RSS Amplifier

Ńirvanâ · Aug 16, 2026

ماذا لو أن الإفراط في فهم الحياة أحد أشكال تفويتها؟

0
Sign in to vote or save

This page did not load. You can still read it on the original site — the toolbar below keeps your place in the directory.

لطالما ظننتُ أن الفهم نجاة

أن أعرف لماذا حدث الشيء، وأن أسمّي شعوري تجاهه، وأن أفتّش عن المعنى المختبئ خلفه كأن الحياة تصبح أقل قسوة حين أفهمها أكثر.

لكنني بدأت أتساءل: ماذا لو لم يكن الأمر كذلك دائمًا؟ ماذا لو أن بعض الحياة لا تريد منّا أن نفهمها، بل أن نمرّ بها فقط؟
أن نحب دون أن نفتّش طويلًا في مصير الحب، وأن نفرح دون أن نسأل كم سيبقى الفرح، وأن نحزن دون أن نحوّل الحزن إلى مسألة تحتاج إلى حل.

ماذا لو أن الإفراط في فهم الحياة أحد أشكال تفويتها؟

أعادت إليّ هذه الفكرة رواية «زوربا اليوناني»؛ أو ربما أعاد إليّ زوربا سؤالًا قديمًا ظل مختبئًا في رأسي:

كم مرة وقفتُ خارج اللحظة أراقبها، بينما كان يكفيني أن أكون داخلها؟

في الرواية، كان الراوي يملك الكتب والأفكار والقدرة على التأمل. رجل يعرف كيف ينظر إلى الحياة من مسافة تكفي لفهمها.

ثم جاء زوربا.

رجل لا يبدو منشغلًا بتفسير الحياة بقدر انشغاله بأن يكون حيًّا فيها.

وهنا بدأ السؤال الذي أزعجني أكثر:

هل يمكن أن يصبح الوعي، حين يزيد عن حدّه، طريقة مهذبة للخوف؟

ربما.

ربما نسمّي خوفنا أحيانًا «حكمة»، ونسمّي تردّدنا «تروّيًا»، ونمنح انسحابنا أسماء أكثر لياقة حتى لا نعترف بأننا خفنا من خوض التجربة كاملة.

نفكر في الأشياء قبل أن تحدث، وأثناء حدوثها، وبعد أن تنتهي.

نراقب أنفسنا ونحن نحب، ونراقب أنفسنا ونحن نحزن، ونقف أحيانًا في منتصف الفرح لنتساءل عن نهايته.

حتى كأننا نخسر اللحظة مرتين:

مرة حين ننشغل بتفسيرها وهي تحدث،
ومرة حين نستعيدها بعد فواتها ونتساءل لماذا لم نعشها أكثر.

وللفهم إغراء لا يمكن إنكاره.

حين أفهم، أشعر أنني أملك شيئًا من السيطرة. أضع للحوادث أسبابًا، وللناس دوافع، وللخسارات تفسيرات؛ فيصبح العالم أقل فوضى حين أستطيع ترتيبه في رأسي.

لكن الحياة لا تحترم هذا الترتيب دائمًا.

بعض الأشياء تحدث بلا خاتمة تليق بها.
بعض الأشخاص يغادرون قبل أن نفهم لماذا جاؤوا.
بعض الأبواب تُغلق دون إجابة أخيرة.
وبعض الأسئلة، مهما أدرناها في رؤوسنا، لا تملك جوابًا ينتظر أن نكتشفه.

وربما النضج ليس أن نفهم كل شيء.

ربما النضج أن نعرف متى نتوقف عن محاولة الفهم.

وهنا أفهم زوربا أكثر.

ليس لأنه امتلك أجوبة أفضل من الراوي، بل لأنه لم يشترط على الحياة أن تجيبه كي يعيشها.

كان يستقبل اللحظة بما فيها؛ يفرح حين يأتي الفرح، ويحزن حين يأتي الحزن، وحين تعجز اللغة عمّا في داخله… يرقص.

ولذلك يبدو الرقص في «زوربا اليوناني» أكبر من مجرد رقصة.

إنه نقيض الوقوف خارج الحياة.

أن تدخلها بكلك، دون أن تطلب منها ضمانًا، ودون أن تعرف مسبقًا إلى أين ستأخذك.

ومع ذلك، لا أريد أن أكون زوربا.

ولا أظن أن الرواية تطلب منّا ذلك أصلًا.

فيه من الاندفاع والفوضى والتناقض ما يجعلني أختلف معه كثيرًا. لكنني أفهم لماذا احتاج الراوي إلى رجل مثله.

أحيانًا لا نحتاج شخصًا يشبهنا، بل شخصًا يكشف لنا الجزء الذي بالغنا في إسكاته داخلنا.

احتاج الرجل الذي قرأ كثيرًا إلى رجل عاش كثيرًا.

واحتاج العقل الذي أراد تفسير كل شيء إلى إنسان يذكّره بأن ليس كل ما يستحق أن يُعاش يحتاج أولًا إلى أن يُفهم.

وربما لهذا بقي زوربا عالقًا في الذاكرة.

ليس لأنه امتلك فلسفة متماسكة للحياة، بل لأنه بدا وكأنه فلسفة تمشي على قدمين:

أن تكون حاضرًا حين تحدث لك حياتك.

لا أن تصل إليها متأخرًا، بعدما تكون قد حلّلتها بما يكفي.

ومنذ أن عدت إلى زوربا، يراودني سؤال أصعب:

كم شيئًا في حياتنا لم يمنعنا عنه القدر، ولا الناس، ولا الظروف…

بل منعنا عنه أننا فكّرنا فيه أكثر مما ينبغي؟

لست مع أن نعيش بلا وعي؛ فالوعي جزء مما يجعل التجربة إنسانية أصلًا.

لكن بين أن نعيش بلا وعي، وبين أن نراقب حياتنا حتى تفوتنا، مساحة ثالثة أريد أن أتعلّمها:

أن أفهم ما استطعت،
وأن أقبل ما استعصى،
وحين لا يبقى للفهم شيء يضيفه

أن أرقص.

Read on 88n88.substack.com

Comments

Nothing yet. Say the first thing.

    Sign in to join the conversation.