RSS Amplifier

قراءات كانوية | مقالات فلسفة وعلم نفس وثقافة مترجمة · Aug 17, 2026

أسرار تعلم اللغات بسرعة: دليل عملي من تجربة شخصية

0
Sign in to vote or save

قراءات كانوية · قراءات كانوية | مقالات فلسفة وعلم نفس وثقافة مترجمة

أتحدث سبعَ لغاتٍ تتفاوت بيني وبينها درجاتُ الإتقان، وتختلف منازلُها في نفسي كما تختلف منازلُها في الاستعمال. وكثيرًا ما يسألني الناس: كيف تعلمتَ هذه اللغات جميعًا؟ وكيف استطعت أن تبلغ فيها ما بلغت؟ حتى لقد كثرت عليّ هذه المسألة، فرأيت أن أكتب هذا الحديث، ليكون جوابًا أبعث به كلما عاد السؤال، ولعل فيه ما ينفع من أراد أن يسلك هذا الطريق.

أما لغتي الأولى التي نشأت عليها فهي الروسية؛ فهي لسان الطفولة، وصوت البيت الأول، وما تزال إلى اليوم أصلًا ترجع إليه ذاكرتي كلما هممت بالكلام أو التفكير. وأما اللغة التي أعيش بها الآن وأعمل، وأخالط الناس وأزاول بها شؤون الحياة، فهي الإنجليزية، وقد بلغت فيها منزلةً تقرب من منزلة أهلها، حتى إني أكاد أبلغ فيها حدَّ اللغة الأم، أو ما يسميه أهل التصنيف بمستوى C2، على ما يعرفه الدارسون في نموذج الإطار الأوروبي المشترك للغات.

وأعرف كذلك البيلاروسية، فقد نشأت حيث كانت تسمع في الطرقات والبيوت؛ وأعرف الصينية المندرينية، وكانت موضوع دراستي الجامعية، وقد استقر بي فيها الأمر عند منزلةٍ متوسطة تقارب B1 أو B2. ثم تعلمت البولندية حين أقمت في بولندا، فخالطت أهلها، وألفت لغتهم. ولي حظ من الفرنسية والإسبانية يبلغ بي نحو المستوى نفسه، بين المتوسط وفوق المتوسط. وأنا اليوم أبدأ مع اليابانية بدايةَ المبتدئ الذي يخطو خطوته الأولى، لا يحمل معه إلا صبر المتعلم وشغفه.

ولقد غيرت اللغات حياتي تغييرًا بعيد الأثر. فتحت لي أبوابًا لم أكن لأطرقها، وهيأت لي أعمالًا لم أكن لأبلغها، وأهدت إلي صداقاتٍ ما كنت لأظفر بها، ومنحتني هذا الشعور العجيب بالانتماء إلى أمكنةٍ كانت ستظل غريبةً عني لو بقيت لغاتها مغلقةً دوني.

وأذكر بكين سنة 2015، يوم كنت هناك في برنامجٍ للتبادل اللغوي؛ فقد كانت الصينية يومئذٍ عوني الذي أدبر به أمري، وأجعل المدينة، على سعتها وغرابتها، مكانًا أستطيع أن أعيش فيه لا مجرد عابر سبيلٍ يمر به.

ولعل القارئ يسأل: لمن هذا الحديث؟ ولمن أكتب هذا الدليل؟

أكتبه لمن احتاج اللغة من أجل عملٍ أو دراسةٍ في بلدٍ جديد. وأكتبه لمن أراد السفر، لا ليمر مرور السائح العابر، بل ليعيش المكان ويخالط أهله. وأكتبه لمن أحب أن يقرأ أو يسمع أو يشاهد بلغةٍ غير لغته. وأكتبه لمن أراد أن يتحدث إلى أهل شريك حياته، فيزيل بينه وبينهم وحشة اللسان. وأكتبه لمن أراد أن يشعر بأنه في وطنٍ جديدٍ، لا في غربةٍ لا تنتهي.

