ملاحظة: لأول مرة على قراءات كانوية — هذا المقال ليس ترجمة بل صوتي أنا، وأفكاري أنا.
كان يكفي المرء—لو انقاد وراء أوهام هذا العصر البراق—أن يفتح شاشة هاتفه في أي ساعة من ليل أو نهار، ليرمي في صندوق التعليقات سؤالاً لا يتجاوز الكلمات المعدودة: «كيف أنجح في حياتي؟». وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى تنهمر عليه الإجابات المعلبة في شكل قائمة عسكرية صارمة: استيقظ في الفجر، اركض كل صباح، التهم كتاباً كل شهر، نظّم وقتك بالدقيقة، واصنع لنفسك هالة من الإيجابيين. هل هذه النصائح خاطئة؟ في الحقيقة، لا. بل إن معظمها عين الصواب، لكنه الصواب الأجوف الذي يشبه رسم خريطة طريق مبهرة لشخص لم يتعلم خطوته الأولى بعد! العلة هنا ليست في بطلان الوصفة، بل في الوهم القاتل بأن الوصفة تصنع الكعكة بمفردها. العقل الحديث يصر على تحويل الوجود الإنساني إلى كتيب إرشادات (كتالوج)؛ ضع المقادير، انتظر قليلاً، ثم استلم نجاحك ساخناً من الفرن. وهنا تحديداً تكمن أزمة عصرنا: إنه عصر يلهث فيه الناس وراء الأجوبة السريعة بقدر ما يفرون من مشقة الأسئلة، وتتحول فيه الحكمة إلى مجرد كليشيهات تُحفظ، لأن أحداً لم يعد يملك صبراً على مرارة التجربة وصعوبتها.
ولعل الفيلسوفة أغنيس كالارد قد مسّت الجرح تماماً حين فرقت بذكاء بين التعليمات وبين التدريب. فالتعليمات—يا صديقي—تكون صالحة وممتازة عندما تتعامل مع فعل ميكانيكي محدود وواضح المعالم؛ تريد تشغيل غسالة جديدة، أو تركيب رف خشبي على الحائط، أو تحميل برنامج على حاسوبك؟ حسناً، اتبع الخطوات (1، 2، 3) وستصل للنتيجة حتماً. أما التدريب؟ فذاك شأن آخر تماماً. التدريب ليس حقناً للمعلومات في وريدك، بل هو عملية صهر وإعادة تشكيل لكيانك أنت! الغاية هنا ليست أن تعرف ماذا تفعل، بل أن تتحول—حرفياً—إلى شخص آخر غير ذلك الذي بدأ الرحلة. لذا، لا توجد “خلطة سريعة” للتدريب؛ لأن أحداً لن يستطيع أن يسترجل بالنيابة عنك، ولا أن يتجرع الصبر مكانك. هل يمكنك أن تستأجر موظفاً ليحب بدلاً منك؟ أو ليؤمن بما تؤمن به؟ أو ليعيش نيابة عنك تلك اللحظات الوجودية القاسية حين يشتعل الشك في صدرك؟ بالطبع لا.
هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن أجدادنا، وإن صاغوها بلغة بعيدة عن تقعر الفلسفة الحديثة. خذ عندك مثلاً الإمام أبو حامد الغزالي—وهو من أثقل العقول في تاريخنا—فهذا الرجل لم يخرج من أزمته الروحية والفكرية الطاحنة لأن شيخاً ما أملى عليه عشر وصايا سحرية، ولا لأنه عثر على ورقة تختصر له اليقين في خمس دقائق بدون عناء! بل هو نفسه يحكي في كتابه “المنقذ من الضلال” كيف انقلبت حياته رأساً على عقب، وكيف تزلزل يقينه الداخلي لدرجة أن لسانه جف وعجز عن التدريس، بل إن جسده نفسه انهار اعتلالاً بمرض روحه. ترك منصبه وعزه وجاهه، وهام في الأرض سنين عديدة بين عزلة، وعبادة، وتأمل مضنٍ. لم يكن يفعل ذلك لأن الطريق ضبابي فحسب، بل لأن “السالك” نفسه—أي الغزالي ذاته—كان بحاجة إلى أن يتغير في العمق قبل أن يغير أفكاره. لو كانت المسألة تُحل بنصيحة باردة تُلقى على عجل، لما احتاج الغزالي إلى كل تلك المجاهدة الشاقة التي بدلت قلبه قبل أن تبدل رأيه.
