ماذا لو أن الأشياء التي نمرّ بها كل يوم ليست صامتة كما نظن؟ ماذا لو أن فنجانًا تركه أحدهم على الطاولة، أو معطفًا بقي معلّقًا خلف الباب، قادرٌ على أن يعيد إلينا شخصًا كاملًا !أو يعيد إلينا أنفسنا بعد أن ضللناها؟
ليس كتاب «الأشياء التي تنقذنا» وعدًا بالنجاة، ولا محاولةً لتجميل الحزن أو اختصاره في كلماتٍ مطمئنة. إنه كتابٌ يعرف أن بعض الفقد لا يُشفى منه المرء، بل يتعلّم أن يعيش حوله، وأن يعيد ترتيب أيامه بعده.
تكتب لورينزا عن الإنسان حين يضطر إلى إعادة ترتيب علاقته بالحياة، بعد أن يسقط منها شيءٌ أساسي. عن تلك اللحظة التي لا يعود فيها البيت بيتًا كما كان، ولا تصبح الأشياء مجرد أشياء؛ إذ تأخذ المقاعد والروائح والصور القديمة دورًا آخر، كأنها تحفظ ما عجز القلب عن حفظه وحده.
وفي قلب الرواية تقف جيا ، بعد رحيل جدتها، أمام غيابٍ لا يمكنها أن تهزمه ولا أن تعيده إلى الوراء. لكنها لا تبحث عن جدتها في محاولةٍ يائسة لاستعادة ما مضى؛ بل تستعيد، عبر أثرها، معنى البيت. تستعيد ذلك الدفء الخفي الذي يجعل الذكرى حيّة، دون أن تتحول إلى قبرٍ نسكنه.
لم أرَ جيا امرأةً مهزومة أمام وحدتها، بل امرأةً تتعلّم كيف تقيم في الفراغ دون أن تسمح له أن يبتلعها. هي لا تنتصر بانقلابٍ كبير، ولا تتجاوز حزنها دفعةً واحدة؛ إنما تتقدّم بخطواتٍ صغيرة، تلتقط ما بقي من الضوء، وتمنح التفاصيل البسيطة حقّها في أن تكون سندًا.
وكأن الكتاب كُتب من أجل هذه الحقيقة الرقيقة:
أننا لا ننجو لأن الألم يختفي،
بل لأن شيئًا ما—صغيرًا، صادقًا، ومضيئًا—يمدّ يده إلينا في الوقت المناسب.
ربما يكون ذلك الشيء كتابًا، أو ذكرى، أو شخصًا، أو حتى لحظةً نعود فيها إلى أنفسنا دون ضجيج فالنجاة ليست أن نخرج من الحياة بلا خدوش، بل أن نعرف، وسط كل ما يتساقط منّا، ما الذي يستحق أن نحمله معنا.
No posts

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.