فإن كنت من هؤلاء، فلعل فيما أقول نفعًا لك. وغايتي أن أقدم نصائح عمليةً تبعث على العمل، وتدفع عنك ضياع الجهد ووهن العزيمة. وأنا — على غير ما يظن كثير من الناس — مولعٌ بعملية التعلم نفسها، لا بنتيجتها وحدها؛ فأحب أن أتأملها، وأفهمها، وأبحث عن طرائقها. فخذ مما أقول ما وافقك، ودع ما لم يوافقك.

وكل ما أكتبه هنا إنما يصدر عن أصلين: أولهما ما تؤيده أبحاث تعلم اللغة الثانية، وثانيهما ما نجح معي أنا في لغاتٍ متباينةٍ لا تكاد تتشابه. وغالبًا ما يلتقي هذان الأصلان، ولكنهما لا يقدمان ضمانًا مطلقًا؛ فالناس يختلفون في الدافع، وفي الوقت، وفي الذاكرة، وفي طبائع التعلم. فاجعل من هذا الحديث نقطة بدء، لا قانونًا صارمًا. وجرّب بنفسك، فليس للعلم حياة إلا بالتجربة.

قبل أن تفتح تطبيقًا، أو تشتري كتابًا، أو تعلن للناس أنك بدأت تتعلم لغةً جديدة، قف مع نفسك هذا الوقوف الصادق، واسألها: لماذا أريد تعلم هذه اللغة؟

ثم لا تكتفِ بالسؤال، بل امتحن الجواب امتحانًا عسيرًا.

يقول لي كثيرون إنهم يريدون تعلم الروسية ليقرأوا دوستويفسكي بلغته الأصلية. وهذا جميلٌ في ظاهره، ولكنه كثيرًا ما يكون وهمًا أكثر منه هدفًا. فأنا، على كوني ابن هذه اللغة، لا أقرأ دوستويفسكي قراءة العابر المسترسل. إن لغته من العمق والتعقيد بحيث تقرب من مستوى C2، وهو مستوى قد يحتاج بلوغه إلى سنين طوال.

أما الهدف الحق، فهو أن تقول مثلًا: أريد، بعد عامٍ واحد، أن أسافر إلى اليابان، فأطلب طعامي، وأقرأ قوائم الطعام، وأسأل عن الطريق، وأجري حديثًا يسيرًا مع الناس. أو تقول: أريد أن أتكلم مع أهل زوجتي بالإسبانية حين نجتمع إلى العشاء. أو تقول: أعيش في ألمانيا، وأريد أن أعمل بالألمانية، لأن ذلك يفتح لي أبوابًا أوسع.

فغاية المرء هي التي تحدد له ما ينبغي أن يركز عليه: أهو الكلام؟ أم الاستماع؟ أم القراءة؟ أم القواعد؟ أم حفظ المفردات؟ وهي التي تحدد كذلك مقدار الجهد اللازم.

فإن كنت تريد السفر، فأنت محتاج إلى العبارات اليومية وفهم السماع. وإن كنت تريد الحديث مع الأهل، فأنت محتاج إلى طلاقة المحادثة. وإن كنت تريد القراءة، فأنت محتاج إلى الثروة اللفظية وإحكام القواعد.

ذلك هو بعينه ما كتبته من قبل في حديثي عن معايرة الطموح؛ فإن الأهداف التي لا تتصل بالجهد الممكن لا تلد إلا الإحباط. ومن لم يختر وجهته، قد يظل يتحرك طويلًا دون أن يبلغ مكانًا.

ليست اللغات سواءً في الصعوبة، ولا المتعلمون سواءً في تلقيها.

لقد كانت البولندية يسيرةً عليّ، لأني أعرف الروسية والبيلاروسية؛ فالقواعد متقاربة، وكثير من الألفاظ مألوف.

وأما اليابانية فهي عليّ عسيرة؛ لأن بناءها النحوي بعيدٌ عن اللغات الأوروبية: ترتيب الجملة، وأدواتها، ومستويات التهذيب فيها، كلها عالمٌ آخر. ولعلها تكون أيسر على من نشأ بالكورية مثلًا.

