مررتُ ذات يومٍ برائحة حنّاء…
فتوقفت.
لم يكن أمامي بيتُ جدتي، رحمها الله، ولم تكن تجلس في مجلسها المعتاد، ولم يكن صوتها يملأ المكان كما كان يفعل دائمًا… ومع ذلك، شعرت أنني عدت إليها.
في لحظةٍ واحدة، امتلأ الهواء بشيءٍ لا يُرى، لكنه يُشبهها تمامًا. كأن الرائحة لم تحمل عبق الحنّاء فحسب، بل حملت ضحكتها، وهدوءها، ودفءَ يديها، وحتى ذلك الأمان الذي كان يسكن بيتها.
عندها فقط أدركت…
أن الروائح لا تمر بنا كما تمر سائر الأشياء، بل تعبر إلى أعماقنا، إلى مكانٍ لا تصل إليه الكلمات، ولا تبلغه الصور.
ولعل ذلك ليس محض مصادفة؛ فحاسة الشم ترتبط في الدماغ ارتباطًا مباشرًا بالمناطق المسؤولة عن الذاكرة والعاطفة، ولهذا لا تعيد إلينا الرائحة صورةً من الماضي، بل تعيد إلينا شعورًا ظنناه قد اندثر.
إن الصور تُرينا كيف كانت الأيام…
أما الروائح، فتجعلنا نعيشها من جديد.
ربما لهذا السبب، لا أؤمن أن لكل إنسان بصمةً في أصابعه فحسب، بل أؤمن أن له بصمةً في رائحته أيضًا.
فنحن لا نحفظ من نحب بملامحهم وحدها، بل نحفظهم بذلك العبق الخفي الذي كان يسبق حضورهم، ويبقى بعد غيابهم.
كنت أظن أن الحنان يُقال، حتى اكتشفت أنه قد يُشم أيضًا.
لا أستطيع أن أصف رائحة أمي، لأنني كلما حاولت، شعرت أنني أظلمها. ليست عطرًا معينًا، ولا رائحةً يمكن أن تُشترى من متجر، بل هي شيءٌ يشبه الأمان حين يصبح له عبق.
كانت تمر في أرجاء البيت، فيهدأ المكان دون أن أشعر. حتى اليوم، إذا صادفت رائحةً تشبهها، أبتسم تلقائيًا، وكأن شيئًا في داخلي يخبرني أن كل شيء سيكون بخير.
وأبي، حفظه الله…
علّمني دون أن يقصد أن أجمل الذكريات لا تُصنع بالمناسبات الكبيرة، بل بالتفاصيل الصغيرة التي نظنها عابرة.
ما زلت كلما مررت بمخبزٍ في الصباح، يعود إليّ ذلك المشهد القديم.
كنت أخرج معه وأنا طفلة، نمضي في هدوء الصباح قبل أن تستيقظ المدينة، وندخل المخبز الذي يملؤه دفء الخبز ورائحة الفطائر الخارجة لتوها من الفرن.
كنت أراقب البخار وهو يتصاعد منها، ثم يسلمني أبي الكيس الدافئ، فأحمله بكلتا يدي، وكأنني أحمل كنزًا لا يجوز أن يسقط.
كانت رائحة المخبوزات تملأ السيارة، وتسبقنا إلى البيت، ولم أكن أعلم أن تلك الصباحات البسيطة ستصبح يومًا من أثمن ما أملك.
واليوم…
كلما مررت بمخبز، لا أشتهي الفطائر بقدر ما أشتاق إلى تلك الطفلة التي كانت تمشي بجوار أبي، وإلى تلك السكينة التي كانت تسكن صباحاتنا دون أن ننتبه لها.
ثم تأتي جدتي…
رحمها الله.
وهنا، أشعر أن اللغة تقف صامتة.
فكيف يمكن للكلمات أن تصف امرأةً أصبحت رائحتها وطنًا؟
منذ أن رحلت، لم تعد الحناء في نظري نباتًا يُطحن ويُعجن، بل أصبحت بابًا يُفتح على طفولتي كلما فاح عبقها.