وفي ميدان الفكر والتعليم نجد الأثر ذاته؛ إذ يروي نجيب محفوظ أن طه حسين كان يستشيط غضباً من طلابه إذا رأى أقلامهم تنسخ محاضراته حرفياً دون وعي، وكان يوبخهم قائلاً: “اكتبوا ما استوعبته عقولكم، أما المراجع فملقاة في مكتبة الجامعة”. لم يكن عميد الجامعة وقتها يهدف إلى تعقيد حياتهم، بل كان يدرك أن المعرفة التي لا تمر عبر خلاط العقل لتُهضم جيداً لن تستقر فيه أبداً. الطالب الذي يكتفي بابتلاع كلام أستاذه يخرج في النهاية حافظاً ببغاوياً لا مفكراً، ومردداً أعمى لمعانٍ لم يساهم في خلقها. المعلمون الحقيقيون لا يبيعون إجابات معلبة، بل يدربون تلامذتهم على توليد الإجابات من رحم المعاناة الشخصية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يمنعنا من الشطوح بهذه الفكرة إلى أقصى تطرفها؛ فليس كل ترتيب للخطوات هو سذاجة بالضرورة، ولا كل منهج عملي هو خدعة أو اشتغالة. فالغزالي نفسه، بعد أن تجاوز محنته وتلك التجربة المزلزلة، جلس ليكتب في “إحياء علوم الدين” فصولاً مفصلة عن التوبة، والصبر، والشكر، والمحاسبة، واضعاً لكل مقام آداباً وأسباباً تعين السالك في طريقه. ما معنى هذا؟ معناه أن الإنسان يحتاج—في مواضع معينة—إلى “تعليمات” واضحة، كحاجة المسافر إلى لافتات مرورية ترشده. لكن تذكر دائماً: اليافطة لن تقطع المسافة نيابة عنك، ولن تعفيك من تورم قدميك وتعب السير. هي مجرد بداية نافعة، لكنها ليست نهاية كافية؛ تنير الموضع الذي ستضع فيه قدمك، لكنها لا تخلق لك القدم التي تمشي بها، وتضيء الدرب، لكنها تعجز عن ضخ العزيمة في قلبك لتكمل المشوار حتى آخره.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه: إذا كانت النصائح المجردة لا تصنع إنساناً، والتجارب الحقيقية لا تولد من عدم... فمن أين كان أولئك الذين تغيرت حيواتهم حقاً يستمدون القوة (أو الباور، إن جاز التعبير) لاحتمال هذا الطريق الطويل بكل صعوباته وعقباته؟ ومن كان يسند ظهورهم إذا وهنوا وتخشبوا قبل أن يبلغوا الغاية التي خرجوا لأجلها؟
هنا تحديداً تفلت المسألة من سياقها الفردي الضيق، لترتفع وتغدو—بلا أدنى مبالغة—سمةً فارقة مصبوغة باسم هذا العصر بكامله.
لقد وضع الفيلسوف الألماني والتر بنيامين يده على الجرح في مقالته الشهيرة عن «الراوي»؛ إذ رأى أن معضلة الإنسان الحديث لا تكمن في عجزه عن قرصنة الأخبار أو تداول شلالات البيانات والمعلومات—فهذا متاح ومبتذل—بل في أمر أعمق غوراً وأشد إيلاماً: لقد فقدنا القدرة على “تمرير التجربة” من روح إلى روح أخرى. المعلومة قد تطوف الكوكب في ثانية واحدة، وتصل إلى الملايين بضغطة زر طائشة، غير أن التجربة؟ مستحيل لها أن تنضج ما لم تعش وقتها وتستوِ على نار هادئة بين إنسان وإنسان؛ يطحنها العيش المشترك، وتصقلها الملاحظة الدقيقة، وتزكيها الثقة وطول العشرة. قديماً، لم يكن الراوي مجرد ساعي بريد يحمل خبراً طازجاً لسامعيه، بل كان يفرغ في حجر جليسه قطعةً من عمره الخصيب، ولهذا كانت الحكمة تبات في نفس المستمع راسخة، تماماً كما كانت مستقرة في صدر صاحبها الأول.
أما ابن اليوم؟ آه... إنه يستهلك في النهار الواحد آلاف الكلمات والسطور، ثم ينصرف إلى شأنه بذاكرة مكدسة بالمحفوظات والمعلومات الجافة، لكن لو قست حظه من النضج الإنساني؟ لتوجست خيفة؛ إذ لا يكاد يبرح مكانه. العلة ليست في أن الكلمة قد فقدت سحرها القديم، بل لأن “الوصلة الإنسانية” التي كانت تحمل تلك الكلمة وتغذيها... قد أصابها الوهن. فكر فيها قليلاً: ما أكثر الذين نتابعهم ونعرف أدق تفاصيل حيواتهم على الشاشات، ولكن يا ترى كم واحداً منهم يعرف اسمك أنت؟ انسى اسمك، مَن منهم يدرك طبيعة نفسك، أو يعلم مواطن ضعفك التي تؤرق مضجعك، أو يعلم ما أنت أحوج إليه حقاً لتقف على قدميك؟
لا أحد، تقريباً.