ومع ذلك فإن القراءة اليابانية أهون عليّ من كثير من المبتدئين، لأني أعرف من الصينية عددًا كبيرًا من الرموز.

ولهذا لا وجود لطريقةٍ واحدة تصلح لكل الناس ولكل اللغات.

فاقضِ شيئًا من وقتك في أن تفهم: ما مقدار اختلاف هذه اللغة عما تعرفه؟ وما الذي تملكه فيها من ميزةٍ سابقة؟ وما الذي سيكون جديدًا عليك حقًّا؟

واليوم قد صار هذا أيسر بما تتيحه الأدوات الحديثة؛ فلك أن تسأل النظم الذكية أن تقارن بين لغتك الأم واللغة التي تريدها، وأن تقترح لك خطةً مناسبة.

وهذا الجهد الصغير قد يوفر عليك شهورًا من الحيرة.

وأذكر كراكوف سنة 2017؛ لقد كان امتلاكي قدرًا يسيرًا من البولندية سببًا في أن نستقر سريعًا حين أقمنا هناك عشرة أشهر، وكان لهذا اللسان البسيط أثرٌ لا يقدره إلا من ذاق الغربة.

تشير أبحاث تعلم اللغة بوضوحٍ لا يكاد يُدفع إلى أننا نتعلم أحسن التعلم حين نتلقى مدخلاتٍ مفهومة؛ أي نصوصًا وأصواتًا تفوق مستوانا قليلًا، نفهم أكثرها، ويخفى علينا بعضها.

في البدء يكون هذا في القصص البسيطة، والحوارات اليومية، والكتب الميسرة، والأصوات الواضحة البطيئة.

ولا تكن متشددًا في اختيار المادة؛ فقد تبدو بعض هذه النصوص ساذجة أو مملة، ولكنها ضرورية. فالمحتوى الحقيقي الرفيع لا يمكن بلوغه إذا لم تكن تملك إلا بضع مئات من الكلمات.

والغاية دائمًا واحدة: أن تفهم اليوم أكثر مما فهمت أمس.

إن المبتدئ يحتاج إلى بناء قاعدةٍ تكفيه لينتقل بعدها إلى المحتوى الأصيل الذي يحبه.

وقد وجدت أداةً نافعةً لهذا الغرض، لأنها تتيح لك القراءة والسماع معًا، وتمكنك من الوقوف على معنى الكلمة ونطقها في سياقها، بدل أن تحفظها حفظًا جافًا من القوائم.

ويمكن كذلك أن تبدأ بكتابٍ تمهيدي جيد، يعرض لك القواعد والثقافة والمفردات الأولى عرضًا منظمًا.

نصف ساعةٍ كل يوم خيرٌ من ثلاث ساعاتٍ مرةً واحدة في الأسبوع.

فالدماغ لا يتعلم اللغة دفعةً واحدة، وإنما يبنيها بناءً متدرجًا، كمن ينسج خيوطًا دقيقةً حتى تصير شبكةً محكمة. وهو يحتاج إلى تكرارٍ دائمٍ لهذا البناء.

وأنا أحاول أن أدرس صباحًا حين يكون الذهن صافيًا. وأستمع إلى التسجيلات وأنا أمشي بكلبي، أو أقوم بأعمال البيت.

وهذا التراكم يصنع العجب؛ ففي أكثر الأيام أقضي ساعةً كاملة على الأقل.

أما الحافز الأول الذي دفعك إلى البدء، فسيضعف لا محالة حين تصعب الأمور. ولكن لا بأس؛ فإن الحافز يعود من موضعٍ آخر: من التقدم نفسه.

فأنا حين أرى أني أفهم من اليابانية اليوم ما لم أكن أفهمه منذ شهر، أشعر برغبةٍ جديدةٍ في الاستمرار.

وهكذا يعلمك التعلم نفسه كيف تواصل الطريق.

وهنا يزلُّ أكثر الناس، وهنا ينقطع أكثرهم عن الطريق قبل أن يبلغوا منه الغاية.

