مع اضطراب الشرق الأوسط على وقع حربٍ تقودها الولايات المتحدة وتخوضها إسرائيل، وجدتني أعود إلى ما كتبته قبل سنوات عن النبوءات الأخروية في المسيحية الحديثة. وقد يبدو عسيرًا على المرء أن يتصور احتفاءً بالكوارث باسم الدين، لكن عقودًا من الخطاب النبوئي في بعض الأوساط الإنجيلية صوّرت الدماء التي تُسفك في الشرق الأوسط على أنها تمهيد لعودة المسيح. وهؤلاء الإنجيليون يشكلون، في الوقت نفسه، إحدى أهم القواعد الانتخابية للرئيس دونالد ترامب.
وفي أكتوبر 2023 اندلعت الحرب على غزة، فبدأت بهجومٍ أسفر عن مقتل أكثر من ألف مدني إسرائيلي على يد حركة حماس، ثم أعقبته حملة واسعة من القصف والاجتياح والحصار والتجويع في قطاع غزة. وكانت الكارثة الإنسانية من الضخامة بحيث استرعت انتباه العالم كله. غير أن بعض الإنجيليين الأمريكيين لم يستقبلوا هذه الأحداث بالحزن، بل رأوا فيها بشارةً بقرب تحقق النبوءات.
ففي العاشر من أكتوبر 2023 نشرت صحيفة The Christian Post سؤالًا يقول: «هل يشير هذا الدم المسفوك في إسرائيل إلى اقتراب تحقق نبوءات الكتاب المقدس؟» ولم يتردد القس الإنجيلي Greg Laurie، صاحب عشرات المؤلفات والمستشار الروحي السابق لإدارة ترامب، في أن يجيب مستمعيه قائلًا: «شدوا الأحزمة، فأنتم تشاهدون نبوءات الكتاب المقدس تتحقق أمام أعينكم.» وقد حصد هذا المقطع ملايين المشاهدات.
وينتمي لوري إلى قطاع واسع من الإنجيليين الذين يرون في قيام دولة إسرائيل بداية العد التنازلي لنهاية العالم. وهؤلاء، الذين يُعرفون بالصهاينة المسيحيين، يقيمون موقفهم السياسي على دعمٍ ثابت لإسرائيل، وهو دعم ترك أثرًا واضحًا في توجهات الحزب الجمهوري والسياسة الخارجية الأمريكية. غير أن هذا التأييد لا ينفصل عن تصورٍ أخروي يرى الخلاص في اختطاف المؤمنين، بينما يمر العالم كله قبل ذلك بمرحلة من الحروب والدمار والعذاب. ولهذا لم يكن غريبًا أن يستقبل بعضهم ما جرى في غزة بشيء من الابتهاج.
وكتب القس Wayne J. Edwards، من كنيسة هيريتاج المعمدانية في ولاية جورجيا، يقول: «إن أعداء إسرائيل لا يدركون أن الله منح هذه الأرض لليهود، وأن وجودهم فيها شرط لتحقق نبوءات آخر الزمان.» ثم أضاف: «تأملوا! لقد أذن الله أن تبدأ ساعته النبوئية بالدوران من جديد. نحن الجيل الذي سيشهد تحقق النبوءات الأخيرة. فافرحوا، فالملك قادم!»
وكان هذا الخطاب يمثل صورة واضحة للاحتفاء بالأبوكاليبس من موقع المتفرج؛ إذ تُستقبل الكوارث بوصفها علامات على اقتراب الخلاص. وهو يكشف مدى حضور الفكر النبوئي، لا في الوعظ الديني وحده، بل في تكوين المواقف السياسية أيضًا، ولا سيما ما يتعلق بدعم إسرائيل والمساعدات العسكرية المقدمة إليها، على أساس أنها تمهد للمعركة الكبرى التي تربطها هذه القراءة بنبوءة «يأجوج ومأجوج» الواردة في سفر حزقيال.