من هنا كانت الحكمة القديمة تلح على طالب المعرفة بلجاجة: “فتش عن المعلم قبل أن تفتش عن العلم”؛ لأن المعرفة إذا فُصلت عن صاحبها بادت وغدت مجرد رص كلام في السطور وصياح في الفراغ، أما إذا اقترنت بكيان حي، فإنها تتحول إلى خلق يُرى بالعين قبل أن يُوصف باللسان، وسلوك يُقتدى به قبل أن يُشرح بالعبارات. ولهذا السبب عينه، كان “السند” عند علماء المسلمين أرحب بكثير من مجرد سلسلة أسماء جافة تُسطر في مستهل المخطوطة للمباهاة؛ لقد كان في جوهره حَبلاً سرياً ورابطة دم روحية، ينتقل العلم عبرها كما تنتقل “العدوى الحسنة”—بالمجالسة، والملازمة، والأنفاس المتقاربة—قبل أن يُثبّت بالحبر على الطروس. لم يكن الأسلاف يرون أن الحكمة تُجتبى من الصحائف وحدها، بل كانوا يعدون ملازمة العالم، والنظر في سيرته، ومراقبة تقلبات أحواله، جزءاً لا ينفصل عن التحصيل نفسه؛ فالنفس البشرية، بطبعها، تشرب من الأفعال والمواقف أضعاف ما تتلقاه من الخطب الرنانة.
لنعد بالذاكرة إلى طالب العلم في الأزهر القديم... شاب غرير يلملم شتات ثيابه ويخرج من قريته الراقدة في أحشاء دلتا النيل أو من أقاصي صعيد مصر، يودع أهله وهو يدرك في قرارة نفسه أنه قد يغيب عنهم أعواماً ذوات عدد قبل أن يعود. ينزل في “الرواق” المخصص لأبناء إقليمه داخل الجامع الأزهر؛ عيشة ضيقة، وقوت على القد، لكن الآمال كانت تنطح السحاب. يبدأ نهاره قبل طلوع الشمس، فيلزم الحلقة نفسها، بين يدي الشيخ نفسه، عاماً بعد عام.
لم يكن جلوسه هناك مقتصراً على تلقي الإملاء ونسخ المتون، بل كانت عيناه ترصدان كل حركة وسكنة:
يراقب أستاذه وهو يجيب السائل المتردد برحابة صدر.
يراه وهو يمتص غلواء المعترض المشاغب ببرود يُحسد عليه.
يتأمل أسلوبه وهو يتأنى في الفتوى، يبتسم في موضع، ويشتد ويغلظ في موضع آخر.
هذا الفتى كان يتعلم من تلك التفاصيل والدقائق ما لا تسعه مئات الصفحات الحافلة. كان يلقط نبرة الصوت عند تباين الآراء، ويرى كيف تترتب الفكرة داخل عقل الشيخ قبل أن تنطق بها شفتيه، ويتشرب أدب الاعتراف بالخطأ (وهو أصعب الدروس على النفس البشرية). هذه الأمور لا يحتويها متن، ولا تختصرها كراسة، ولا يملك القدرة على حملها مقطع مصور “تيك توك” أو “ريلز” لا يتجاوز بضع دقائق، مهما بلغت براعة المونتاج!
لأجل هذا كله، بقي لفظ «الصحبة» حياً وله هيبة في تراثنا؛ فالإنسان مستحيل أن يصحب كتاباً (فالكتاب لن يوبخك إذا خبت)، ومستحيل أن يلازم شاشة صماء كما يلازم معلماً حياً، يعلم متى يشتد عليه ليفوقه، ومتى يرفق به، ومتى يدفعه إلى الأمام، ومتى يمهله حتى يشتد عوده ويصلب طوله. كانت الصحبة في عُرف الأسلاف باباً عظيماً من أبواب التربية؛ لأنها تجعل العلم معجوناً بالأخلاق، والمعرفة ذائبة في السلوك، فلا يرى الطالب من أستاذه نظريات يقولها فحسب، بل يعاين كيف تتحول هذه النظريات إلى واقع يتنفس في حياته اليومية.
هذه الحقيقة الوجدانية لم تكن حكراً على حلقات الفقه والحديث، بل تجلت بوضوح في ميادين الأدب والفكر. انظر إلى نجيب محفوظ في مطلع شبابه؛ كيف أكثر من التردد على مجالس سلامة موسى. نجيب لم يكن يبحث عن الثناء الرخيص أو كلمات مجاملة تداعب إيغو—أي غرور—الكاتب المبتدئ، بل كان يلتمس “عيناً خبيرة” تبصر فيه ما يعجز هو عن رؤيته في نفسه. يروي محفوظ أن سلامة موسى قال له يوماً، دون مواربة ولا غلظة: «عندك موهبة كبيرة، ولكن مقالاتك سيئة جداً».