فليس تعلُّم اللغة بالأمر الهيّن الذي يُنال في العجلة، ولا هو باليسير الذي يُدرك بطرفٍ من الجهد ثم يُترك لصاحبه أن يبلغ الكمال من غير عناء. وليس من الحق أن يظن المرء أن دقائق خمساً ينفقها كل يوم، ولو داوم عليها أعواماً، تكفيه ليبلغ من اللغة مبلغ الطلاقة والإحكام؛ فقد تُبقي هذه الدقائق جذوة التعلُّم متقدة، وقد تُمتع صاحبها بشيءٍ من الأنس، ولكنها لا تنقله إلى التمكّن الحق.

ويقدّر معهد الخدمة الخارجية الأمريكي أن المتحدث الأصلي بالإنجليزية يحتاج إلى نحو عامين من الدراسة المتصلة، دراسة تكاد تشبه التفرغ، حتى يبلغ من لغاتٍ كالإسبانية مبلغ الكفاية المهنية، وهو ما يقع في حدود المستوى B2، وهو المستوى الذي يسميه أكثر الناس طلاقة.

وهذا معناه مئاتٍ من الساعات، بل هو عند أكثر المتعلمين مشروع يمتد سنين، إذا هم اقتصروا على بضع ساعات في اليوم.

فأما لغاتٌ كاليابانية والصينية، فإن الطريق إليها أطول، والجهد في تحصيلها أشق، ولا سيما لمن نشأ على اللغات الأوروبية.

وكثير من الناس لا يُخفقون لأنهم عاجزون عن تعلم اللغات، وإنما يُخفقون لأنهم يخطئون تقدير الطريق، فيحسبونه قصيراً وهو طويل، ويسيراً وهو شديد.

أفتحتاج إلى ما يسمونه «الموهبة اللغوية»؟ أما أنا فلا أرى ذلك. لقد عانيت حين بدأت تعلم الإنجليزية في صباي معاناة غير يسيرة. والذي يعينني اليوم ليس موهبةً خاصة، وإنما هو الخبرة؛ فقد عرفت كيف أتعلم، وصار عندي من التداخل بين اللغات التي أعرفها ما يعينني على غيرها. وكثير من الناس لا يشرعون في تعلم لغتهم الأجنبية الأولى إلا في العشرين أو الثلاثين، ثم يبلغون منها مبلغ الطلاقة.

قد تُكسب بعض الخلفيات أصحابها شيئاً من التيسير، ولكن الاستمرار أثبت أثراً من الموهبة، وأبقى نفعاً منها.

ينتفع الكبار من الدراسة الصريحة للقواعد؛ فهي تكشف لهم النظام، وتدلهم على البناء، وتُعينهم على فهم ما يخفى من العلاقات بين الألفاظ.

ولكن ينبغي ألا تستبد القواعد بالدرس كله.

والنسبة التي أراها صالحةً في الجملة أن يُصرف نحو عشر دقائق إلى النحو، وأن يُصرف أربعون أو خمسون دقيقة إلى التلقي والاستماع والقراءة.

فالقواعد تُعينك على أن تُبصر النمط، وأما المدخلات فهي التي تُثبت هذا النمط في النفس، حتى يصبح طبعاً لا تكلف فيه.

وأنا أُكثر من النظر الصريح في القواعد حين أتعلم تركيباً جديداً كل الجدة، كما أصنع في اليابانية. وأُقلل من ذلك إذا كانت اللغة ذات صلة بلغة أعرفها، كما يقع لي في الإسبانية لاتصالها بالفرنسية.

ثم إذا جاوز المتعلم هذه المرحلة، وأراد أن يُحكم الدقة، كانت العودة إلى دراسة القواعد دراسةً مخصوصة نافعةً كل النفع.

وأنا اليوم، في ممارستي لليابانية، أكتب التراكيب التي أشق عليّ فهمها، وأعاود النظر فيها حتى تستقيم في ذهني.

إن القواعد وما يتصل بها من التلقي إنما تُنشئ في العقل صورة اللغة وبناءها الداخلي. أما الكلام، فإنه يُدرّب صاحبه على استخدام هذا البناء في الزمن الحاضر، وفي الموقف المباشر، من غير مهلة ولا تردد.

