RSS Amplifier

قراءات كانوية | مقالات فلسفة وعلم نفس وثقافة مترجمة · Jun 22, 2026

كافكا بين العصاب والذهان : قراءة في التشخيص النفسي لأدبه

0
Sign in to vote or save

قراءات كانوية · قراءات كانوية | مقالات فلسفة وعلم نفس وثقافة مترجمة

المقال مسموع

0:00

-26:47

في إحدى يومياته المؤرخة في فبراير سنة 1922، يدوّن فرانز كافكا تأملًا لافتًا في علاقته بذاته، يصوغه في صورة صفقة خاسرة مع الجنون. يقول:

«إن فيَّ خللًا بيّنًا، ظاهر السمات عسير الوصف؛ مزيجًا من الخجل والتحفّظ والإفراط في القول واللامبالاة. وأعني به وصفًا محددًا: طائفةً من النقائص تنتظم — من وجهٍ بعينه — في عيبٍ واحدٍ جليّ المعالم، لا صلة له برذائل جسامٍ كالكذب والغرور وما إليها. وهذا الخلل يحول بيني وبين الجنون، كما يحول بيني وبين كل تقدّم. ولأنه يصدّني عن الجنون، فأنا أرعاه؛ إذ أخشى الجنون، فأضحي بكل تقدّمٍ قد أبلغه. وسأكون — لا محالة — الخاسر في هذه الصفقة؛ لأنه لا صفقات تُعقد على هذا المستوى».

تكشف هذه الكلمات عن واحدة من المفارقات الأساسية في عالم كافكا. فالفشل لا يظهر هنا بوصفه نتيجةً لعجزٍ أو قصور، بل يكاد يصبح شرطًا من شروط البقاء. إن ثمة عيبًا داخليًا يحرمه من التقدم، ولكنه يحميه في الوقت نفسه من السقوط في الجنون. ومن ثم يبدو كافكا وكأنه قبل، عن وعي أو غير وعي، أن يعيش في منطقة وسطى بين الأمرين؛ فلا يحقق التقدم الذي ينشده، ولا يبلغ الانهيار الذي يخشاه.

غير أن هذه المفارقة تطرح سؤالًا آخر. فإذا كان كافكا قد ضحّى بالتقدم اتقاءً للجنون، فهل كان من الممكن أن يقوده السعي إلى الحقيقة حتى نهايته إلى مصير مختلف؟ وهل كان الثمن الذي دفعه — أعني الفشل المزمن والتعثر الدائم — هو الثمن اللازم لتجنب مواجهة حقيقة لم يكن قادرًا على احتمالها؟

ولعل قصة «تحقيقات كلب» تلقي ضوءًا على هذا السؤال. فالكلب الفيلسوف الذي يروي القصة يتحدث عن رغبته في الوصول إلى جوهر الحقيقة، ثم ينتهي إلى الاعتراف بأن ما كان يبحث عنه «ليس طعامًا، بل هو سم». والحقيقة هنا ليست غذاءً للروح بقدر ما هي قوة مدمرة. ومن ثم يجوز أن نتساءل: ألم يكن فشل كافكا نفسه نوعًا من الحماية؟ أليس من الممكن أنه اختار — أو اضطر إلى اختيار — الإخفاق المستمر، حتى لا يدفع الثمن الكامل لمعرفة كان يشعر بأنها تتجاوز قدرته على الاحتمال؟

ويقوم عالم كافكا بأسره على شعور عميق بالاضطراب وعدم الاستقرار. ففي أول دراسة مطولة كُتبت عنه بالإنجليزية، وهي دراسة لم تعد تحظى اليوم بما كانت تحظى به من اهتمام، كتب بول غودمان عبارة تكاد تصلح مفتاحًا لهذا العالم كله: «استرخِ من يقظتك، وسوف يتفكك نظام العالم بأسره». وقد عبّر كافكا نفسه عن معنى قريب حين وصف لحظة الاستيقاظ بأنها أخطر لحظات اليوم، قائلاً إن الإنسان إذا استطاع أن يجتازها دون أن يُقتلع من موضعه، أمكنه أن يقضي بقية يومه في أمان.