كانت الحناء تسبق حضورها، كما يسبق الضوء شروق الشمس، وكانت رائحتها تمتزج ببخور العصر، وبالقهوة التي كانت تُسكب بمحبة، حتى أصبح ذلك المزيج بالنسبة إليّ تعريفًا كاملًا للعائلة.
لم أكن أحفظ شكل تلك الأيام…
كنت أحفظ رائحتها.
ولهذا، كلما مررت ببيت جدتي، رحمها الله، أشعر أن الذكرى تسبقني إليه.
لا ألتفت إلى الجدران أولًا، بل أتنفس.
وكأنني أبحث في الهواء عن شيءٍ تركته هناك منذ سنوات.
وأجده…
في رائحة الحناء.
وفي عبق البخور.
وفي دفء القهوة.
وفي الصمت الذي يخبرني أن بعض الأحبة يرحلون عن أعيننا، لكنهم يتركون في الهواء ما يجعلنا نلقاهم كلما مرّت بنا رائحةٌ تشبههم.
ولذلك…
كلما فاحت رائحة الحناء، يسبق الدعاءُ الذكرى.
اللهم ارحم جدتي، واجعل الجنة منزلها، كما جعلت الدنيا أجمل بحضورها.
لم تكن جدتي، رحمها الله، وحدها من علّمتني أن للبيوت رائحة…
فالبيوت، في الحقيقة، لا تحفظها الجدران، بل يحفظها الهواء الذي كان يدور في أركانها.
ولكل بيتٍ أحببناه عبقٌ لا يتكرر.
رائحة الستائر التي داعبها نسيم العصر، ورائحة القهوة التي كانت تُعد قبل أن يجتمع الجميع، ورائحة البخور الذي كان يتسلل بهدوءٍ من غرفةٍ إلى أخرى، حتى يصبح جزءًا من الأثاث، وجزءًا من الذكريات.
كنت أظن أنني سأكبر وأنسى كل ذلك.
لكنني اكتشفت أن الروائح لا تسمح لنا بالنسيان.
يكفي أن يفوح بخورٌ يشبه ذلك الذي كان في بيت جدتي، حتى يعود المجلس كما كان، وتعود الوجوه التي أحبت المكان، وتعود الضحكات التي كانت تتداخل مع صوت فناجين القهوة وهي توضع على الطاولة.
ربما لهذا السبب، لا أشتاق إلى الماضي لأنه مضى…
بل لأن رائحته كانت أجمل.
واليوم، وأنا ما زلت أعيش أيامي الدراسية، أتساءل أحيانًا…
هل سأشتاق إلى كل هذا يومًا؟
إلى ركضي في أسياب المدرسة قبل أن يسبقني الجرس إلى الحصة، وإلى ضحكاتنا ونحن نعتذر للمعلمة لأننا تأخرنا دقائق، ثم نضحك على الأمر بعد انتهاء الدرس.
وأشتاق مسبقًا إلى تلك الجلسات الصباحية التي تبدأ قبل أن تبدأ الحصص.
نجلس معًا، وكل صباحٍ تقريبًا تأتي واحدةٌ منا وهي تحمل القهوة للجميع، وكأنها تعرف أن بداية اليوم لا تكتمل إلا بها.
لم تكن القهوة هي ما يجعل تلك اللحظات جميلة…
بل الوجوه التي كانت تحيط بها.
وأفكر أحيانًا…
بعد سنوات، هل سأمر بمقهى، أو أشم رائحة قهوة، فتعود إليّ هذه الصباحات كلها دفعةً واحدة؟
ربما سأبتسم دون أن يعرف أحد السبب.
وربما سأدرك حينها أنني لم أكن أعيش أيامًا عادية…
بل كنت أعيش ذكرياتٍ تُكتب بهدوء.
وللطبيعة أيضًا ذاكرةٌ لا تقل جمالًا عن ذاكرة البشر.