لم تكن هذه الكلمة طعنة عابرة تكسر مجاديفه، بل كانت أثمن هدية لا يستطيع تقديمها إلا رجل عرف تلميذه حق المعرفة، وقرأ إنتاجه بعمق، وآمن بما يمكن أن يبلغه لو استقام عوده. لو أن هذه العبارة خرجت من حساب مجهول في تعليق أسفل منشور على شبكات التواصل، لتاهت وسط الضجيج العارم ولم تترك أثراً، ولكنها خرجت من فم معلم تابع خطواته بحب، وأراد له النضج لا التصفيق؛ فحملته تلك القسوة الحانية على إعادة النظر في موضوعاته، وعجن لغته وبنائه الفني من جديد، حتى ارتقى إلى المنزلة التي عرفه الناس بها.
حين نلتفت إلى حال الكثير من شباب هذا العصر، نجد صورة تكاد تكون نقيضاً تاماً لتلك اللوحة الأصيلة. فربما تابع أحدهم عشرات المدربين، و”اللايف كوتشز”، وصناع المحتوى على إنستجرام وتيك توك؛ يحفظ وجوههم، ويتتبع أخبار رحلاتهم، ويبصم على أشهر عباراتهم. ولكن، ما الحصيلة؟ لا تجد في حياته كلها معلماً واحداً يعرف اسمه! لا يوجد شخص يدرك تركيبته النفسية، أو يتابع تدرجه عاماً بعد عام، أو يملك الحق في أن يجلس معه في ساعة صدق ليقول له: “هنا أخطأت وعكفت، وهنا أحسنت، وهنا ينبغي أن تفرمل لتبدأ من جديد”. الشاب يعرف كل شيء عمن يتابعهم، أما هم فلا يعرفون عنه شيئاً. وعشية ذلك، تبقى العلاقة بينهم علاقة “بصبصة” واطلاع، لا تربية؛ ومجرد متابعة وضغط زر الإعجاب، لا صحبة حقيقية.
ومع ذلك، وإنصافاً للحق، لا ينبغي لنا أن نقلب الماضي إلى جنة مفقودة ونبكي على أطلالها، ولا أن نصور الحاضر كأنه خراب مستعجل لا خير فيه. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الثورة الرقمية قد فتحت طاقة قدر لآلاف الشباب ممن حالت بينهم وبين العواصم الكبرى، أو الأزهر، مسافات الجغرافيا الضارية، أو ضيق ذات اليد. هؤلاء بات بمقدورهم، بلمسة شاشة، أن يستمعوا لكبار العلماء، وأن يطالعوا كتباً كانت نادرة المنال، وأن ينتفعوا بمحاضرات ودورات مجانية ما كان لأسلافهم أن يحلموا بربعها!
هذه نعمة سابغة وجحدها عمى عين؛ فالمشكلة لم تكن يوماً في وفرة المعرفة، بل في الحسبة المقلوبة: في الوهم بأن لمّ المعلومات كافٍ وحده، والذهول عن حقيقة أن هذه المعرفة تحتاج إلى “إنسان” يعينك على هضمها وتحويلها إلى جزء من لحمك ودمك.
إذا كان الوصول إلى المحتوى (الداتا) اليوم أيسر من شربة الماء، فلماذا يبدو الوصول إلى الحكمة أشق من أي وقت مضى؟ وما السر في أن قصة واحدة صادقة تخرج من قلب نابض قد تقلب كيان إنسان وتغيره للعمر كله، في حين تمر أمام عيوننا مئات المقاطع القصيرة كل يوم، فلا تترك في النفوس إلا أثراً خفيفاً... لا يلبث أن يزول مع أول حركة إصبع نحو الأعلى؟
لو أردنا الإمساك بـ اللحظة الحرجة التي يظهر فيها الشرخ واسعاً بين مجرد تلقي معلومة جافة وبين معايشة قصة حقيقية، فلن نجد أفضل مما وضعه الفيلسوف الألماني والتر بنيامين؛ ذلك التمييز الذكي والمفصلي بين “الخبر العابر” وبين “الرواية الحية”.
المعلومة في زماننا هذا تصل إليك على طبق من ذهب: بناء مسبق الصنع، تفسير مغلق، أحكام جاهزة، ونتائج معلبة. لا تترك لعقلك متسعاً للمناورة، فإما أن تبصم بالعشر وتصدقها، أو ترفضها وتدير ظهرك. ولهذا السبب بالذات، غدت المعلومات أشبه بـ سلع الاستهلاك اليومي؛ تؤدي غرضها في اللحظة التي تقع فيها بين يديك، ثم تصبح “موديل قديم” لا قيمة له بمجرد ظهور معلومة أحدث تطوي ما قبلها، تماماً كما يدمر التريند الجديد تريند الأمس!