وليس المقصود هنا مجرد الانتقال من النوم إلى اليقظة، بل تلك اللحظة الغامضة التي لم يستقر فيها الواقع بعد على صورته المألوفة. ففي عالم كافكا تبدو الأشياء دائمًا وكأنها تقف على حافة التحول. يكفي أن يختل التوازن قليلًا حتى يصبح المألوف غريبًا، والعادي باعثًا على القلق. ومن هذا الشق الدقيق الذي يفصل بين النظام والفوضى تتسلل كل تلك الكائنات والأحداث التي تملأ أعماله: موظفون مجهولون يأتون لاعتقال إنسان لا يعرف جريمته، أو حشرة عملاقة تستيقظ لتجد نفسها في هيئة إنسان، أو سلطة لا يمكن تحديد مصدرها، لكنها تفرض حضورها على كل شيء.

ولعل فكرة الانقسام هذه من أكثر الأفكار حضورًا في أدب كافكا. فكلمة «شيزو» في أصلها اليوناني تعني الشق أو الانفصال، وكثير من الصور التي تتكرر في كتاباته تدور حول هذا المعنى. ففي قصة «امرأة صغيرة» يبدأ الوصف بملاحظة تبدو بسيطة: يدٌ تتباعد أصابعها على نحو لافت، مع أنها لا تختلف تشريحيًا عن أي يد أخرى. لكن هذا التفصيل الصغير يكفي لإثارة شعور بالاختلال. فالشيء يبدو طبيعيًا وغير طبيعي في الوقت نفسه، مألوفًا وغريبًا معًا. وهكذا يتحول الواقع ذاته إلى مصدر للقلق، لا لأنه فقد معالمه، بل لأنه احتفظ بها مع شيء خفي يصعب تحديده.

ومن هنا ليس غريبًا أن يجد بعض النقاد في أعمال كافكا صلة وثيقة بما يسميه الطب النفسي الفصام. فقد رأى أوتو فينيتشل، منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أن كتابات كافكا تقدم تصويرًا داخليًا بالغ القوة لتجارب قريبة من التجربة الفصامية. ثم ذهب بول غودمان إلى أن كافكا لا يكتفي بعرض مشكلات الحياة النفسية المعتادة، بل يضع القارئ أمام أسئلة تمس طبيعة الوعي ذاته. أما لويس ساس فقد رأى في بعض أعماله من أكثر الصور الأدبية قدرة على تجسيد الخبرة الفصامية في الأدب الغربي.

وجاء بعد ذلك جيل دولوز وفيليكس غاتاري ليقدما أشهر قراءة من هذا النوع، ففسرا التحولات الغريبة التي تمتلئ بها نصوص كافكا بوصفها محاولات للهروب من الأطر الثابتة التي يفرضها المجتمع على الفرد. ولم تعد الحيوانية المتكررة في قصصه مجرد رمز أو استعارة، بل أصبحت عندهما تعبيرًا عن حركة دائمة للخروج من الهوية المقررة سلفًا.

ومع ذلك، فإن النظر إلى كافكا بوصفه كاتبًا للفصام وحده ينطوي على قدر من التبسيط. فالنبرة التي تسود أعماله ليست نبرة الذهان الصريح، بقدر ما هي نبرة عبث هادئ يتسلل إلى الحياة اليومية دون ضجيج. وربما كان هذا أحد أسرار فكاهته الخاصة، تلك الفكاهة الجافة التي تجعل أكثر الأحداث غرابة تُروى كما لو كانت أمرًا عاديًا لا يستحق التعجب.

فغريغور سامسا، بعد أن يستيقظ وقد تحول إلى حشرة، لا ينشغل أول الأمر بطبيعة هذا التحول أو أسبابه، بل يقلقه أنه قد يتأخر عن عمله. وبلومفيلد، في قصة «بلومفيلد العازب المسن»، يعود إلى منزله ليجد كرتين غريبتين لا تكفان عن القفز خلفه، فلا يتعامل مع الأمر بوصفه معجزة أو كارثة، بل بوصفه إزعاجًا يوميًا جديدًا.

ومن السهل أن تُقرأ قصة بلومفيلد على أنها تصوير لحالة مرضية. فالكرتان اللتان تلاحقانه باستمرار تبدوان أقرب إلى هلاوس مادية تجسدت في الواقع. غير أن القراءة النفسية وحدها لا تكفي لفهم القصة. فالمشكلة الحقيقية تكمن في وضع بلومفيلد نفسه: رجل يعيش وحيدًا، عاجزًا عن إقامة علاقة إنسانية حقيقية، ولكنه لا ينجح أيضًا في التخلص من الحاجة إلى الآخر. وهكذا تظهر الصحبة في أكثر صورها إزعاجًا وسخرية. فالوحدة لا تكتمل، والعزلة لا تتحقق تمامًا. وما يهرب منه الإنسان يعود إليه في صورة أخرى.