وموعد البدء بالكلام يختلف باختلاف الغاية، كما يختلف باختلاف اللغة نفسها.

فلما بدأت الإسبانية، بادرت إلى الكلام بها في وقت مبكر؛ ذلك أني كنت قد عرفت الفرنسية من قبل، وكان نطق الإسبانية يسيراً عليّ. فلم تمض عليَّ دروس يسيرة حتى استطعت أن أتفاهم بها.

وأما اليابانية، فإني أؤخر الكلام بها؛ لأني أريد أولاً أن أفهم بنيتها، وأقف على أسرار نظامها. ولست محتاجاً إلى الحديث بها الآن لتحقيق غايتي، فلا أحمل نفسي عليه حملاً.

ويغدو الكلام أنفع حين تستطيع أن تفهم مخاطبك فهماً معقولاً. فإن لم تستطع ذلك، انقضى أكثر الوقت في طلب الترجمة، وضاع الجهد.

وقد يستطيع المرء أن يتدبر أمره ببضع مئات من الكلمات الشائعة، ولكن الحديث المريح المطمئن يحتاج إلى آلاف الكلمات، وإلى ثروة من التراكيب والأنماط المألوفة.

والمفردات، وعمق الفهم السمعي، أهم مما يقدّر كثير من الناس.

ولهذا يرى كثير من أهل الخبرة أن الانتظار حتى يبلغ المتعلم نحو المستوى B1 دليل حسن، ولا سيما إذا كانت اللغة بعيدة الصلة بلغته الأم.

فإذا بلغت من الفهم مبلغاً تستطيع معه أن تُتابع الحديث اليسير، فابدأ بالكلام على وجه الانتظام.

وجلستان أو ثلاث في الأسبوع تكفي أكثر الأغراض.

وأما اللغات الأشد عسراً، فأرى أن يبدأ المتعلم فيها بنصف ساعة، لا بساعة كاملة، حتى تألف النفس هذا الجهد.

وينبغي للمعلم أن يكون عارفاً بطبيعة هذا الطريق؛ فيُقدّر أن الساعات العشرين الأولى عسيرة مُرهقة، وأن المشقة فيها طبيعية لا تدل على ضعف ولا تقصير.

وأما أين يجد المرء هذه الممارسة، فقد كنت حين كنت طالباً قليل المال أشارك في برامج التبادل اللغوي على مواقع مثل «هالو توك» و«إيتالكي». وكان ذلك ينفعني نفعاً حسناً، بشرط أن أكون مستعداً لأن أعين صاحبي بلغتي الأم كما يعينني بلغته.

فإن استطاع المتعلم أن يحتمل نفقة معلم خاص، على مواقع موثوق بها مثل «إيتالكي» أو «فيربلينغ»، وكانت الجلسة بين خمسة عشر وخمسة وعشرين دولاراً، فإن ذلك كثيراً ما يختصر عليه الطريق، ويوفر عليه من الزمن ما لا يقدَّر بثمن.

هل تستطيع أن تستعين بالذكاء الاصطناعي لتدرّب نفسك على الحديث عوضًا من الإنسان؟

أما عن تجربتي التي لا تزال تتجدد، فأحسب أن أدوات الصوت التي أتاحها الذكاء الاصطناعي لا تزال — إذا نظرنا إلى المبتدئين خاصة — أسرع من أن تُلائم حاجاتهم، وأقل مرونة من أن تُساير بطءَ تدرجهم في الفهم والتعبير، وإن تكن ذات نفع ظاهر لمن توسطوا أو تقدموا في تعلم اللغة. على أن بين هذه الأدوات وبين الحديث إلى متكلم أصيل فرقًا بعيدًا؛ ففي صحبة الإنسان مساءلة تلزمك بالمثابرة، وتحملك على الانتظام، وتفتح لك بابًا من الأنس قد يبلغ بك إلى أن تنشئ صداقة تمتد وتنمو على توالي الدروس والأيام.