أما القصة؟ شأنها مختلف تماماً. هي لا تدوس على عقلك لتفرض معناها فرضاً، ولا تسلبك حقك الإنساني الأصيل في استنطاق دلالاتها. إنها بذكاء شديد... تنسج بين ثنايا أحداثها فراغات مقصودة ومساحات بيضاء مسكوت عنها، يملؤها كل إنسان من نبض تجربته الخاصة ووجعه الذاتي. لذلك، ترى فيها أنت ما لا يراه غيرك، وتستخرج منها في كل محطة من عمرك—حين تنضج قليلاً—معنى جديداً تماماً كأنك تقرؤها لأول مرة. هي لا تطلب منك أن تحفظها صمّاً لتسميعها في اختبار، بل تدعوك لتعيشها. نعم، أثرها أبطأ في الوصول—وهذا طبيعي—لكنه أبقى مقاماً، وأشد رسوخاً في دهاليز النفس.
بناءً على هذا، يسهل علينا فهم الكاتالوج اليومي الذي يعيشه الشاب في عصرنا؛ إنه لا يكاد يمرر ساعاته دون أن يفتح شاشة هاتفه عشرات المرات—إدمان قسري إن جاز التعبير—لينتقل في غضون دقائق معدودة بين مئات الفيديوهات القصيرة (الريلز والشورْتس)، حتى تتحول الشاشة أمامه إلى نهر جارف من المحتوى السائل الذي لا يتوقف. يمر أمامه اقتباس براق عن النجاح، تليه فوراً نصيحة معلبة عن الثقة بالنفس، فموعظة وعظية عن الصبر، ثم حكمة تُنسب زيفاً أو صدقاً إلى فيلسوف يوناني، وعبارة مؤثرة مغلفة بموسيقى حزينة تلاعب العواطف. ثم—هوب—ينتقل بلمسة إصبع إلى مقطع آخر تماماً قبل أن تستقر الفكرة الأولى في وعيه أو تجد طريقها إلى قلبه.
كل مقطع من هذه المقاطع يبيعك الوهم؛ يعدك صاحبه بصوت واثق بأنه “سيغير حياتك في ثلاثين ثانية”! لكنك ما إن تفرغ منه حتى يذوب ويموع في سيل الفيديوهات اللاحقة، ليصبح أثره شبيهاً تماماً بما قاله بنيامين عن الخبر الصحفي اليومي؛ تنقضي قيمته بانتهاء لحظته، لأنه استنفد كل طاقته منذ الوهلة الأولى، ولم يترك في نفس المتلقي ذرة “أثر” تحثه على العودة أو الاكتشاف مرة بعد أخرى. وليس السبب هنا أن الحكمة المعروضة باطلة أو كاذبة بالضرورة، بل لأن النفس البشرية لم تُمنح الوقت الكافي—الزمن الرحب—لتقيم معها صلة حقيقية وثيقة. الشاب ينتقل من فكرة إلى فكرة قبل أن يختبر الأولى في طين واقعه، ومن عاطفة إلى عاطفة قبل أن تستقر إحداها في أعماق وجدانه.
وعلى النقيض تماماً من هذا العبث الرقمي، نجد القرآن الكريملا يعرض كبريات حقائقه في شكل قوائم صارمة أو “روشتات” نفسية سريعة. لا يقول للإنسان أبداً: “إليك الخطوات الخمس لتتعلم الصبر”، أو “الوسائل السبع لتجاوز الصدمات”، وإنما يأخذ بيده بلطف ويقص عليه قصة، ثم يتركه يغرق في ظلالها، ويستخرج منها بنفسه ما يداوي جرحه ويوافق حاله.
تأمل مثلاً قصة يوسف عليه السلام؛ إنها لا تنحصر في زاوية ضيقة، ولا تقف عند فضيلة واحدة بعينها:
الطفل الصغير يقرؤها فيبكي لظلم الإخوة وقسوتهم.
الشاب الغرير يطالعها فيرى فيها التسامي ومقاومة غواية الفتنة.
المظلوم الملقى في قاع السجن يتعلق بها كحبل نجاة ووعد بالفرج.
صاحب السلطة والقرار يتعلم منها العفو والعدل عند المقدرة.
الشيخ الكبير يرى فيها حكم الزمن الطويل، وكيف تطبخ الأقدار والمقادير حوادثها على مهل شديد.