وتظهر الفكرة نفسها في «تحقيقات كلب». فالحادثة التي تطلق رحلة الكلب الفكرية ليست اكتشافًا عظيمًا، بل تجربة غامضة واجهها في طفولته ولم يستطع فهمها. لقد شاهد مجموعة من الكلاب الموسيقيين، لكن ما أثار حيرته لم يكن ما يفعلونه، بل صمتهم. كانوا موجودين أمامه، ومع ذلك امتنعوا عن تقديم أي تفسير. ومنذ تلك اللحظة أصبح السؤال محور حياته كلها.

وهذا ما يمنح القصة طابعها المؤرق. فالمعاناة لا تنشأ من غياب الإجابات فحسب، بل من استمرار الأسئلة. إذ يتحول البحث عن المعرفة إلى هاجس دائم، وتصبح الرغبة في الفهم قوة تدفع صاحبها إلى مزيد من الحيرة بدل أن تقوده إلى اليقين.

والأمر نفسه نجده في قصة «الجحر». فقد يبدو الحيوان الذي يحفر ملجأه ويحصنه من كل جانب شخصًا يعاني أوهام الاضطهاد، لكنه يختلف عن المريض الذهاني في نقطة جوهرية. فهو لا يملك يقينًا ثابتًا بوجود العدو، بل يتمزق بين الشكوك، ويعترف بجهله بما يعلمه العدو، بل يذهب في آخر الأمر إلى أنه لم يعد يرغب في اليقين..

ولهذا تبدو حالته أقرب إلى العصاب منها إلى الذهان. فالمريض الذهاني يعرف، أو يظن أنه يعرف، أما العصابي فلا يكف عن التساؤل. إنه يعيش في منطقة الاحتمالات، حيث لا شيء محسومًا بصورة نهائية. وقد أدرك داريان ليدر هذه النقطة حين رأى أن الفارق الأساسي بين الذهان والعصاب يكمن في طبيعة العلاقة باليقين. فاليقين المطلق من سمات الأول، أما الشك المستمر فهو السمة المميزة للثاني.

وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى كثير من أعمال كافكا بوصفها دراسات أدبية دقيقة في منطق العصاب. فشخصياته تعيش في ظل سلطة غامضة لا تفهمها تمامًا، وتسعى باستمرار إلى الاعتراف والقبول، وتؤجل قراراتها، وتعيد التفكير في كل خطوة، وتجد نفسها دائمًا أمام اعتراض جديد أو احتمال آخر. وهي فوق ذلك كله تعاني شعورًا بالذنب لا تعرف مصدره، وتورطًا دائمًا في سوء الفهم، وعجزًا مستمرًا عن الوصول إلى المعنى النهائي للأحداث.

ومن هنا يحتل الفشل مكانة مركزية في عالم كافكا. لكنه ليس فشلًا عارضًا أو نتيجة سوء حظ. إنه جزء من بنية هذا العالم نفسه. فالشخصيات لا تخفق لأنها ضعيفة فحسب، بل لأنها تتحرك داخل نظام لا يكشف قواعده كاملة أبدًا. ولهذا لا يكون الفشل مجرد عجز عن بلوغ الهدف، بل عجزًا عن معرفة الطريق إليه أصلًا. وكثيرًا ما يبدو الانتقال من خطوة إلى أخرى مهمة لا تقل صعوبة عن بلوغ الغاية نفسها. وفي هذا المعنى يمكن القول إن الفشل عند كافكا ليس نهاية الرحلة، بل هو المناخ الذي تجري فيه الرحلة كلها.