لقد انتقلت بالإنجليزية انتقالًا بعيدًا؛ بدأت بها قريبًا من الصفر، ثم انتهيت إلى مستوى يكاد يداني مستوى أهلها.

فماذا صنعت؟

أول ما صنعت أني أحكمت الأساس: قواعد اللغة ومفرداتها، مستعينًا بمدخلات واضحة ميسورة الفهم، حتى بلغت نحو المستوى B1.

ثم أكثرت من التعرض لها تعرضًا غزيرًا؛ قرأت الكتب، واستمعت إلى البودكاست، وشاهدت الأفلام التي كنت أجد فيها متعة صادقة، ثلاث ساعات أو يزيد في اليوم الواحد، على امتداد عامين أو ثلاثة.

ثم عشت حياتي نفسها بالإنجليزية؛ إذ انتقلت لأقيم مع من كان يومئذ شريكي، وكان من أهل المملكة المتحدة، وإن كنا نقيم في بيلاروسيا.

وكان هذا الشريك البريطاني يصحح لي ما أنطق به كلما أخطأت، ولا سيما حين بلغت مستوى B2 وما فوقه، إذ يصبح التصحيح آنذاك معينًا على تهذيب اللغة وصقلها، لا عائقًا يثقل على اللسان.

وليس كل الناس يجدون شريكًا يتكلم لغتهم المنشودة، ولكن يستطيع المرء أن يستعيض من هذا بمدرس ثابت إن وسعته النفقة، وإن يكن الطريق عندئذ أبطأ قليلًا.

ولم أكن ممن يعتمدون البطاقات التعليمية؛ فكثير من الناس يعجبهم «أنكي»، ولكني لم أجد نفسي قادرًا على ملازمته، وآثرت أن أتعلم الألفاظ من السياق الحي، في القراءة والاستماع.

وماذا تصنع إذا بلغت غايتك؟

إن أكثر الناس لا يحتاجون إلى أن يبدوا كأنهم من أهل اللغة أنفسهم.

فالمستوى المتوسط، من B1 إلى B2، يكفي غالبًا لأن يعيش المرء، ويعمل في بعض الوظائف، ويقيم صلات إنسانية مستقرة.

أما C2، وهو أقصى ما يُرجى من الكفاية حتى يقارب المتعلم أهل اللغة، فقلما يحتاج إليه الإنسان إلا إذا أراد الإقامة الدائمة بين أهل تلك البلاد.

فاعرف إذن إلى أي حد تريد أن تبلغ، فإذا بلغته فلا حرج عليك أن تدع عنك «الدراسة» بمعناها المدرسي، وأن تكتفي بأن تحيا اللغة استعمالًا.

وهل تنسى اللغة إن هجرتها؟
أما في تجربتي، فإذا بلغ المرء من اللغة حدًّا متوسطًا ثم انقطع عنها، فهو لا يفقدها كلها، ولكنه يجدها قد أصابها شيء من الصدأ؛ فيثقل عليه النطق، ويبطؤ عليه الفهم. غير أن العودة إليها يسيرة إذا استأنف التعرض لها والممارسة؛ فما يكاد يمضي وقت قصير حتى تعود إليه طيعة كما كانت.

وهل يجوز أن تخطئ وإن كنت طليقًا؟
نعم، بل لا مفر من ذلك؛ فأهل اللغة أنفسهم يخطئون. وأكثر الناس يقدرون المحاولة الصادقة ولا يحكمون عليك بها، ولا سيما إذا كانت لغتهم مما يعلمون شدته على الغرباء. وأنا، على أني روسي اللسان، ما زلت أعجب بكل من يحاول أن ينطق بشيء من الروسية، قلَّ هذا الشيء أو كثر.

وقد كان حديثي بالإنجليزية على مستوى C2 هو الذي أتاح لي أن أندمج، وأن أجد لي عملًا، وأن أستقر في المملكة المتحدة.