وقد لخّصت أستاذة العلوم السياسية إليزابيث أولدمكسيون هذه الرؤية بقولها إن أصحابها يؤمنون بأن العالم يتجه إلى عصرٍ يحكم فيه المسيح ألف عام، تسبقه مرحلة من الضيق والصراع يُهزم فيها الشر. وتشمل هذه المرحلة، بحسب تفسيرهم، الحروب والكوارث الطبيعية وظهور المسيح الدجال، كما يرد في سفر الرؤيا، ثم عودة بني إسرائيل إلى الإيمان قبل قيام الملكوت. وهكذا تصبح الكارثة، في هذا التصور، مرحلةً لا بد منها قبل الخلاص.
ولم تعد هذه النبوءات عنصرًا هامشيًا في المسيحية الإنجيلية الأمريكية، بل أصبحت جزءًا ظاهرًا من خطابها العام، يزداد تأثيره عامًا بعد عام. وتظل نبوءة نهاية العالم أكثرها حضورًا؛ لأنها تمنح التاريخ، في نظر المؤمنين بها، معناه الأخير. ومن أجل تقريب هذه النهاية، أنفق الصهاينة المسيحيون عشرات الملايين من الدولارات دعمًا للاستيطان في الضفة الغربية، وتطوع مسيحيون للعمل في المستوطنات الزراعية تعزيزًا للوجود اليهودي فيما يسمونه «قلب الكتاب المقدس». وكذلك امتزج الإيمان بالنبوءة بالعمل السياسي والمالي، في محاولة لتعجيل النهاية التي يرون فيها اكتمال الخلاص.
غير أن أشد ما في هذه الرؤية قسوةً هو نظرتها إلى البشر أنفسهم. فاليهود، في هذا التصور، ليسوا غايةً في ذاتهم، وإنما وسيلة لا بد منها لتحقيق النبوءة؛ ينبغي أن يجتمعوا في الأرض أولًا، ثم يلقوا المصير الجماعي الذي يمهد لعودة المسيح. أما الفلسطينيون فلا يظهرون فيها إلا بوصفهم عقبة تحول دون تحقق هذا السيناريو الأخروي. ومن هنا نشأت تحالفات بين بعض الإنجيليين وأشد التيارات تطرفًا في المجتمع الإسرائيلي، يجمعها هدف واحد: إقصاء الفلسطينيين، أو إبادتهم من تلك الأرض التي يسمونها «قلب الكتاب المقدس». وهكذا تصبح الإبادة، في هذا المنطق، مرحلةً من مراحل الخلاص، ويغدو «الوقوف مع إسرائيل» وسيلةً لتعجيل الشروط التي تسبق عودة المسيح.
ولم ينشأ هذا الاتجاه فجأة، بل تبلور عبر عقود. فقد أسهم مستشارون إنجيليون للرئيس جورج بوش في إبطاء توجه إدارته نحو دعم قيام دولة فلسطينية، ثم ازداد هذا الميل وضوحًا في عهد دونالد ترامب، مع التأييد الصريح لأوسع مشروعات الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. ولم يقتصر الأمر على المواقف السياسية، بل تدفقت الأموال الإنجيلية إلى المؤسسات الاستيطانية، فكان لها أثر واضح في دفع السياسة الإسرائيلية نحو مزيد من التشدد، حتى بلغ ذلك ذروته في عهد بنيامين نتنياهو. فاجتمع الحماس الديني بالنفوذ المالي في مشروع واحد، غايته تعجيل تحقق النبوءة، لا انتظارها، وذلك بتوجيه الجغرافيا السياسية وإكراهها على أن تسير في طريقٍ مرسوم سلفاً. إنها، في جوهرها، رؤيةٌ حرفيةٌ لجحيمٍ يُراد له أن يلتهم العالم، وأصحابها لا يدّخرون وسعاً في إذكاء نيرانه تعجيلاً بعودة المسيح.