كان صموئيل بيكيت ينظر إلى كافكا نظرة تقترب من هذا المعنى، وإن انطلق إليها من طريق مختلف. ففي مقابلة أجراها سنة 1956، أشار إلى ما رآه سكينة كامنة في كتابة كافكا، فقال إن أبطاله يتمتعون بقدر من الاتساق الداخلي في توجههم نحو غاياتهم؛ فهم، على الرغم مما يبدو عليهم من ضياع أو حيرة، لا يتعرضون لتهديد في مركزهم الروحي، ولا يعانون ذلك التمزق الداخلي الذي يبدد الشخصية من داخلها. وأضاف أن بناء كافكا الأدبي يظل بناءً كلاسيكيًا في جوهره، يتحرك في انتظام ظاهر يشبه حركة آلة بخارية مستقرة الإيقاع، حتى ليبدو كأن الاضطراب غائب عن السطح تمامًا. أما هو، أي بيكيت، فكان يرى أن اضطرابه الشخصي يقع خلف الشكل الأدبي ويضغط عليه من الخارج، بينما يبقى الشكل عند كافكا محتفظًا بتماسكه الظاهري. وقد عاد إلى هذه الفكرة في رسالة وجهها إلى الناقدة روبي كوهن، مؤكدًا أن ما يثير الدهشة في تجربة كافكا هو أن الشكل لا يتصدع بفعل ما يحمله من خبرات مضطربة.

غير أن هذا التفسير، على أهميته، لا يكشف عن حقيقة المسألة كلها. فكافكا لا يترك الأشكال الموروثة على حالها، كما أنه لا يهدمها أو يعلن القطيعة معها. إنه يتعامل معها بطريقة أكثر تعقيدًا؛ إذ يُحدث فيها تحولًا من الداخل، ويزرع في نسيجها مساحات من الصمت والتردد والالتباس، حتى يصبح الشكل نفسه حاملًا للاضطراب، دون أن يفقد ملامحه التقليدية. ولهذا بدا كافكا ظاهرة فريدة في الأدب الحديث؛ فلم يشارك رواد التجريب الأدبي حماسهم لتحطيم الأشكال القديمة، ولم يسر مع الحداثيين إلى النهاية في رفض التراث السردي. بل ظل متمسكًا بالحكاية والمثل والسجل والأسطورة، لكنه أودع فيها روحًا جديدة جعلتها تقول أشياء لم تكن قادرة على قولها من قبل.

ومن هنا يمكن فهم الدور الذي أداه في نقل الحساسية النفسية الحديثة إلى عالم الأسطورة. فالعصاب عند كافكا لا يظهر في صورة تحليل نفسي مباشر، بل يتخذ هيئة أسطورية. إنه لا يبتكر أساطير جديدة، بل يعيد قراءة الأساطير القديمة من منظور إنسان فقد يقينه بالعالم.

فإبراهيم عنده لا يسمع النداء الإلهي بوضوح، أو يسمعه ثم يتردد في الاستجابة له. والمسيح يتأخر عن اللحظة التي يُنتظر فيها حضوره. والإسكندر الأكبر يفقد شيئًا من عظمته التاريخية؛ إذ يعجز عن عبور مضيقٍ الدردنيل الذي كان ينبغي له أن يعبره، بينما يواصل حصانه بوسيفالوس طريقه في عالم لم يعد فيه مكان للأبطال الكبار، بل أصبح خاضعًا لإدارة مجهولة لا يُعرف مركزها ولا صاحب السلطة فيها. وحتى حوريات البحر لا يقمن بالدور الذي عهدناه في الأسطورة؛ فبدل أن يُغنين لأوديسيوس، يكتفين بالصمت والتحديق في وجه أوديسيوس الذي سد أذنيه. أما بوسيدون، إله البحر الجبار، فيتحول إلى موظف مرهق يقضي وقته بين الملفات والأوراق، وقد استبدل رمحه الثلاثي بأدوات العمل البيروقراطي.

وهكذا لا تُبعث الموروثات عند كافكا لكي تستعيد حياتها القديمة، بل لكي تكشف عن وعي جديد، وقلق جديد، وعالم لم يعد قادرًا على الإيمان بما كان يؤمن به من قبل.

وتتجلى هذه الرؤية بوضوح خاص في صورة موسى. فموسى عند كافكا ليس مجرد شخصية دينية، بل هو نموذج لإنسان يتوقف عند حافة ما كان يسعى إليه طوال حياته. ففي فقرة من يومياته المؤرخة في 19 أكتوبر 1921، يعقد كافكا مقارنة غير متوقعة بين مصير موسى ونهاية رواية «التربية العاطفية» لفلوبير. ويبدو لأول وهلة أن لا صلة بين النبي والعاشق، لكن كافكا يرى فيهما وجهًا واحدًا لمأزق واحد.