ما الذي لا أوصي به؟

أما الصفوف الجماعية، فهي في الأغلب بطيئة قليلة الجدوى للمتعلمين البالغين؛ إذ لا ينال المرء منها إلا يسيرًا من وقت الكلام، ثم قد يكون من حوله أسرع منه أو أبطأ، فيورثه ذلك ضيقًا وإحباطًا.

وأما التنقل بين عشرة تطبيقات وكتب، فذلك مما يبدد الجهد؛ اختر مصدرًا أو مصدرين تحبهما، والزمهما ما داما ينفعانك، ولا تتردد في العدول عنهما إذا انقطع نفعهما.

وأما الحرص على حفظ القواعد والمفردات حفظًا كاملًا متقنًا، فليس هذا هو الطريق؛ فإن الفهم المستمر، والمدخلات والمخرجات المتتابعة، كفيلة بأن تجعل هذه الأمور تلقائية مع الزمن. فاجعل همك الفهم والتمييز، لا الكمال المتعجل.

وأما حمل النفس على الكلام قبل أوانه، فذلك عسير غير منتج؛ فإذا كنت لا تفهم ما يقال لك، كان الحديث كله ضربًا من العناء العقيم.

وأما من يوصيك أن «تتعلم كما يتعلم الطفل»، فإني لا أرى هذا الرأي. فالطفل يتعلم بالغمس الطويل في اللغة، ولكن الراشد قد أوتي من القدرة على التحليل، ومن المعرفة بالعالم، ما يجعله أقدر على أن يستعين بالشرح، والمقارنة، والتخطيط الواعي، فيتعلم أسرع من الطفل.

وأما أن تتعلم من محتوى تمقته نفسك، فذلك شر البلاء. فإذا بلغت المستوى المتوسط، فالتمس ما تحبه حقًّا، من حديث أو كتاب أو مادة تشغف بها؛ فإن خير المصادر ما حملك الشوق إليه، حتى تقبل عليه نهمًا لا تكلفًا.

المصادر التي أُوصي بها

لقد تنقّلتُ بين موارد شتّى، واختلفت بي السبل باختلاف اللغات التي تعلّمتها؛ غير أنّ هناك مصادر عامة وجدتها نافعة في أكثر الأحوال، صالحة للمبتدئ كما تصلح للذي جاوز طور الابتداء ومضى في الطريق.

فمن هذه المصادر كتبُ المحادثة للمبتدئين، ولا سيما ما تصدره سلاسل معروفة كـ«علّم نفسك». وأخصّ بالذكر سلسلة «اختراق اللغة» لبيني لويس، وهي متوافرة بالألمانية، والفرنسية، والصينية المندرينية، والإيطالية، والإسبانية؛ وهي نافعة أيّما نفع لمن أراد أن يقتحم باب التحدث اقتحامًا سريعًا، وأن يأنس باللغة منذ أوائل الطريق.

ومنها كذلك منصة «لينغ كيو»، وهي وإن كانت مدفوعة، فإنها من خير ما وقعت عليه للناشئين والمواظبين على التعلّم؛ إذ تُيسّر القراءة والاستماع، وتُقرّب المدخلات اللغوية تقريبًا يخفّف المشقة، ويحبّب الدرس إلى النفس. وتمكّنك كذلك من إدخال ما تشاء من المواد التي تختارها بنفسك. وليس عجيبًا أن تكون كذلك، فقد أنشأها رجل متعدد اللغات، هو ستيف كوفمان، الذي تعلّم عشرين لغة.

وهناك أيضًا «بيمسلور»، وهو مورد مدفوع كذلك، يركّز على السماع والكلام، ويناسب من لم يكن في حاجة ماسّة إلى القراءة والكتابة، ولا سيما في اللغات التي يسهل نطقها. غير أني وجدته أبطأ مما أحب، ورأيت أنّ الاعتماد عليه وحده لا يكفي؛ فلا بد معه من مدخلات إضافية كثيرة حتى يبلغ المتعلّم فهم المتحدثين الأصليين فهمًا صحيحًا. ثم إني لا أراه أوفى المصادر قيمة إذا قيس بما يُدفع فيه.