رائحة المطر…
لا أعرف كيف استطاع الله أن يجعل للمطر رائحة، مع أنه ماء.
لكن ما إن تلامس أولى قطراته الأرض، حتى يرتفع عبقٌ لا يشبه شيئًا آخر، عبقٌ يخبرنا أن الحياة تستطيع أن تبدأ من جديد مهما طال الجفاف.
أما الشجر الأخضر…
فكلما مررت بجواره بعد المطر، شعرت أن الهواء أصبح أنقى، وأن العالم، رغم كل ما فيه، ما زال يحتفظ بشيءٍ من البراءة.
وكأن الأشجار لا تمنحنا الظل وحده…
بل تمنحنا سلامًا لا يُرى، لكنه يُشم.
أما البحر…
فله رائحةٌ لا أعرف كيف أصفها، إلا أنها تشبه الاتساع.
كلما حمل النسيم شيئًا من ملوحته، شعرت أن صدري أصبح أوسع، وأن الهموم أصغر، وأن الإنسان خُلق أحيانًا ليقف أمام البحر صامتًا، ويترك للهواء مهمة مواساة قلبه.
وأما الورود…
فليست رائحتها مجرد عبيرٍ يملأ المكان، بل رسائلُ صامتة تحفظها الذاكرة طويلًا.
كم من وردةٍ قُدمت في مناسبةٍ سعيدة، أو في لحظة اعتذار، أو احتفالٍ صغير، ثم ذبلت أوراقها وبقي عبقها عالقًا في القلب.
ولهذا، كلما فاحت رائحة الورد، لا نتذكر الزهرة نفسها، بل نتذكر اليد التي قدّمتها، والابتسامة التي رافقتها، والكلمات التي قيلت في تلك اللحظة.
فالورود تذبل…
أما المشاعر التي حملتها، فلا يذبل منها شيء.
وفي نهاية الأمر…
أدركت أن الله لم يجعل للروائح هذا الأثر عبثًا.
فلو كانت الذكريات تعيش في الصور وحدها، لاحتجنا أن نفتح الألبومات كلما اشتقنا، ولو كانت تعيش في الكلمات، لبحثنا عنها بين الرسائل القديمة.
لكن الله جعلها تسكن الهواء…
كي نجدها حيث لا نتوقع.
في نسمةٍ عابرة، أو فنجان قهوة، أو بخورِ عصرٍ هادئ، أو وردةٍ على طاولة، أو رغيفِ خبزٍ خرج للتو من الفرن، أو عبقِ حنّاءٍ يعيد إلينا وجوهًا ظننا أن الأيام أبعدتها.
حينها لا نتذكر الماضي…
بل نعيشه.
فنضحك مع أشخاصٍ غابوا، ونجلس في بيوتٍ هُدمت، ونركض في ممراتٍ تجاوزناها، ونسمع أصواتًا لم تعد تُسمع إلا في قلوبنا.
وربما لهذا السبب…
لا أبكي حين تمر بي رائحةٌ قديمة.
بل أبتسم أولًا…
ثم أحمد الله أن في العمر روائح، لا تسمح لأجمل أيامنا أن تموت.
رحم الله من أصبح عبقهم ذكرى، وأطال في أعمار من لا تزال روائحهم تملأ بيوتنا دفئًا وحياة.
فبعض البشر لا يتركون وراءهم مالًا، ولا صورًا، ولا كلماتٍ كثيرة…
يتركون رائحة.
وربما كانت الرائحة…
أصدق أشكال الخلود.
فإذا مرّ بك يومًا عبقٌ أعادك إلى زمنٍ ظننته انتهى، فلا تستغرب…
فليست كل الذكريات تُحفظ في العقل.
بعضها…
يظل عالقًا في الهواء…
ينتظر لحظةً واحدة…
ليأخذ بيدك إلى البيت.
No posts

Comments
Nothing yet. Say the first thing.
Sign in to join the conversation.