فموسى يشبه، في نظره، فريدريك مورو؛ ذلك البطل الذي ظل يحمل حبًا ناقصًا ومتناقضًا للسيدة أرنو. حبًّا لا يكتمل، ولا ينقطع، ولا يجد سبيله إلى الحسم. وعندما تأتي اللحظة التي يبدو فيها أن ما كان يتمناه أصبح ممكنًا، وأن المرأة التي أحبها تكاد تسلم نفسها إليه، يفاجأ القارئ بانصرافه المفاجئ عنها. فبدل أن يتقدم نحو ما رغب فيه طويلًا، ينشغل بلف سيجارة، وكأن الرغبة نفسها أصبحت مصدر نفور. ويختلط لديه الشوق بالإرهاق، والجاذبية بالاشمئزاز، حتى ينتهي إلى العبارة الشهيرة:

«وفوق ذلك، ما أشد ما سيتعب ذلك!».

ويبدو أن كافكا يتخيل موسى بالطريقة نفسها. فهو لا يُحرم من دخول أرض الميعاد بقرار إلهي فحسب، بل كأن شيئًا في داخله يجعله يتوقف عند الحدود. كأنه بلغ النقطة التي كان ينبغي أن يتجاوزها، ثم فقد الرغبة في التجاوز. وكأن صوته الخافت يقول:

«أرض الميعاد… ما أشد ما سيتعب ذلك!».

وهنا تظهر إحدى أكثر أفكار كافكا عمقًا وإثارة. فالعجز لا يعود نقيض الإرادة، بل يصبح أحد أشكالها. والتردد لا يكون غيابًا للاختيار، بل صورة من صوره. ولهذا فإن شخصياته الكبرى لا تبدو شخصيات مكتملة أو مطمئنة إلى نفسها، بل ذواتًا منقسمة، تسعى إلى ما تريده، ثم تتراجع عنه حين تقترب منه. إنها تجد في العقبة ما يمنحها سبب الاستمرار، وتعيش على التوتر الذي يمنعها من الوصول.

ومن ثم فإن هذه الشخصيات لا تستقر داخل أساطيرها أو تقاليدها. إنها تبدو غريبة حتى عن القصص التي تنتمي إليها. ولهذا فإن كافكا، وهو يستخدم الأشكال الموروثة، لا يعيد إنتاجها كما هي، بل يقلب وظائفها من الداخل، حتى يتحول القديم إلى وسيلة للتعبير عن قلق حديث.

وهكذا يصبح عالمه صورة لعلاقة الإنسان الحديث بواقعه؛ علاقة يشوبها الانقطاع والاغتراب. فنحن ننتمي إلى عالم ما، لكننا لا نشعر بأننا في وطننا داخله. نشارك في مؤسساته ولغته وقيمه، ومع ذلك يظل بيننا وبينه حاجز خفي. ومن هنا تأتي تلك الترددات والثغرات والتعطلات التي تمتلئ بها نصوص كافكا؛ فهي ليست مجرد وسائل فنية، بل تعبير عن ذات لا تستطيع الاندماج الكامل في السياق الذي وجدت نفسها فيه.

ويبلغ هذا المعنى ذروته في العبارة التي سجلها في يومياته:

«التردد قبل الولادة. إذا كان ثمة تناسخٌ للأرواح، فأنا لم أبلغ بعد أدنى درجة. حياتي ترددٌ قبل الولادة».

في هذه الكلمات القليلة يختصر كافكا جانبًا مهمًا من طريقته في إعادة بناء الأسطورة. فالتناسخ، في صورته التقليدية، يفترض أن الروح تنتقل من حياة إلى أخرى. أما عند كافكا، فالمشكلة تسبق ذلك كله. إنها لا تتعلق بالحياة التي ستُختار، بل بالفعل الذي يجعل الاختيار ممكنًا.

ففي أسطورة «إير» التي يختم بها أفلاطون كتاب «الجمهورية»، تقف الأرواح أمام أنماط مختلفة من الحياة، وتختار بينها. أما عند كافكا، فإن الروح لا تصل أصلًا إلى لحظة الاختيار. إنها تبقى معلقة قبلها، مترددة عند العتبة، عاجزة عن الدخول في الوجود أو الانصراف عنه.