ومن المصادر النافعة سلسلة «اللغات السهلة» المجانية على يوتيوب، وهي تعرض لقاءات مع متحدثين أصليين في الشوارع بلغات كثيرة. ولئن كانت عسيرة بعض الشيء على المبتدئ الخالص، فهي بالغة الجدوى لمن بلغ المرحلة المتوسطة. ثم إن يوتيوب نفسه بحر لا ساحل له؛ فحسبك أن تكتب اسم اللغة التي تطلبها، ثم تنظر ما يروقك من المحتوى.

وأما «ديولينغو»، وهو مجاني مع الإعلانات، فأراه حسنًا جدًّا لبناء العادة، ولتأسيس القواعد الأولى، ولا سيما لمن لم يألف تعلم اللغات قط. غير أنّ المتعلّم، إذا جاوز بضعة أشهر، احتاج إلى ما هو أوسع منه وأغنى، من المدخلات المفهومة التي تُحدث تقدمًا جادًّا.

وهناك أداة «لانجويج ريأكتور»، وهي إضافة لمتصفح كروم، تجعل الترجمة النصية في يوتيوب ونتفليكس قابلة للنقر والتفاعل. وهي نافعة كل النفع لمن أراد أن ينغمس في المحتوى الذي يحب، دون أن ينقطع عنه كلما استعصت عليه كلمة.

وأحب كذلك القصص القصيرة للمبتدئين التي يكتبها أولي ريتشاردز، ولا سيما لمن يألف القراءة في الكتب الورقية. وهي تعتمد مفردات وتراكيب يسيرة. على أني أرى أن أدوات مثل «لينغ كيو» قد تكون أيسر استعمالًا وأعظم راحة.

فإذا آن أوان الكلام، وأحسست أنك مستعد له، فإني أُوصي بمواقع مثل «إيتالكي» و«فيربلينغ»، ففيهما دروس معقولة الثمن، نافعة الأثر.

ولمن أراد أن يعرف كيف يتعلّم متعددو اللغات لغاتهم

ثم إن من شاء أن يزداد علمًا بكيفية تعلّم متعددي اللغات، فله أن يقرأ ما أُلّف في ذلك من الكتب؛ غير أني أنصحه ألّا يُفرط في درس طرائق التعلّم حتى يصرفه ذلك عن التعلّم نفسه. فخير العلم ما أورث عملًا، وخير النظر ما أعقبه سعيًا.

وإني لعلى استعداد أن أذكر بالتفصيل المصادر التي استعنت بها في كل لغة تعلمتها، وما أحببت منها وما كرهت، فإن كان في ذلك رغبة، فحسبكم أن تذكروا اللغة التي تريدون، فأبدأ بها.

ما الذي ينتظرني بعد ذلك؟

أما أنا، فإني أرجو أن أظل متعلمًا للغات ما امتد بي العمر. بل أستطيع أن أتصور نفسي أقبل على خمس لغات أخرى أو يزيد: البرتغالية، والإيطالية، والكانتونية، والألمانية، والكورية؛ إلى جانب ما أعمل على تحسينه مما تعلمته من قبل.

ولعلّي أختم بهذا القول الجميل الذي تركته لنا متعددة اللغات الراحلة كاتو لومب:

«ينبغي لنا أن نتعلّم اللغات؛ لأن اللغة هي الشيء الوحيد الذي يستحق أن يُعرف، ولو عُرف على نقص.»

وما أصدق هذا القول! فإن اللغة ليست علمًا يُحفظ ثم يُنسى، بل هي قوة ترافق صاحبها ما بقي، وتظل تُعطيه من الخير ما دام يحسن صحبتها.

وإني لأرجو أن يكون فيما كتبت ما يعينك على أن تجد سبيلك إلى لغة تلائم حياتك، وتخدم غايتك، وتفتح لك بابًا جديدًا إلى العالم.

شكرًا لك على القراءة، وأرجو لك تعلّمًا سعيدًا موفقًا.

نٌقل من مدونة notingthemargin

Read the original on ahmedkanoreadings.substack.com

Comments

Nothing yet. Say the first thing.

    Sign in to join the conversation.