وكذلك الأمر في قصة أصحاب الكهف؛ دلالتها لا تنقضي بنهاية الآيات، بل يجد فيها كل جيل سؤاله الوجودي الخاص عن ماهية الإيمان، وفلسفة الزمن، وتغول السلطة، وجدوى العزلة، وثمن الثبات. ولعل سر خلود هذه القصص—في ظني—أنها لا تغلق الباب في وجه التأويل، بل تفتحه على مصراعيه. هي لا تنتهي بانتهاء القراءة، بل تبدأ حقاً بعد الفراغ منها! ولذلك بقيت نابضة بالحياة على تعاقب القرون، في حين يبهت ويموت أثر آلاف المقاطع التي ملأت الشاشات وصمت آذاننا قبل أشهر قليلة... حتى كأنها لم تكن يوماً.
هذه الحقيقة الإنسانية نلمسها بوضوح عند مفكرينا المحدثين. خذ عندك مثلاً المفكر الجزائري مالك بن نبي؛ الرجل لم يطلق صيحته وفكرته المدوية عن «القابلية للاستعمار» لأنه عثر بالصدفة على عبارة رنانة في كتاب، أو لأنه استمع إلى “بودكاست” خاطف مدته ربع ساعة، لا، أبداً. الفكرة خرجت من رحم رحلة طويلة ومضنية في التأمل بأحوال العالم الإسلامي، ومراجعة تفصيلية لتاريخه، وتقصي جذور تراجعه الحضاري.
وقد كشف عن معالم هذه المكابدة في كتابه البديع «مذكرات شاهد للقرن»؛ حيث تبدو آراؤه ثمرة تراكم بطيء، معجون بالخبرات والملاحظات الحية، وليست ومضة خاطفة لمعت في ذهنه فجأة وهو يحتسي قهوته. ما كان لهذه الفكرة الفارقة أن تولد لو أنه رضي باستهلاك الإجابات السريعة الجاهزة؛ لأنها لم تكن جواباً عن سؤال عابر، بل نتيجة إقامة كاملة وطويلة مع سؤال حارق لازمه أعواماً متطاولة.
ومع ذلك كله، فإن الإنصاف يمنعنا من إطلاق حكم بالإعدام المطلق على “المحتوى القصير”؛ فربما يكون هذا المحتوى السريع—بالنسبة لجيل نشأ على إيقاع التيك توك ولم يألف الصبر على المجلدات والمطولات—باباً أولياً لا غنى عنه، أو مجرد “فتحة شهية”. وكم من شاب بدأت رحلته المعرفية بمقطع فيديو لا يتجاوز الدقيقة الواحدة، ثم قاده فضوله الإنساني إلى اقتناء كتاب، أو الاستماع لمحاضرة كاملة، أو الانخراط في صحبة فكرية حقيقية امتدت لسنوات. ليس من الحكمة والذكاء إذن أن نزدري هذه البدايات الصغيرة، شريطة أن تبقى بدايات لا غايات، ومجرد عتبات أولى لا تغني بحال عن مشقة السير الطويل.
لكن—وهنا يكمن الخطر الحقيقي—تبدأ الكارثة حين يتوهم الإنسان أن هذه الومضة الخاطفة تغنيه عن نور الشمس الدافئ، وأن قراءة العناوين والمانشيتات تغنيه عن سبر أغوار الكتب، وأن الاقتباس المبتور يغنيه عن عك التجربة ومرارتها. فإذا كانت القصة الحية أقدر بكثير من المعلومة المجردة الصماء على صياغة بني آدم جديد، وكانت الصحبة الصادقة أعمق أثراً وأبقى من المتابعة العابرة عبر الشاشات؛ فمن أين يجد شباب هذا العصر تلك القدوة الحقيقية؟ القدوة التي لا تكتفي بأن تملي عليهم من برج عاجي ماذا يصنعون، بل تريهم، بسيرتها الحية وسلوكها اليومي قبل كلامها، كيف يكون الإنسان الذي يطمحون أن يصيروا إليه يوماً ما؟
تدري ما هي الكارثة الحقيقية التي ضربت مفهوم “بناء الذات” في مقتل خلال سنيننا الأخيرة هذه؟ إنها ببساطة انزلاق الفكرة، لدى طائفة واسعة من الشباب—ولا أستثني منهم أحداً تقريباً—من كونها كفاحاً طويلاً لتشكيل جوهر الإنسان، إلى مجرد ماراثون سريع ومبتذل لتنميق صورته الخارجية!