ومن أكثر المظاهر دلالة على النزعة الحرفية في هذا التيار ذلك المشروع الذي جمع، منذ عام 1989، بين جماعات من الإنجيليين الأمريكيين ذوي التوجه الأخروي وفئة من المتشددين اليهود في إسرائيل، وكان هدفه تربية عجلة حمراء لا يشوبها عيب. وقد يبدو الأمر لأول وهلة أقرب إلى الغرابة منه إلى الجدية، لكنه يستند، في نظر أصحابه، إلى نص في سفر العدد يجعل رماد البقرة الحمراء شرطاً للطهارة اللازمة لاستئناف شعائر الذبيحة في الهيكل الذي ينتظرون إعادة بنائه.
وقد أشار لورانس رايت، في مقال نشرته مجلة نيويوركر عام 1998، إلى أن «الحنين إلى الاختطاف وعودة المسيح هو في صميم الإنجيلية». ثم أوضح أن هذه الرؤية تربط تحقق النهاية بثلاثة شروط: قيام دولة إسرائيل، واعتبار القدس مدينة يهودية، ثم إعادة بناء الهيكل الذي هدمه الرومان سنة 70م. ولأن إعادة الذبائح، وفق هذا الفهم، لا تتم إلا بعد تحقيق الطهارة برماد البقرة الحمراء، ظل مربو ماشية في ولاية ميسيسيبي، بقيادة الواعظ الخمسيني كلايد لوت، يعملون سنوات طويلة لتحقيق هذا الشرط. وانتهت هذه الجهود، في سبتمبر 2022، إلى نقل خمس عجول حمراء من تكساس إلى إسرائيل بمشاركة الواعظ بايرون ستينسون، حيث وصلت إلى مطار بن غوريون.
الاختطاف في الكتاب المقدس هو حدث مستقبلـي يرتفع فيه المؤمنون بالمسيح لملاقاة الرب في الهواء، ويُذكر أساساً في رسائل بولس الرسول مثل رسالة تسالونيكي الأولى.
وقصة البقرة الحمراء ليست سوى المثال الأوضح للنزعة الحرفية التي تحكم هذا اللون من التفكير. فالتيار الأبوكاليبسي في المسيحية الأمريكية لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح يضم شخصيات ومنظمات ذات نفوذ سياسي وإعلامي واسع. ويأتي في مقدمتها القس جون هاجي، مؤسس منظمة «المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل» (CUFI)، وهي جماعة ضغط تقول إن عدد أعضائها يقترب من عشرة ملايين، وهو عدد يزيد على عدد اليهود في الولايات المتحدة، الذي يناهز ثمانية ملايين. ومنذ تأسيسها عام 2006، توسعت المنظمة في تنظيم المؤتمرات والحملات وجمع التبرعات والأنشطة الجامعية ومسيرات «الوقوف مع إسرائيل»، حتى أصبحت أكبر تنظيم للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة.
لكن هذا التأييد المطلق لإسرائيل يخفي تناقضاً يصعب تجاهله. فهاجي لا ينظر إلى اليهود باعتبارهم أصحاب رسالة مستقلة، وإنما يضعهم داخل البناء العقائدي الذي يتبناه. ولهذا يفسر تاريخ اضطهادهم بأنه عقاب إلهي على رفضهم المسيح. وذهب إلى الزعم بأن أدولف هتلر كان ذا أصل يهودي مختلط، وأن المسيح الدجال سيكون يهودياً، كما ردد الاتهامات التقليدية الموجهة إلى «مصرفيي روتشيلد» بالهيمنة على الاقتصاد الأمريكي. وفي إحدى عظاته في أواخر التسعينيات قال إن الله أرسل هتلر «صياداً» ليقود اليهود إلى الأرض الموعودة. وهذا التناقض لا يقتصر على هاجي؛ فقد ظهر أيضاً عند واعظين آخرين، مثل روبرت جيفريس، الذي شارك في افتتاح السفارة الأمريكية في القدس عام 2018، وظل في الوقت نفسه يكرر أن اليهودية تقود أتباعها إلى «الانفصال الأبدي عن الله في الجحيم».
