن يكون أمامها.
حلقة “السعدني” حول أحمد عرابي كانت من ضمن الفيديوهات التي شاهدتها مؤخراً. ( بالمناسبة، لديَّ مقال قديم تحدثتُ فيه عن السعدني و”الدحيح” قبل أن يشتهر السعدني، وقبل أن يشتهر “Substack” الإطلاع من هنا ) ؛ لكن الفيديو الذي كان جيداً في محتواه دفعني لقراءة مقال آخر حول ما يفعله ”الأمل“ بنا وبنظرتنا لأنفسنا ولأبطالنا. وقديماً كنتُ أحب لتميم البرغوثي قوله:
”من كان ذا حُلمٍ وطاَل به المدى
فليحِمِه.. وليحمِ أيضاً نفسه من حُلمِهِ
فالحلمُ يكبرُ أدهُراً في يومهِ
ويزيدُ دَيْنُ الدهرِ حتى يستحيلْ
فترى ابن آدمَ راضياً من أي شيءٍ بالقليلْ
لا تقبلوا بالقبحِ يا أهلي مكافأةً على الصبرِ الجميلْ
فالصبرُ طولَ العمرِ خيرٌ من خلاصِ الكاذبِ
ما فيه من صفةِ الخلاصِ سوى اسمِهِ“
No posts

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.