اليوم، حين يثرثر أحدهم عن “تطوير النفس”، فإنه في الغالب لا يقصد بتاتاً تهذيب عقله، أو صقل أخلاقه، أو حتى التنقيب عن الحكمة؛ لأ، بل المبتغى هو نحت ما يسمونه بالرطانة الحديثة الـ Personal Branding أو “العلامة الشخصية”—تلك التي تجلب اللايكات، وتستدر عطف الخوارزميات، وتضمن لصاحبها مقعداً وارفاً في سوق النخاسة والتقدير الاجتماعي الذي دشنته منصات السوشيال ميديا.
وفي الحقيقة... هذا التحول الحربائي قد لا يثير ريبتك من أول وهلة. فالشخص في الحالتين يبدو منكبّاً على ذاته، أليس كذلك؟ لكن الفارق بين الغايتين شاسع لدرجة مرعبة؛ الأول يفرك يديه قلقاً ويسأل: كيف أكون إنساناً أفضل؟ أما الثاني فلا ينام الليل وهو يفكر: كيف أبدو إنساناً أفضل؟
إنه هوس الصورة قبل الحقيقة، وقشرة المظهر على حساب اللب والجوهر.
وبسبب هذا الفصام النكد، تحولت تفاصيل حيواتنا اليومية إلى “مواد خام” صالحة للعرض فقط، لا للعيش؛ فالقراءة باتت تُصوّر في كادرات مبهجة أكثر مما تُمارس في خلوة، والعمل يُوثّق بستوريات سريعة عوضاً عن إتقانه في صمت، وحتى الرحلات والسفريات لا يُنتقى منها إلا اللقطة التي تسيل لعاب المتابعين... لا التجربة التي تستحق أن تُحفر في الوجدان.
ربما لم يتعمد هؤلاء الشباب—في البداية على الأقل—هذا التصنع المقيت، لكنهم مع طحن الأيام وجدوا أنفسهم يعاينون تفاصيل عيشهم عبر عدسة الكاميرا وفلاترها، لا عبر نبض قلوبهم. إنهم يقصّون من أيامهم ما يثبت ملامح “البروفايل” المثالي في عيون الناس، ويحذفون العثرات والضعف البشري الطبيعي؛ لأن الجمهور لا يحب العيوب!
هنا تحديداً، يتشابك واقعنا الرقمي مع ما حذر منه والتر بنيامين قبل عقود، حين تشاءم من انحسار التجربة الإنسانية المتماسكة الشاملة—التي أسماها الـ Erfahrung—مقابل صعود الخبرات اللحظية المتفرقة والعابرة الـ Erlebnis.
ما الفرق إذن؟ التجربة المتماسكة هي السلسلة التي تلتحم فيها أيامك ببعضها البعض، لتبدو حياتك كأقصوصة واحدة متسقة، تتداخل فيها الهزائم بالانتصارات، والخطأ بالتصحيح، فتخرج منها بحكمة تزداد صلابة كلما اشتعل رأسك شيباً. أما إذا تبعثرت الحياة إلى شظايا وومضات منفصلة، انفرط ذلك العقد الذي يضم الأجزاء، وأضحى المرء مجرد حامل لألبوم صور تافه، لا صاحب سيرة ممتدة بالمعاني الحية.
وما أكثر هذا التشظي المقرف في أيامنا! بلمسة إصبع واحدة ترى: صورة من الجيم، تليها لقطة فنجان قهوة في مقهى فاخر، ثم غلاف كتاب ملقى بإهمال، فصورة من المطار، وخامسة ملتصقة بعبارة تحفيزية بلهاء من نوعية “كن أنت التغيير”. لكن—بربك—أين الحكاية التي تلم شتات هذه اللقطات كلها؟ أين ذلك التحول الباطني والطبخ الداخلي الذي يجعل من هذه المشاهد مسيرة ذات بوصلة وهدف، لا مجرد صور متجاورة في رول الكاميرا لا رابط بينها؟
الإنسان لا يُقاس بعدد “الستوريات” التي برع في توثيقها، بل بعدد اللحظات الصامتة التي نجحت في هز كيانه وتغييره من الداخل؛ وهذا هو الفارق الجوهري بين من يعيش حياته ليحكيها لاحقاً، ومن يحكي حياته للناس قبل أن يعيشها أصلاً.
ولو فتشنا عن نموذج حقيقي للقدوة—بعيداً عن هراء المؤثرين—لوجدناه عند رجال لم يمر بخيالهم قط مسألة صناعة “ماركة شخصية”. خذ عندك طه حسين مثلاً، حين كان عميداً لكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة الحالية)؛ كان بمقدوره ببساطة أن يشتري دماغه ويحافظ على كرسيه ومنصبه المرموق لو أنه انصاع لرغبة وزير المعارف في منح شهادة الدكتوراة الفخرية لبعض الأكابر وذوي النفوذ السياسي في البلد. لكنه رفض بغطرسة العالم الأبي، وقال كلمته التي حفظها التاريخ:
— يا باشا، عميد كلية الآداب ليس عمدة قرية يتلقى التعليمات من مأمور المركز فينفذها... هذه جامعة وليست عزبة!