وجدت في هذا المقال ما يستحق التفكير؟ شاركه مع شخص واحد تعتقد أنه سيُقدّره. هذا أكبر دعم يمكنك تقديمه للمحتوى.

Share

وهنا يظهر حد فاصل جديد، لا بين النوم واليقظة، بل بين الوجود والعدم. غير أن السؤال لا يُطرح لكي يُحسم، بل لكي يظل مفتوحًا. فإذا كان أفلاطون مهتمًا بما تختاره الروح من صور الحياة، فإن كافكا ينقل مركز المشكلة إلى القدرة على الاختيار نفسها. فالعجز لم يعد في القرار الذي يُتخذ، بل في إمكان اتخاذه من الأساس.

ولهذا فإن التناسخ، بالنسبة إلى الإنسان الحديث، لا يتعلق بما سيصبح عليه الإنسان في حياة أخرى، بقدر ما يتعلق بعجزه عن أن يكون ذاته على نحوٍ مكتمل. إنه يتعلق بذلك الانقسام الكامن في الهوية، أو بذلك «الآخر» المقيم في أعماق النفس. وقد أطلق فرويد على هذه الحالة اسم «اختيار العصاب». وإذا مددنا الصورة التي رسمها كافكا للروح المترددة قبل أن تدخل الوجود، أمكننا أن نرى أشكال الوجود الإنساني المختلفة بوصفها صورًا متعددة للإخفاق في الولادة، أو للانحراف عن اختيار الوجود. فهناك التردد العصابي الذي يعجز عن الحسم، وهناك الإنكار المنحرف الذي يلتف حول القرار، وهناك النفي الذهاني الذي ينتهي إلى اختيار المستحيل ذاته: الامتناع عن الوجود.

وإذا كانت فكرة العالم السفلي، في صورتها الأسطورية القديمة، لم تعد مقبولة في وعينا الحديث، فإن البديل الذي نظنه قائمًا مقامها — أي هذا العالم الذي نحيا فيه — ليس أكثر انسجامًا أو استقرارًا مما نتصور. فهو عالم منقسم على نفسه، لا يكتمل معناه إلا بالإحالة إلى ما يتجاوزه، إلى ذلك البعد الخفي الذي يشبه الجنة أو الجحيم. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى اللاوعي الفرويدي بوصفه إعادة صياغة حديثة لذلك العالم السفلي الأفلاطوني؛ لا باعتباره مكانًا خارجيًا، بل باعتباره عالمًا باطنيًا يعمل في صمت النفس وأعماقها.

وفي لحظة من ضيقه، خطر لبلومفيلد أن يحطم تلك الكرات السحرية المزعجة تحطيمًا، وأن يحولها إلى شظايا صغيرة. لكنه سرعان ما توقف ليسأل نفسه: هل ستظل هذه الشظايا تقفز كما كانت؟ ثم يرفض الفكرة بسخرية تمتزج فيها الطرافة بشيء من التعقل حين يقول: «حتى الشيء غير المعتاد لا بد أن تكون له حدود». وقد تبدو هذه الخاطرة تعليقًا ساخرًا على خيال كافكا نفسه، كأن الكاتب يلمح إلى الحدود التي يفرضها على غرابته الأدبية، لكنها في مستوى أعمق نكتة عصابية عن الجنون ذاته؛ نكتة يصدرها عقل يقف على حافة الذهان، ثم يتراجع عنها في اللحظة الأخيرة. فالعالم لا يحتفظ بتماسكه لأنه يقوم على أساس صلب لا يتزعزع، بل لأنه — على نحو يثير السخرية أحيانًا — معيب بالقدر الذي يمنع انهياره الكامل.

وهنا نصل إلى رؤية تكاد تكون أقرب إلى التشخيص النفسي منها إلى التأمل الأدبي. فما يحفظ للعصاب توازنه ليس السيطرة المحكمة على الواقع، ولا الخضوع التام لقوانين النظام الاجتماعي والرمزي، بل قدرة خاصة على استخدام الضعف نفسه. إنها القدرة على تحويل النقص إلى مصدر قوة، والفشل إلى شكل من أشكال النجاح، وعلى اكتشاف الفراغ في قلب الامتلاء. والسر في ذلك أن يدور الإنسان حول هذا الفراغ دون أن يسقط فيه. ولو أردنا صورة أخرى لقلنا إن العصابي قادر على أن يخلق أرضًا تحت قدميه وهو يسير، كأن السلم يتكون أثناء الصعود درجة بعد درجة. وما دام مستمرًا في الصعود فإن السلم لا ينتهي، بل يواصل التشكل معه. وقد ختم كافكا قصة «المحامون» بصورة قريبة من هذا المعنى.