وفي العام نفسه الذي أسس فيه منظمته، أصدر هاجي كتاب Jerusalem Countdown، الذي تحول بعد ذلك إلى فيلم درامي. وفيه عرض تصوراً لنهاية العالم يبدأ بحرب كبرى تشنها روسيا ودول إسلامية على إسرائيل، ويبلغ عدد القتلى فيها حداً يجعل دفنهم يستغرق سبعة أشهر، كما يذكر. ويقول: «الرسالة هي أن الله يسيطر بشكل كامل على ما يبدو أنه وضع ميئوس منه بالنسبة لإسرائيل. لقد جر هذه الأمم المعادية للسامية إلى أمم إسرائيل لسحقهم حتى يعترف يهود إسرائيل ككل بأنه الرب».
ولم يحل هذا الخطاب، بما يحمله من تصورات عنيفة، دون أن يحتل هاجي موقعاً مؤثراً في الحياة السياسية الأمريكية. فقد ظهر مراراً إلى جانب دونالد ترامب، وشارك في مناسبات عامة حضرها سياسيون محافظون، مثل مايك بنس ونيكي هالي ورون ديسانتيس، خلال الانتخابات التمهيدية لعام 2023.
وقد أوضح دانيال بنيامين، في دراسة نشرها معهد Brookings Institution، أن هاجي يتبنى اللاهوت التدبيري الذي يعد قيام إسرائيل مرحلة حاسمة في الطريق إلى المٌلك الألفي للمسيح. ووفقاً لهذا التصور، تتتابع الأحداث على نحو محدد: تجميع اليهود في إسرائيل، ثم الاختطاف، فالمجيء الثاني، ثم معركة هرمجدون التي يُقضى فيها على المسيح الدجال. غير أن بعض أنصار هذا المذهب، ومنهم هاجي، يرون أن هذه النهاية نفسها لا تتحقق إلا بعد أن يدفع اليهود ثمناً باهظاً من دمائهم. ولهذا تصبح الحرب المنتظرة، في هذا المنطق، غاية في ذاتها، ويغدو تشديد المواجهة مع إيران أو غيرها خطوة على الطريق إلى المشهد الذي يتصورون فيه إسرائيل غارقة في «بحر من الدماء».
ولم يكن هذا التصور رأياً هامشياً أو اجتهاداً فردياً، بل يعبر عن اتجاه واسع داخل الإنجيلية الأمريكية. ففي استطلاع أجرته عام 2017 مؤسسة «لايف واي للأبحاث» التابعة للاتفاقية المعمدانية الجنوبية، وافق نحو 80% من الإنجيليين على أن قيام دولة إسرائيل الحديثة يمثل «تحقيقٌ لنبوءة الكتاب المقدس، ودليلٌ على أننا نقترب من عودة السيد المسيح».
ومن البقرة الحمراء إلى حروب الشرق الأوسط، يقوم جانب مهم من التدين الإنجيلي الأمريكي على انتظار دائم للنهاية. فالأحداث السياسية لا تُقرأ عند كثير منهم بوصفها وقائع تاريخية لها أسبابها ومصالحها، بل باعتبارها حلقات في مخطط نبوي يقترب من اكتماله. ولهذا امتد أثر هذا التصور إلى مواقفهم من قضايا لا صلة مباشرة لها بالشرق الأوسط. ففي أثناء جائحة كوفيد-19، رأى بعض الوعاظ والمعلقين الإنجيليين أن الوباء ليس إلا علامة جديدة من علامات آخر الزمان، وفسروا إجراءات الصحة العامة في ضوء القراءة الحرفية لسفر الرؤيا.