ولم يكن طه حسين في هذا الموقف يستعرض شجاعة عنترية أمام كاميرات، ولا صاغ رسالته تلك طمعاً في ريتش أو تصفيق؛ فما هي إلا أسابيع قليلة حتى أُقيل من منصبه بجرّة قلم، وجفّت موارده المالية، لدرجة أنه اضطر للاستدانة من شقيقه ليجد قُوت يومه ويواجه أعباء المعيشة المرة إلى أن دارت الأيام وتبدلت الأحوال.
هنا يتجلى الفرق الصارخ بين “الصورة” و”المبدأ”؛ الصورة تحتاج لجمهور يصفق لها كي تعيش، أما المبدأ فيظل واقفاً على رجليه كالجبل... حتى لو لم يشاهده أحد في العتمة.
ولم يخلّد التاريخ اسم طه حسين في الضمير العربي لأنه كان “شاطراً” في تسويق نفسه، بل لأنه كان، في تلك اللحظات الفاصلة والحرجة، مستعداً لدفع الثمن كاشفاً من لحمه الحي دفاعاً عما يؤمن به. وتلك هي القدوة التي عزّت—بل ندرت—في زماننا؛ زمان كثرت فيه الوجوه المستنسخة، وقلّ فيه الثبات. المؤثر يبيعك شكل النجاح، لكنه يعجز تماماً عن توريثك قوة احتمال الخسارة في سبيل الحق؛ لأن هذه القوة لا تُطبخ أمام عدسات الهواتف، بل تُولد في الغرف المظلمة والمواقف الصعبة التي لا يصفق لها مخلوق.
ومع ذلك كله، وتوخياً للإنصاف والعدالة، لا نريد أن نصم “العلامة الشخصية” بكونها رجساً من عمل الشيطان في كل الأحوال؛ فهناك شريحة من الشباب وظفوها بذكاء ونبل، فالأداة الـ Tool في ذاتها صماء، لا هي خيرة ولا شريرة، وإنما تستمد شرعيتها من النية التي تحركها والغاية التي تصب فيها. الشهرة إن كانت مطية لخدمة رسالة أسمى منها، فبِها ونِعمت؛ أما إذا مسخت الرسالة نفسها لتصير مجرد وقود لتغذية شهرة الشخص وإيغو المتابعة... فقد انقلبت الموازين واختلت البوصلة من حيث لا يدري صاحبها المفتون.
وربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي—السؤال المقلق—الذي يجب أن يظل ينخر في عقل القارئ بعد أن يغلق هذه المقالة؛ فهو ليس سؤالاً عن “أفضل تطبيقات الإنتاجية”، ولا عن “أسرع طُرق التغيير السطحي”، بل هو سؤال أبسط بكثير، لكنه يضرب في العصب:
هل ما تكابده وتعيشه اليوم تلتحم أطرافه لتصنع منك قصة واحدة ذات معنى، أم أن حياتك مجرد لقطات مبعثرة وموجات من الأدرينالين تجمعها ذاكرة هاتفك... ولا يجمعها قلبك؟ وهل بين ركام الحسابات التي تتابعها كل صباح، إنسان واحد تعلم بيقين أنه لو انقطع عنه الإنترنت وغاب التصفيق لظل كبيراً كما هو، ولو خسر مصلحة فانية لما خسر نفسه؟
أعتقد في نهاية المطاف، أن الإنسان منا لا يحتاج لتكديس أصوات جديدة في رأسه بقدر حاجته لصوت واحد صادق يرافقه في رحلة العمر الطويلة، ولا إلى مئات المنشورات التي تقفز أمام عينيه يومياً، بل إلى تجربة يتيمة وواحدة تُعمّد روحه بماء اليقين فلا تفارقه أبداً. وهذه الفرصة ما زالت سانحة وممكنة؛ لأن حكايتك الحقيقية لا تبدأ يوم تقع على “الكتالوج” والإجابة الكاملة، بل تبدأ في اللحظة التي تجرؤ فيها على معايشة السؤال بكل صدق وعرَق، حتى يصبح عملك اليومي امتداداً جلياً لما تؤمن به في أعماقك... لا مجرد كادر جميل تتمنى أن يراه الناس لـ يضغطوا “لايك”.
أخذت شيئاً من هنا؟
فكرة أشعلت تساؤلاً، مقال فتح باباً، ترجمة وفّرت عليك ساعات بحث — لو حصل هذا مرة واحدة، فأنت تعرف ما يستحقه هذا المكان. دعمك هو ما يُبقي هذا المكان حياً.

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.