أما الذهاني فقد يرى في ذلك كله نوعًا من الوهم؛ لأنه يدرك هشاشة الأشياء إدراكًا مباشرًا لا لبس فيه. وهو يتصور أن من يصعد ذلك السلم لا بد أن يرى الهاوية تحته، فإذا رآها سقط فيها. وهنا نفهم «الصفقة الخاسرة» التي تحدث عنها كافكا باعتبارها حيلة دقيقة لمقاومة الجنون؛ توازنًا هشًا يقف فيه العصاب على حافة الانهيار، لكنه ينجو بفضل الخلل ذاته الذي يهدده. ولهذا فالتفسير الفصامي لعالم كافكا ليس خاطئًا تمامًا؛ فالواقع عنده واقع متشقق، تنفذ منه كائنات غريبة، وحيوانات هجينة، وصور يصعب تثبيتها في تعريف واحد. لكن الدرس الأعمق الذي يقدمه يتمثل في صورة أخرى للتماسك النفسي: تماسك يتكون من الشقوق نفسها، واستمرار يقوم على عناصر تقوضه، ونظام يظل قائمًا بقدر ما يهدم نفسه.

ولهذا كان أبطال كافكا خبراء في تخريب ذواتهم. فهم لا يسقطون بفعل قوة خارجية، بل بفعل ما يصدر عنهم هم أنفسهم. ومع ذلك فإن هذا التخريب لا يكتمل أبدًا؛ إذ يعجز عن أن يقضي عليهم قضاءً نهائيًا، فيظل ناقصًا، ويظل معه البقاء ممكنًا. ولذلك لا يملكون إلا أن يواصلوا «الصعود»، فيعيشون من خلال فشلهم في التوقف عن الحياة. ومن هنا تنبع الكوميديا الكافكاوية الخاصة، أو تلك المأساة التي لا تخلو من مسحة ساخرة. والدرس الذي تقدمه هذه الرؤية أن الإنسان يملك قدرة مذهلة على صناعة أقفاصه بيديه، لكن هذه القدرة نفسها تكشف عن قدر من الحرية الكامنة؛ فالقوة التي تمكّنه من تقييد نفسه هي ذاتها دليل على أنه ليس مقيدًا بالكامل. ولهذا لا نجد عند كافكا طريقًا واضحًا للخلاص، لكننا لا نجد أيضًا بابًا مغلقًا بصورة نهائية. إنما نجد حركة مستمرة داخل دائرة لا تنغلق أبدًا إغلاقًا كاملاً.

وقد وصف جاك لاكان هيغل يومًا بأنه «الهستيري الأسمى». فهل يصح، على القياس نفسه، أن نصف كافكا بأنه «العصابي الوسواسي الأسمى»؟ ليست الغاية من هذا الوصف اختزال الكاتب في تشخيص مرضي، ولا رد إبداعه إلى علة نفسية. وإنما المقصود أن نفهم كيف يستطيع الأدب أن يحول ظواهر علم النفس المرضي إلى أسلوب في الرؤية والتعبير، وأن يجعل منها — على حد تعبير كلب كافكا — موضوعًا لـ«تحقيق». فالقضية ليست تمجيد المرض أو منحه قيمة في ذاته، بل فهم آلياته وتعقيداته، والنظر إليه بوصفه إحدى الوسائل التي يواجه بها الإنسان أسئلته الكبرى ويبتكر بها أشكالًا جديدة للوجود.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن كافكا رفع العصاب إلى مستوى الأسلوب الأدبي. وقد عبّر عن ذلك في عبارة موجزة دوّنها في دفاتره، لعلها من أكثر عباراته دلالة على عالمه كله: «هناك هدف، ولكن لا طريق؛ وما نسميه طريقًا ليس إلا التردد».

نُقل من theparisreview من Aaron Schuster

أخذت شيئاً من هنا؟

فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.

أريد الدعم INSTAPAY

أريد الدعم PAYPAL

تواصل معي

Read the original on ahmedkanoreadings.substack.com

Comments

Nothing yet. Say the first thing.

    Sign in to join the conversation.