ويستند مفهوم «سِمَة الوحش» إلى ذلك النص الغامض الوارد في آخر أسفار العهد الجديد:
«وَيَجْعَلُ الْجَمِيعَ، الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ، وَالْأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ، وَالْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ، أَنْ يُعْطَى لَهُمْ سِمَةٌ عَلَى يَدِهِمُ الْيُمْنَى أَوْ عَلَى جِبَاهِهِمْ، وَأَنْ لَا يَقْدِرَ أَحَدٌ أَنْ يَشْتَرِيَ أَوْ يَبِيعَ إِلَّا مَنْ لَهُ السِّمَةُ: اسْمُ الْوَحْشِ أَوْ عَدَدُ اسْمِهِ.» (13:16-17)
في هذا السفر، تُقام «سِمَة الوحش» خطاً فاصلاً بين المؤمنين وغيرهم؛ فمن يرفض حملها، ولو تكلف حياته، يُصنَّف في زمرة المختارين. ولئن ظلت هذه الفكرة راسخة في الوجدان الديني لقرون، فإن التاريخ يرجّح تدوينها نحو عام 95 ميلادياً، حين خط يوحنا البطمسي رؤياه المحتشدة بالتنانين الشريرة، والعاهرات اللاتي يشربن الدماء، والمشدات الذهبية، والرموز العددية الغامضة. غير أن هذا النص لم يحظَ بإجماعٍ قط في التاريخ المسيحي؛ بل ظل موضع نزاعٍ فقد عُدَّ إضافةً متأخرةً ومثاراً للخلاف في قانون الأسفار المقدسة. حتى إن مارتن لوثر اتخذه سلاحاً في معركته ضد الفاتيكان، فرد عليه خصومه بالمثل. أما في الواقع الأمريكي المعاصر، فقد خرج النص من سفر الرؤيا لدى كثير من الإنجيليين من إطاره التاريخي ليمسي خطبةً عاجلة تُقرأ بها تحولات الراهن.
وجدت في هذا المقال ما يستحق التفكير؟ شاركه مع شخص واحد تعتقد أنه سيُقدّره. هذا أكبر دعم يمكنك تقديمه للمحتوى.
وعند بدء حملات التطعيم ضد كوفيد-19 واتساع نطاق إلزامها، عادت فكرة «سِمَة الوحش» إلى الواجهة بقوة. وانتشرت على تطبيق تيك توك وسوم مثل «لقاح كوفيد هو سمة الوحش»، وحصدت قرابة سبعمائة ألف مشاهدة خلال عام 2021 قبل حذفها. ووصل الأمر بأحد مسؤولي الحزب الجمهوري في ولاية فلوريدا إلى القول إن حاكمة ميشيغان، غريتشن ويتمر، تؤدي دوراً شيطانياً حين تُجبر المواطنين، على حد تعبيره، على قبول هذه العلامة في صورة اللقاح.
وتحتل العقيدة الأخروية مكانة محورية في قطاعات واسعة من الإنجيلية الأمريكية. فقد أظهر استطلاع أجراه Pew Research Center سنة 2010 أن 41% من الأمريكيين يتوقعون عودة المسيح قبل عام 2050. ولهذا وصف المؤرخ راندال بالمر العقيدة التدبيرية السابقة للألفية بأنها «لاهوت اليأس». فهي، منذ شيوعها في أواخر القرن التاسع عشر، صرفت اهتمام كثير من الإنجيليين عن إصلاح العالم، ووجهته إلى انتظار الخلاص القريب، على أساس أن العالم يتجه حتماً إلى نهايته، وأن محاولة إصلاحه لا تغير من مصيره شيئاً.
لكن هذا التفسير ليس محل اتفاق. فعدد من الباحثين يرى أن سفر الرؤيا لا يتحدث عن مستقبل بعيد، بل يوجه نقداً رمزياً للإمبراطورية الرومانية. وعلى هذا الأساس تُفهم «سِمَة الوحش» على أنها تشير إلى صور الإمبراطور نيرون المنقوشة على العملات والأختام والشعارات الرسمية. ويستند هذا الرأي إلى «رقم الوحش» الوارد في رؤيا 13:18: «هُنَا الْحِكْمَةُ. مَنْ لَهُ فَهْمٌ فَلْيَحْسُبْ عَدَدَ الْوَحْشِ، لأَنَّهُ عَدَدُ إِنْسَانٍ، وَعَدَدُهُ سِتُّ مِئَةٍ وَسِتُّونَ وَسِتٌّ.»
وإذا صح أن العدد 666 يرمز إلى نيرون، فإن سفر الرؤيا يصف أحداثاً من القرن الأول، لا وقائع ستقع في مستقبل الإنسانية. وهذا الفهم يناقض القراءة المستقبلية التي يتبناها أنصار الأبوكاليبس، والذين يجعلون السفر نبوءة مباشرة عن نهاية العالم. وتقوم هذه القراءة على جمع نصوص متفرقة من العهدين القديم والجديد، ولا سيما من سفر دانيال ورسالة تسالونيكي الأولى، ثم ربطها بسلسلة من الفواصل الزمنية الممتدة آلاف السنين، من غير أن يقدم النص نفسه ما يبرر هذا البناء.
وهكذا تتحول نهاية العالم إلى عدسة تُقرأ من خلالها الأحداث كلها. فكل أزمة دولية، وكل حرب، وكل اضطراب سياسي، يصبح مرشحاً لأن يكون بداية هرمجدون. وينشأ عن ذلك شعور دائم بأن العالم يقف على أعتاب عصر الاضطهاد العظيم. والخوف من هذا الاضطهاد، مقترناً بالاعتقاد بأن أفعال المؤمنين يمكن أن تعجل بعودة المسيح، يخلق مزيجاً من القلق والترقب. غير أن هذا التصور لا يتخذ صورة واحدة؛ فأتباع ما بعد الألفية يرون أن التاريخ يتجه إلى إقامة ملكوت المسيح على الأرض، أما أتباع ما قبل الألفية فيرون أن العالم يقترب من نهايته، وأن الأحداث السياسية ليست إلا حلقات تُسرّع الوصول إلى الأبوكاليبس.
برزت العقيدة السابقة للألفية في الثقافة الشعبية بأوضح صورها في سلسلة Left Behind التي ألّفها تيم لاهاي وجيري بي. جنكنز. والسلسلة ليست سوى قراءة روائية لسفر الرؤيا، تدور حول مؤمنين إنجيليين أمريكيين ينجون من أهوال «الضيقة الكبرى» ويشهدون تحقق النبوءات. وكما فعل فرانك بيريتي في رواية هذا الظلام الحاضر، نقلت هذه الأعمال اللاهوت من الكتب المتخصصة إلى الخيال الشعبي، فتركت في الوجدان الإنجيلي أثراً لم تستطع المواعظ التقليدية أن تبلغه. وبين عامي 1995 و2007 صدرت السلسلة في ستة عشر جزءاً، وباعت أكثر من ستين مليون نسخة، ثم تحولت إلى روايات مصورة وأفلام، كان أشهرها الفيلم الذي قام ببطولته كيرك كاميرون. وهكذا أصبحت المرجع الذي تلقى منه جيل كامل صورته عن نهاية العالم.
وحين ترسخت هذه التصورات في الثقافة الإنجيلية، بدأ بعض الذين نشأوا داخلها يصفون أثرها في تكوينهم النفسي. ومنهم جوشوا ريفيرا، الذي كتب عام 2021 أن فكرة «الاختطاف» كانت جزءاً من حياته اليومية منذ طفولته، حتى بدا له احتمال أن يشهد نهاية العالم بنفسه أمراً طبيعياً. وتعلم، منذ سنواته الأولى، أن يفسر الوقائع السياسية على أنها علامات نبوئية؛ فقيام إسرائيل كان عنده «ساعة الله» التي تعلن اقتراب النهاية، وكانت تحركات الكنيسة الكاثوليكية والأمم المتحدة تُقرأ بوصفها تمهيداً لحكومة عالمية، بينما كان تراجع الدين في المجال العام يُعد دليلاً آخر على اقتراب الساعة.
ولم يكن هذا المستقبل باعثاً على الخوف وحده، بل كان يحمل وعداً بالخلاص. فالمؤمنون، بحسب هذا الاعتقاد، لن يذوقوا الموت، وإنما «يُختطفون في السحاب»، كما جاء في رسالة تسالونيكي الأولى، قبل أن تبدأ الضيقة الكبرى. ومن ثم فإن الكوارث التي ستصيب الأرض لن تقع عليهم، بل سيشهدونها من موضع النجاة. وهنا يكمن سر الجاذبية النفسية لهذه العقيدة؛ فهي تجمع بين الرهبة والامتياز، وتمنح المؤمن شعوراً بأنه من القلة التي ستنجو حين يهلك الآخرون. ولهذا لم يكن غريباً أن ينشغل بعض أتباعها بالبحث عن علامات النهاية، أو أن يتمنى آخرون تعجيل وقوعها. ومن هذه الرؤية نشأت ثقافة دينية تمجد الاضطهاد، وتعده دليلاً على صدق الإيمان، وتنظر إلى العالم على أنه يزداد فساداً كلما اقتربت النهاية.
وانتقلت هذه النظرة إلى المجال السياسي. ففي عهد فرانكلين روزفلت أثارت «الصفقة الجديدة» معارضة واسعة في الأوساط الإنجيلية المحافظة. ولم يكن الاعتراض اقتصادياً فحسب، بل لاهوتياً أيضاً؛ إذ رأى كثير منهم أن توسع الدولة اعتداء على الوظائف التي ينبغي أن تضطلع بها الكنائس والمجتمعات المحلية. ويذكر المؤرخ ماثيو ساتون أن بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك، فرأى في سياسات روزفلت تمهيداً لظهور المسيح الدجال، بل عدَّه بعضهم تجسيداً له.
وازداد هذا الاتجاه انتشاراً في سبعينيات القرن العشرين مع النجاح الكبير لكتاب هال ليندسي الكوكب الأرض العظيم المتأخر. فقد دعا الكتاب إلى انتظار نهاية وشيكة، واستخرج شواهدها من أحداث العصر: السوق الأوروبية المشتركة، وانتشار المخدرات، والشيوعية، وقيام إسرائيل، والتحالف بين العرب والاتحاد السوفيتي. ولم يكن أثر الكتاب في حجم مبيعاته وحده، بل في الطريقة التي أعاد بها توجيه اهتمام المسيحية الإنجيلية من قضايا المجتمع إلى ترقب النهاية. وقد بيع منه، بين عامي 1970 و1999، نحو خمسة وثلاثين مليون نسخة، وتُرجم إلى أكثر من خمسين لغة. وحذر ليندسي فيه من مجتمع إلكتروني قد يحرم الإنسان من البيع والشراء والعمل إذا لم يخضع لسلطة مركزية، ورأى في ذلك صورة حديثة لـ«سِمَة الوحش».
ولذلك استقبلت بعض الأوساط الإنجيلية التقنيات الجديدة بريبة شديدة. فعندما بدأت الولايات المتحدة استخدام الرموز الشريطية في منتصف السبعينيات لتسهيل بيع السلع، سرعان ما ربطها بعضهم بنبوءات سفر الرؤيا. وانتشرت دعوى أن العدد 666 مخفي في خطوط الرمز الشريطي، وظهرت احتجاجات على استخدامه في المتاجر. ويروى أن أحد مهندسي شركة IBM، ممن شاركوا في تطوير هذه التقنية، تلقى رسالة مجهولة تزعم أنها صادرة عن الشيطان، وتشكره على تنفيذ خطته.
وهكذا تحولت «سِمَة الوحش» من رمز ديني إلى إطار تُفسَّر في ضوئه التقنيات الحديثة والأحداث السياسية. ولم يكن هذا التصور قائماً على الخوف وحده، بل صاحبه انتظار يحمل قدراً من التطلع. وقد وصفت آنا ميرلان هذه الحالة بأنها «رعبٌ مأمول». فظهور العلامة، في نظر المؤمنين، ليس مجرد نذير شؤم، بل هو أيضاً الإشارة التي تعلن اقتراب المجيء الثاني. ولهذا تكررت محاولات التعرف إلى «السِّمة» في كل جيل، وتعددت البدايات الكاذبة، وبقي الاعتقاد قائماً بأن المعاناة الحاضرة قد تكون الدليل الأخير على أن الخلاص أصبح قريباً.
إذا نشأ الإنسان على الاعتقاد بأنه من الصفوة المختارة، وأنه يملك الحقيقة وحده، وتربّى منذ طفولته على انتظار يوم القيامة، غدت صورة النهاية عنده مزيجاً من هلاك الآخرين وخلاصه هو. فالكارثة التي تصيب خصومه تصبح في الوقت نفسه بشارةً بارتفاعه إلى مرتبة الخلاص. وهذه الازدواجية بين الرعب والابتهاج ظهرت بوضوح في ردود فعل بعض المسيحيين الإنجيليين على الحرب الإسرائيلية في غزة، وما صاحبها من حملات تأييد علنية لإسرائيل. ففي الأسابيع الأولى من الحرب، في نوفمبر 2023، وصل إلى مطار بن غوريون متطوعون من ولاية ميسوري، ينتمون إلى منظمة صهيونية مسيحية تُعرف باسم «هايوفيل» (اليوبيل)، للعمل في مستوطنات الضفة الغربية، في وقت كان فيه عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين يتصاعد على نحو غير مسبوق. وفي بيان أصدرته المنظمة في الأول من نوفمبر جاء: «آن الأوان لمؤمني الكتاب المقدس أن يثبتوا: اثبتوا مع إسرائيل، اثبتوا مع صهيون، اثبتوا مع الشعب اليهودي، اثبتوا مع ملكوت الله.»
وترد في رسالة بطرس الثانية (3:11–13) دعوة إلى المؤمنين أن يسلكوا «بسيرةٍ مقدسة وتقوى، منتظرين ومُسرعين إلى مجيء يوم الله، الذي فيه تنحلّ السماوات محترقة، وتذوب العناصر بالنار». وقد اختلف تفسير هذا «التسريع». ففريق رآه سعياً إلى إقامة مجتمع مسيحي يحقق إرادة الله في الأرض، ورآه آخرون تعجيلاً بالأحداث التي تسبق نهاية العالم، ولو كانت طريقها حرباً ودماراً.
وأياً كان التفسير، فإن التفكير الأخروي لم يعد مجرد قضية لاهوتية داخل بعض الكنائس، بل أصبح عنصراً مؤثراً في السياسة الأمريكية. ولم يبق أثره في حدود المعتقد، بل امتد إلى قرارات تمس حياة ملايين البشر داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وقد وصف كثير ممن خرجوا من البيئة الإنجيلية أثر هذا التصور في طفولتهم. فقد عاشوا في خوف دائم من «الاختطاف»، يخشون أن يعودوا إلى بيوتهم فلا يجدوا آباءهم أو أمهاتهم، لأنهم صعدوا إلى السماء وتركوا أبناءهم لمواجهة أهوال الضيقة الكبرى. وكان هذا الاحتمال جزءاً من الحياة اليومية، لا مجرد فكرة دينية بعيدة. وقد تبدو صورة هذا الخلاص جذابة في الثقافة الشعبية، حتى إنها تتكرر في مقاطع التواصل الاجتماعي و«تيك توك»، لكنها في حقيقتها مرتبطة بالموت والكارثة. وقد دفع هذا الاعتقاد بعض الناس إلى مواقف كانت عواقبها مأساوية؛ فمنهم من رفض لقاح كوفيد-19 بدافع ديني فمات بالمرض، ومنهم من أعرض عن العلاج الحديث، ومنهم من أيد حروباً أو شارك فيها، وكانت تلك الحروب تجد أحياناً دعماً مالياً وسياسياً من جماعات مسيحية أمريكية تؤمن بأنها تمهد للأحداث الأخيرة.
وتنتهي هذه الرؤية إلى نتيجة لا تخفى. فالسعي إلى تعجيل نهاية العالم لا يقتصر أثره على أصحابه، بل يفرض أثمانه على أناس لا ينتظرون الاختطاف، ولا يرون في خراب العالم مقدمةً للخلاص. أما من لا يعيشون في انتظار هرمجدون، فإنهم لا يرون في هذا الحماس الأخروي سوى عقيدة تدفع أصحابها إلى تحميل الحاضر مزيداً من العنف والمعاناة، وهم يتطلعون إلى نهاية يعدّونها الخلاص الوحيد.
أخذت شيئاً من هنا؟
فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.